رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً". ( ) [رواه البخاري ومسلم]. البخاري في كِتَاب الصَّوْمِ باب بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ ومسلم في كتاب الصيام. باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر.
تَسَحَّرَ: أَكل السَّحورَ. وقد تسحر الرَّجل ذلك الطَّعام أَي: أَكله، فالتسحر – هو الأكل قبل الصبح – وهو سنة مؤكدة بل هذا الحديث يدل على كراهة تركه ،وقد تكرر ذكر السَّحور في الحديث الشريف في غير موضع.
والسَّحُور: طعامُ السَّحَرِ
السَّحور- بالفتح - اسمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ به وقت السَّحَرِ - وهو آخر الليل - من طعام أَو شراب (لبن أَو سويق أو حتى ماء أو غيره من السوائل) وُضِع اسماً لما يؤكل ذلك الوقت؛
السُّحور : بالضَّم المصدر والفعل نفسه أي أكل السَّحور ، وأَكثر ما روي بالفتح؛ وقيل: الصَّواب بالضَّم لأَنَّه بالفتح الطعام والبركة، والأَجر والثواب في الفعل لا في الطَّعام؛ هذا معنى الكلمة في لسان العرب وممن أورد هذا المعنى ابن الأثير ، والأزهري.
وفي القاموس: السحر هو قبيل الصبح، وفي الكشاف هو: السدس الأخير من الليل.
قال عياض: وكان في صدر الإسلام ممنوعاً اهـ.
حديث أنس دليل على أن الصائم مأمور بالسُّحور ؛ لأن فيه خيراً كثيراً وبركة عظيمة دينية ودنيوية، وذكره (ص) للبركة من باب الحض على السُّحور ، والترغيب فيه، وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) "من أراد أن يصوم فليتسحر بشيء"( ). مسند الإمام أحمد
وهذا الأمر في الحديث أمر استحباب لا أمر إيجاب بالإجماع، بدليل أن النبي r واصل وواصل أصحابه معه. والوصال أن يصوم يومين فأكثر فلا يفطر، بل يصوم الليل مع النهار.
وأجمعوا على أن تناول السَّحور مندوب لا واجب- ولعل الصارف له عن الوجوب إلى الندب ما ثبت من مواصلته - صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم - ومواصلة أصحابه معه - رضي الله عنهم- . أو عدم مواظبة الرسول - صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم- . أو الإجماع فقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن التسحر مندوب. وقد ترجم البخاري باب بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ وَاصَلُوا ، وأُخذ من الوصال أن السُّحور ليس بواجب، وحيث نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال لم يكن على سبيل تحريم الوصال وإنما هو نهي إرشاد لتعليله إياه بالإشفاق عليهم، وليس في ذلك إيجاب للسُّحور ، ولما ثبت أن النهي عن الوصال للكراهة فضد نهي الكراهة الاستحباب فثبت استحباب السُّحور ، وقد جاءت الرخصة به رحمة من الله تعالى للمسلمين فقد كان الأمر في ابتداء الإسلام إذا حل الليل فإنما يحل به للمسلم الأكل والشرب والجماع بين العشائين فقط فإذا نام قبل ذلك أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة وللطبراني من حديث سلمان رفعه " البركة في ثلاثة: الجماعة و السُّحور والثريد"
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) "السَّحور أكله بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء. فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين()".
ويحصل السُّحور بأقل ما يتناوله الإنسان من مأكول أو مشروب، فلا يختص بطعام معين، عنْ أَبي هُرَيْرَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "نِعْمَ سُحُورُ المُؤْمِنِ التّمْرُ".( ) سنن أبي داود كتاب الصيام باب من سمى السَّحور الغداء، إنما مدحه في هذا الوقت لأن في نفس السحور بركة، فيكون المبدوء به والمنتهى إليه بركة. فى سنن أبي داود : عن أبي ذَرّ قال: "صُمْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئاً مِنَ الشّهْرِ حَتّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللّيْلِ، فَلمّا كَانَتِ السّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلمّا كَانَتْ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حتّى ذَهَبَ شَطْرُ اللّيْلِ فَقُلْتُ: يَا رَسُول الله لَوْ نَفّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللّيْلَةَ. قالَ فَقَالَ: إِنّ الرّجُلَ إِذَا صَلّى مَعَ اْلإِمَامِ حَتى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ اللّيْلَةَ. قالَ: فَلمّا كانَتِ الرّابِعةُ لَمْ يَقُمْ، فَلمّا كانَتِ الثّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنّاسَ فَقَامَ بِنَا حتَى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلاَحُ. قالَ قُلْتُ: وَمَا الْفَلاَحُ؟ قالَ: السُّحُور. ثُمّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيّةَ الشّهْرِ".
