رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من البداية. مفهومُ (الاعتراف) الوارد في هذا المقال لايعني مجرد (المعرفة) وأخذ العلم بالحقائق (الصعبة) المذكورة، فهذا حاصلٌ ولاينفعُ في قليلٍ أو كثير. وإنما يعني الإقرار بوجود تلك الحقائق كواقعٍ عملي ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند التفكير بالوضع السوري ومحاولة فهمه، ثم أخذه بعين الاعتبار في معرض البحث عن طرق التعامل مع هذا الواقع. بمعنى ألا يكون العلمُ بالحقائق المذكورة مجرد مدخلٍ لاستهجانها وشجبها وإدانتها والتعامل معها بمنطق الهجاء والشتيمة، وكفى الله المؤمنين القتال، كما يُقال، وكما هو الحال.
رغم هذا، لايعني الاعتراف بالحقائق أيضاً الاستسلامَ النهائي لها كما هي، والقبولَ المُذعِن الانهزامي لمعطياتها وآثارها في واقع السوريين، وفي طريقة عملهم لثورتهم وبلادهم. وإنما المقصودُ بذل الجهد الواعي القائم على التخطيط والعمل والمتابعة للتعامل معها بمهارةٍ واحتراف، وصولاً إلى أقصى مايمكن من توظيفها إيجابياً في دفع مسيرة الثورة إلى الأمام.
والمقصود بالسوريين هنا بعض شرائحهم الخاصة حيناً، وجموعهم الكبرى في معظم الأحيان.
أولاً. لايمكن للسوريين استيراد معارضين من (سويسرا)! هذه بضاعتُنا اليوم.. وهي بضاعةٌ تم (تصنيع) ثقافتها عبر أكثر من خمسين عاماً بمزيجٍ عجائبي لايمكن إحصاءُ مكوناته من المواد الداخلة في عملية التصنيع، رغم كل المحاولات التي تتحدث عن الظلم والكبت والقهر والتجهيل والتسطيح و..
فَرزَت أربعةُ أعوام كثيراً من الغثﱢ والسَّمين. تعلمَ فيها البعضُ وأصبح أفضل، وتعلم فيها البعض وأصبح أسوأ.. فَهمَ قومٌ خلالها حقيقة السياسة، فباتوا أقرب لامتلاك أدواتها وأهلاً للعمل فيها، وظنﱠ قومٌ أنهم فَهمُوها، لكنهم لايزالون يعيشون (الوهم) اليوم، وسنرى حكمُ التاريخ فيهم غداً.. قالها أجدادنا منذ زمن: "كل إناءٍ بما فيه ينضح". من هنا، فالآنية تنضحُ، وستنضحُ إلى حين. ولكن، لايوجد في الواقع السوري اليوم من يملك (رفاهية) إلغاء البعض هنا والبعض هناك. ثمة (اختيارٌ طبيعي) يحصلُ مع الأيام، وبطريقةٍ لاتُدركها النظرات والأحكام المستعجلة، إلا أن الواقع المذكور، بكل تفاصيله، حقيقةٌ من الحقائق التي يهدف المقال لتأكيدها.
ثانياً. لم يعد ثمة معنى لمحاولة إلغاء قوى المعارضة الموجودة خارج (الائتلاف الوطني) أفراداً ومجموعات، كما هو الحال تماماً بالنسبة لأوهام (تجاوز) الائتلاف وتشكيل بدائل له أو الالتفاف عليه بدعمٍ من هنا أو هناك. تغيرت الظروف كثيراً خلال العامين الماضيين، وتُحسب لقيادة الائتلاف هنا محاولاتها في هذا المجال، لكن على الائتلاف أن (يعترف) بشكلٍ قاطع بمحدودية قدرته على التفكير والحركة. بمعنى أن يجد وسائل مُبتكرة لاستيعاب القوى الجديدة والقديمة الموجودة في الساحة السياسية. يمتد هذا على طيفٍ واسع يبدأ من المجموعات الكثيرة التي التقت، مثلاً، مع المندوب دي مستورا، والتي نتجَ عن فعالياتها تراكمٌ يُستفاد منه بشكلٍ أو بآخر، ويمرﱡ بشرائح من النشطاء والساسة المنشقين عن النظام الذين اكتسبوا بدورهم مزيداً من الخبرات والمعارف، ولاينتهي مع المجاميع السورية التي التقت في القاهرة الشهر الماضي، والتي نتج عن لقائها، رغم كل المخاوف السابقة، وثيقةٌ فيها الكثير مما يمكن أن يتفق عليه السوريون.
من العبث القولُ هنا بأن المطلوب (توسيع) الائتلاف بالأشكال الكاريكاتورية السابقة لاستيعاب كل المكونات المذكورة أفراداً ومجموعات، فهذه دعوةٌ للفوضى الكاملة تنظيمياً وسياسياً، وإنما المقصود إيجاد آليات، لانهاية لأشكالها، بوجود شيءٍ من الإبداع في التفكير السياسي.