الفلاح درك البغية أو الفوز والنجاة. وسمي السُّحور : الفلاح، ويقال: إنه سمي بذلك لقولهم عنده: حي على الفلاح، وفي الأذان: (حي على الفلاح) أي: على الظفر الذي جعله الله لنا بالصلاة،
ومن آداب الصيام التي نصّ عليها أهل العلم ألا يسرف الصائم في وجبة السحور، فيملأ بطنه بالطعام، بل يأكل بمقدار، إذ القصد من الصوم كسر شهوتي البطن والفرج فينبغي تخفيف الأكل في السُّحور فما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن. فإن زاد في قدره حتى فاتت حكمة الصوم لم يكن مندوباً بل فاعله ملام.ومتى شبع وقت السحر شبعا زائدا عن الحاجة لم ينتفع من وقته إلى قريب الظهر؛ لأن كثرة الأكل تورث الكسل والفتور. وفي قوله r: "نعم سَّحور المؤمن التمر" إشارة إلى هذا المعنى، فإن التمر بالإضافة إلى قيمته الغذائية العالية فهو خفيف على المعدة سهل الهضم. والشّبع إذا قارنه سهر بالليل ونوم بالنهار فقد فات به المقصود من الصيام، والله المستعان.
في الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَسَحَّرَا. فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. فَقُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: كَقَدْرِ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً"( ) [رواه البخاري ومسلم]..
وفى قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام ....وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط
الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل}، إباحة الأكل والشرب والجماع ، في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبّر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود ورفع اللبس بقوله: {من الفجر}
وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر، دليل على استحباب تأخير السُّحور، لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب ولهذا وردت السنّة الثابتة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالحث على السُّحور.
وحديث أنس الأخير دليل على أنه يستحب تأخير السَّحور إلى قبيل الفجر. ففي الصحيح عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ – رضي الله عنه - كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- .
وتجدر الإشارة هنا إلى ضرورة ملاحظة مبادرة النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الصبح في أول الوقت.وذلك من بركة تأخير السحور، وقد فقه البخاري رحمه الله هذين الأمرين فأخرج الحديث بترجمتين.
قال عياض: مراد سهل بن سعد أن غاية إسراعه أن سحوره لقربه من طلوع الفجر كان بحيث لا يكاد أن يدرك صلاة الصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولشدة تغليس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبح.
والمراد أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسابقون ويزاحمون بالسحور الفجر خوف طلوعه فيختصرون فيه ويستعجلون خوف فوات الصلاة بمقدار ذهابهم إلى المسجد وذلك لقُرْب سُحُورهم من طُلوع الفجر يُدْرِكون الصلاةَ بِإسْراعِهم.
هذا وتعجيل السحور من منتصف الليل جائز لكنه خلاف السنة، فإن السحور سمى بذلك؛ لأنه يقع في وقت السحر، وهو آخر الليل كما تقدم.
والإنسان إذا تسحر نصف الليل ثم آوى إلى فراشه قد تفوته صلاة الفجر لغلبة النوم ثم إن تأخير السحور أرفق بالصائم وأدعى إلى النشاط؛ لأن من مقاصد تأخير السحور تقوية البدن على الصيام، وحفظ نشاطه.وعدم الزيادة فى وقت الصوم فكان من الحكمة تأخيره. فصلوات الله وسلامه – على من كان ينظر إلى ما هو الأرفق بأمته فيفعله لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه فيشق على بعضهم ولا سيما من كان صفراويا فقد يغشى عليه فيفضي إلى الإفطار في رمضان ، ولو تسحر في جوف الليل لشق أيضا على بعضهم ممن يغلب عليه النوم فقد يفضي إلى ترك الصبح أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر. وفيه أيضا تقوية على الصيام لعموم الاحتياج إلى الطعام ولو ترك لشق على بعضهم.
فينبغي للصائم أن يتقيد بهذا الأدب النبوي، ولا يتعجّل بالسحور. فأحاديث تعجيل الإِفطار وتأخير السحور صحاح متواترة
وفي السَّحر والسُّحور بركة عظيمة تشمل منافع الدنيا والآخرة
1- من بركة السَّحر التأهب للصبح بفعل ما أراد المسلم من تهجد قليل أو إيتار إن لم يكن قد أوتر أو تناول السُّحور إن أراد الصوم أو الاغتسال أو الوضوء أو غير ذلك مما يحتاج إليه قبل الفجر.
2- من بركة السُّحور الإباحة بعد الحظر عنه من أول الليل فكأنها إباحة زائدة على الإفطار آخر النهار وهذا مبناه على أحد معانى البركة وهو الزيادة.
3- من بركة السُّحور أنه مدرجة لنيل محبة الله تعالى لأنه رخصة واللّه تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتي عزائمه- صحيح الجامع حديث رقم: 1885 - قالت عائشة -رضي الله عنها -: وما عزائمُه؟ قال صلوات الله وسلامه عليه : "فرائضُهُ". أو كَمَا يكرَهُ أَن تُؤتَى معصيتهُ " صحيح الجامع حديث رقم: 1886- هذا والترغيب في السُّحور ترغيب في قبول الرخصة.
4- من بركة الاستيقاظ وقت السَّحر كونه زيادة في العمر لكون النوم موتاً واليقظة حياة ففي مدة الحياة معنيان اكتساب الطاعة للمعاد والمرافق للمعاش وهو مما خُصَّت به هذه الأمة .
5- من بركة تناول طعام السُّحور التقوِّي على العبادة، والاستعانة على طاعة الله تعالى أثناء النهار من صلاة وقراءة وذكر وسعي على الرزق احتسابا. فإن الجائع جوعا زائدا يكسل عن العبادة كما يكسل عن عمله اليومي، والوظيفي وهذا محسوس مشاهد .في الحديث عن ابن عباس – رضي الله عنهما - "استعينوا بطعام السحر على صيام النهار وبقيلولة النهار على قيام الليل"رواه ابن ماجه والحاكم وله شاهد في علل ابن أبي حاتم عنه وتشهد له رواية لابن داسه في سنن أبي داود.
القيلولة: هي النوم في الظهيرة وقال الأزهري: القيلولة والمقيل عند العرب الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معه نوم بدليل قوله سبحانه وتعالى {وأحسن مقيلاً} والجنة لا نوم فيها ، وعمل السلف والخلف على أن القيلولة مطلوبة لإعانتها على قيام الليل
وإنما تطلب القيلولة لمن يقوم الليل ويسهر في الخير فإن فيها معونة على التهجد كما أن في السُّحور معونة على صيام النهار فالقيلولة من غير قيام الليل كالسُّحور من غير صيام النهار
والنفس إذا أخذت حظها من نوم النهار استقبلت السهر بنشاط وقوة انبساط فأفاد ندب التسحر والنوم وسط النهار بقصد التقوى على الطاعة.
وعن إسحاق ابن أبي فروة أنه قال: القائلة من عمل أهل الخير، وهي مجمة للفؤاد، مقواة على قيام الليل، وعند البزار في مسنده من حديث قتادة: سمعت أنسا يقول: ثلاث من أطاقهن أطاق الصوم من أكل قبل أن يشرب وتسحر وقال، معنى قال نام بالنهار. ولمحمد بن نصر في قيام الليل له من حديث مجاهد قال: بلغ عمر أن عاملا له لا يقيل فكتب إليه: أما بعد فقل، فإن الشيطان لا يقيل. المقاصد الحسنة (ص: 111).
6- ومن بركة تناول طعام السُّحور مدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، فالمتسحر طيب النفس حسن المعاملة صبور ،حليم
7- ومن بركة السُّحور اتباع السنة، وما من شك في أن البركة في اتباع السنة والمتسحر إذا نوى بسُّحوره امتثال أمر النبي r والاقتداء بفعله، كان سحوره عبادة، يحصل له به أجر بهذه النية، وإذا نوى الصائم بأكله وشربه تقوية بدنه على الصيام والقيام كان مثاباً على ذلك أيضاً. وفي الصحيح "وإنما لكل امرئ مانوي"
8- ومن بركة الاستيقاظ وقت السَّحر أن المسلم يقوم من آخر الليل في ذلك الوقت الشريف وقت تنزل الرحمة للذكر والدعاء والصلاة وذلك مظنة الإجابة ووقت صلاة الله والملائكة على المتسحرين، لحديث أبي سعيد - رضي الله عنه - " السَّحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" أخرجه أحمد.