ثالثاً. العائق الأكبر والأهم والحاسم في وجه سقوط نظام بشار الأسد هو (عدم وجود البديل). هذه، من ناحية، حقيقةٌ ربما يعرفها السوريون جميعاً، ولكن من باب العلم بالشيء كما ذكرنا. وهي، من ناحيةٍ أخرى، أكبرُ (حجةٍ) يحتج بها النظام الدولي للحفاظ عليه حتى الآن. حسناً. لايوجد في عالم السياسة المعاصر شيءٌ يُسمى (عدم وجود بديل) بشكلٍ مُطلق ونهائي وحاسم. و(حماية) بشار الأسد من السقوط حالياً من قبل روسيا وإيران، وأمريكا وأوربا، وبعض الدول الإقليمية، سببها (وظيفي) وليس (شخصياً). من هنا، فالمهمة الأكبر للمعارضة السياسية والعسكرية السورية تتمثل في الانكباب على تشكيل البديل المذكور. وهذا البديل يتمثل في كلمتين: (أشخاص) و (رؤية سياسية). أشخاص يمتلكون (ربما سوياً كمجلسٍ عسكري أو مختلط) القوة المادية والمعنوية لضبط تفاعلات مابعد سقوط الأسد، و (رؤية) تُؤمِّنُ حداً أدنى من التنظيمات السياسية والدستورية والقانونية للبلد، ولكن الأهم من ذلك أن (تتعهد) بتأمين ترتيباتٍ إقليمية تضمن استمرارية الأوضاع فيه كما هي عليه، حيثُ يكون ذلك مطلوباً.. وتُساهم في معالجة الفوضى، حيث يكون ذلك مطلوباً..
رابعاً. آن الأوان لتتصرف جميع الفصائل العسكرية، والإسلامية منها تحديداً، بناءً على خبرتها الميدانية والسياسية المحلية والإقليمية والدولية التي اكتسبتها، دون جدال، خلال السنوات الثلاثة الماضية منذ بدء عسكرة الثورة. لم نستعمل قاصدين عبارة (آن الأوان لتُدرك الفصائل حقائق الواقع..)، لأننا جميعاً نعرف أنها أدركت، وبشكلٍ في غاية القسوة، كل الحقائق. لكن بعضها لايزال يتصرف مع هذا الإدراك بدرجةٍ من (أخذ العلم) الممزوجة بـ (بقايا المثالية) القديمة.. لم يعد ثمة مجالٌ للاستئثار بساحة العمل العسكري، ولا للتنافس على الدعم، وأحياناً على الصيت والشهرة. لم يعد هناك إمكانٌ لأحلام إقامة (الدولة الإسلامية) ولا للحديث بمنطقها أو استخدام وسائل وهياكل توهم بإمكانية تحقيقها. لامجال بعد اليوم، لدى الفصائل، للاستخفاف بالمعارضة السياسية السورية، مع كل أخطائها ومشكلاتها. لامفر من (الواقعية) بكل مافيها من تفريقٍ استراتيجي بين المصالح العاجلة والآجلة، والفردية والعامة. بل لامهرب من (براغماتيةٍ) مدروسة لاتعني على الدوام، كما يفهم البعضُ بسذاجة، بيعَ المباديء والمتاجرة بالقضية. هذه ثنائياتٌ متناقضة لاتوجد إلا في أذهان أغرار في العمل السياسي والعسكري والاستراتيجي، ولايليق أبداً أن تبقى في ذهن من يعمل بصدق لبلاده وأهله، خاصةً بعد هذه التجربة الهائلة بكل معاني الكلمة.
خامساً. من رابع المستحيلات أن يصل السوريون إلى رؤيةٍ سياسيةٍ محترفة متكاملةٍ، قدر الإمكان، يمكن أن تكون جزءاً من (البديل) المطلوب إقليمياً ودولياً، بالاعتماد على العاملين بشكلٍ مباشر في حقلي السياسة والعمل العسكري. الأرجح أن أغلب أهل الفصائل زاهدون أصلاً في مثل هذه المهمة، أو مدركون لاستحالة قيامهم بها. لكن كثيراً من ساسة المعارضة السورية موهومون بأن (السياسي) هو الذي يضع مثل تلك الرؤية، وليس أبعدَ عن الحقيقة في عالم السياسة المعاصر من هذا الوهم. ففي هذا العالم، يقوم الخبراء والمتخصصون والتكنوقراط بإعداد الرؤية بتفاصيلها المعقدة، ثم إن الساسة يضبطون بعض جوانبها ويُجرون فيها شيئاً من التعديلات. وهذه حقيقة أخرى تفرض على المعارضة السورية أن تنظر عَبرها إلى هذه المهمة بمنظارٍ جديد.
مرةً أخرى، ثمة (نافذة فرصة) للسوريين وثورتهم في هذه المرحلة. لم يعد هناك طرفٌ سوري يستطيع أن (يأكل الكعكة) لوحده، مع الاعتذار على التشبيه، لا على سبيل المصالح الحزبية والإيديولوجية والشخصية، ولا على سبيل (الإخلاص).. نحن أمام مفترق طُرُق حساسٍ وفريد يَصلُ بين واقع الإنهاك الكبير للجميع من جهة، والفرصة الفريدة لهم ولبلادهم من جهةٍ أخرى. والاعتراف بالحقائق السابقة مدخلٌ للأخذ بالقرار الصحيح.
خيمة على حافة العاصفة
ذات ليلة غبراء، دويُّ الرعد يحاصرني، ووميض البرق يلاحقني، يخترق مسامات خيمتي الصغيرة يجتز أواصرها، ويهدد أركانها. تهتز... اقرأ المزيد
24
| 27 مارس 2026
حياة مؤجلة إلى إشعارٍ آخر
في مكانٍ غير مرئي داخل كل واحدٍ منا، توجد غرفة انتظار واسعة، مقاعدها مصفوفة بعناية، وساعتها لا تُصدر... اقرأ المزيد
30
| 27 مارس 2026
يا أهل قطر.. «لن تراعوا»
أمام أمواج الاضطرابات التي يموج بها عالمنا اليوم، ما الذي يجعل بلداً كقطر يواجه التحديات بقلبٍ مطمئن ويقين... اقرأ المزيد
30
| 27 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3900
| 22 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1686
| 24 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1635
| 24 مارس 2026