9- ومن بركة السُّحور أنه فيه مخالفة لأهل الكتاب وتميز عنهم ، والمسلم مطلوب منه البعد عن التشبه بهم. في الحديث الصحيح.عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السَّحَرِ".( ) صحيح مسلم كتاب الصيام. باب فضل السَّحور وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر. والمعنى أن السُّحور هو الفارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب لأن الله تعالى أباحته لنا إلى الصبح بعد ما كان حراماً علينا أيضاً في بدء الإسلام، وحرمه عليهم بعد أن يناموا أو مطلقاً، ومخالفتنا إياهم تقع موقع الشكر لتلك النعمة..، كذا في المرقاة.
والقصد بهذا الحديث الحث على السُّحور والإعلام بأن هذا من الدين وذلك لأن اللّه أباح لنا إلى الفجر ما حرم عليهم من نحو أكل وشرب وجماع بعد النوم ، ولذلك كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكرهون ترك العمل يوم الجمعة لئلا يصنعوا فيه كما فعل اليهود والنصارى في السبت والأحد.
10- ومن بركة السَّحر أن المسلم ربما توضأ وصلى وقد قال تعالى "وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً" الإسراء/79
11- ومن بركة السَّحر أن المسلم إذا توضأ وأدام الاستيقاظ ذاكرا داعيا متأهبا حتى يطلع الفجر، كان مصليا ففي الصحيح "انتظار الصلاة صلاة" وناهيك بفضل انتظار الصلاة أجرا وثوابا ففي الصحيح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " أَلا أدلكم على مَا يمحو الله بِهِ الْخَطَايَا وَيرْفَع بِهِ الدَّرَجَات؟ " قَالُوا: بلَى يَا رَسُول الله: قَالَ: " إسباغ الْوضُوء على المكاره، وَكَثْرَة الخطا إِلَى الْمَسَاجِد، وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة، فذلكم الرِّبَاط، فذلكم الرِّبَاط " مرَّتَيْنِ. الجمع بين الصحيحين (3/ 307).
12- ومن بركة تأخير السُّحور أنه مدرجة لإدراك صلاة الفجر مع الجماعة في وقتها الأول " وأحب الأعمال إلى الله تعالى الصلاة على وقتها" كما في الصحيح . ولذا تجد أن المصلين في صلاة الفجر في رمضان أكثر منهم في غيره من الشهور؛ لأنهم قاموا من أجل السُّحور.
وقد ترجم البخاري في صحيحه لحديث تناول زيد بن ثابت - رضي الله عنه – السَّحور مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قيامه - رضي الله عنه - لصلاة الصبح معه صلوات الله وسلامه عليه فقال كتاب التهجد. باب مَنْ تَسَحَّرَ فَلَمْ يَنَمْ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ وعن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ – رضي الله عنه - كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . كتاب مواقيت الصلاة باب وَقْتِ الْفَجْرِ.
13- ومن بركة تناول السَّحور أنه يبارك للصائم في القليل منه بحيث تحصل له به الإعانة على الصوم ويدل له حديث سعيد بن منصور مرسلا" تسحروا ولو بلقمة".وعند ابن عساكر من حديث عبد الله بن سراقة بلفظ "تسحروا ولو بالماء"وعند أبي يعلى من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ "تسحروا ولو بجرعة ماء"
14- ومن بركة السُّحور انتفاء التبعة فيه بدليل حديث الديلمي " ثلاثة لا يحاسب العبد عليها أكل السَّحور وما أفطر عليه وما أكل مع الإخوان" وعن ابن عباس – رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة ليس عليهم حساب فيما طعموا إن شاء الله تعالى إذا كان حلالاً: الصائم والمتسحر والمرابط في سبيل الله" أخرجه البزار والطبراني في الكبير.
15- ومن بركة السُّحور أداء العبادات في نهار الصوم بنشاط وحيوية وفي الحديث الصحيح "ليصل أحدكم نشاطه" وقد قال تعالى "خذوا ماآتيناكم بقوة".
16- ومن بركة السُّحور ما ينال المسلم من الثواب والأجر من الله تعالى في امتثاله لهدي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتناوله لهذه الأكلة بقدر ما يتيسر له كمًا وزمانًا ونيةً ، ورغبته في مخالفة أهل الكتاب كما هو حداؤه في صلواته ، "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين "آمين".
17- ومن بركة السُّحور من آخر الليل ، وأداء صلاة الفجر في أول وقتها طيب النفس وأريحيتها للحديث الصحيح "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه - يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلاَثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ، بِكُلِّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ: عَلَيْكَ لَيْلاً طَوِيلاً، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عنْهُ عُقْدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ ".
18- ومن بركة السُّحور تدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام أو أول الشهر للحديث الصحيح "إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى"وعن حَفْصَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ". الإجماع إحكام النية والعزيمة أجمعت الرأي وأزمعته وعزمت عليه بمعنى . والمعنى من لم يصمم العزم على الصوم (قبل الفجر: الصبح الصادق فلا صيام له عندَ أهلِ العِلْمِ: لا صِيَامَ لِمَن لم يُجْمِعْ الصّيَامَ قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ في رَمَضَانَ أَو في قَضَاءِ رَمَضَانَ أو في صيَامِ نَذْرٍ إذا لَمْ يَنْوِهِ مِنَ اللّيْلِ لَمْ يُجْزِهِ.وَأَمّا صِيَامُ التّطَوّعِ فَمُبَاحٌ لَهُ أَن يَنْوِيَهُ بَعْدَ مَا أَصْبَحَ. "منْ لَمْ يُبَيّت الصِّيامَ قَبْلَ الفجر فلا صيام لهُ" رواهُ الخمْسةُ.
19- ومن بركة السَّحور أنه بتناوله تخف مشقة أداء عبادة الصوم وغيرها من أنماط العبادة بالنهار فيؤديها المسلم بإقبال وهمة لا بضجر وتسخط وملل. وتيسير الصوم عليه من غير إضرار به ، وما أكثر صور اليسر في مشروعية الصوم وقد تعرضنا لكثير من هذه الصور في بحثنا "من حكم الصوم وأسراره "يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا"و السُّحور قد سنه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه لأمته وهو كما وصفه الله تعالى "عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم". وهذا من كمال شفقته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على أمته ونصحهم.
20- ومن بركة السُّحور أنه بسببه تحصل الرغبة في الازدياد من الصيام لخفة المشقة فيه على المتسحر فيرغب في الصيام، ولا يتضايق منه.
21- ومن بركة السُّحور التسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل أو يعود مريضا أو يشيع ميتا .وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِماً؟". قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا.
قَالَ: "فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا.
قَالَ: "فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِيناً؟".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا.
قَالَ: "فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضاً؟".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ، إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ".
بلا محاسبة ولا مجازاة على قبيح الأعمال، وإلا فمجرد الإيمان يقتضي دخول الجنة بفضل الله تعالى.
فينبغي للصائم أن يحرص على السُّحور ، ولا يتركه لغلبة النوم أو غيره، وعليه أن يكون سهلاً ليناً عند إيقاظه من النوم.طيب النفس. مسروراً بامتثال أمر رسول الله (ص) حريصاً على الخير، لأن نبينا r أكّد السُّحور، فأمر به وبين أنه شعار صيام المسلمين والفارق بين صيامهم وصيام أهل الكتاب، ونهى عن تركه.
22- وعلى كل حال فالسحور كله بركة بمعنيي البركة :بقاء ودوام القدرة على الصوم أو الزيادة في القدرة على الصوم أو زيادة في الأجر. وزيادة في إباحة الأكل وزيادة في الرخص المباحة التي يحب اللّه أن تُؤتى وزيادة في الحياة وزيادة في الرفق وزيادة في اكتساب الطاعة فكأنه جعل السحور وقتاً لزيادة النعمة ودفعاً للنقمة فتدبر.
23- والسَّحور غداء الصائم في صحيح ابن حبان من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو الغداء المبارك"، يعني السَّحور عن الْعِرْبَاضِ بن سَارِيَةَ قال: "دَعَانِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى السّحُورِ في رَمَضَانَ فقالَ هَلُمّ إلَى الْغَدَاءِ المُبَارَكِ".
أي الكثير الخير لما يحصل بسببه من قوة وزيادة قدرة على الصوم والغداء مأكول الصباح، وأطلق عليه غداء لأنه يقوم مقامه.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : دعاني عمر أتغدّى معه في رمضان، يعني السُّحور.قال الخطابي: إنما سماه غداء لأن الصائم يتقوى به على صيام النهار فكأن قد تغدى والعرب تقول غدا فلان لحاجته إذا بكر فيها، وذلك من لدن وقت السحر إلى وقت طلوع الشمس.
24- هذا ومن الحكمة في تأخير السحور، عدم التفات النفس إلى الأكل والشرب حين الشروع في الصوم حتى لا يخرج ذلك بالمسلم عن كمال الصوم، فإن شرط العبودية أن يتوجه المكلف بقلبه وقالبه إلى فعل ما كُلف به فإن التفت إلى تمني فعل ما منعه الله منه في الصوم فكأنه دخله بلا قلب والمدار على القلب، فلو أن الشارع أمرنا بعدم تأخير السحور لربما اشتاقت النفس إلى الأكل عند الفجر، فلما أمرنا بتأخيره إلى قبيل الفجر قل التفات النفس إلى الأكل والشرب فدخلت للصوم بكليتها، ومعلوم أن العمل القليل مع الأدب خير من الكثير بلا أدب. وإذا كان العبد عنده التفات إلى الأكل والشرب أول شروعه في الصوم فكيف سيكون حاله أواخر النهار، فلا تكاد النفس تنشرح لفعل ما كلفت به أبدا وعبادة المكره لا يقبلها الله تعالى: ومن هنا كره الشارع قيام العبد للصلاة ونفسه تتوق إلى الطعام. عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ" عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَام" وفي رواية بنفس التخريج " إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ وَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ " ومن هنا كره أيضا العلماء الوضوء بالماء الشديد السخونة أو البرودة لنفرة النفس منه ونفرة العبد من العبادة تبعده عن حضرة ربه. ومراد الشارع بالطهارة تقريبه منها فلا يجتمع التقريب والتبعيد في عمل واحد، فإنه إن حضر هذا غاب هذا. ومن المعلوم أن الله تعالى أمرنا بالإحسان إلى أنفسنا، ومن الإحسان إليها تعجيل فطرها وتأخير سحورها، هذا وبالله التوفيق ومنه وحده العصمة من الزلل والخطأ والخلل في القول والعمل.
هوامش:
( )البخاري (4/139)، في صحيحه كِتَاب الصَّوْمِ باب بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ ومسلم (1095).. في صحيحه كتاب الصيام. باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر.
( ) رواه أحمد (3/367)، وابن أبي شيبة (3/8). وغيرهما وهو من رواية شريك بن عبدالله النخعي. وهو سيء الحفظ. لكنّ له شاهداً مرسلاً عند سعيد بن منصور في سننه بلفظ (تسحروا ولو بلقمة) كما ذكر ذلك الحافظ في الفتح (4/140) وانظر المسند. تحقيق الأرنؤوط ومن معه (23/208).
( ) رواه ابن أبي شيبة (3/8)، وأحمد (10/15، 16 الفتح الرباني) والحديث في إسناده ضعف، لكن له طرق يشد بعضها بعضاً، وله شواهد، انظر: المسند. تحقيق الأرنؤوط ومن معه (17/150) وقوله: (أكله بركة) بفتح الهمزة والإضافة إلى الضمير، فهو مصدر، أي: الأكل بركة، أو على وزن (فعلة) كما في رواية، بمعنى: أكلة مباركة. انظر بلوغ الأماني (10/16).
( ) رواه أبو داود (6/470)، وابن حبان (223)، والبيهقي (4/237) وسنده صحيح.
سنن أبي داود كتاب الصلاة. باب في تمام قيام شهر رمضان .سنن النسائي كتاب السهو. باب ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف.
( ) مسند الإمام أحمد أخرجه البخاري (2/54، 4/138)، في صحيحه كتاب مواقيت الصلاة. باب وَقْتِ الْفَجْرِ. كتاب التهجد. باب مَنْ تَسَحَّرَ فَلَمْ يَنَمْ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ. كِتَاب الصَّوْمِ. باب قَدْرِ كَمْ بَيْنَ السَّحُورِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ. ومسلم (1097). في صحيحه كتاب الصيام. باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر. سنن الترمذي كتاب الصوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب ما جَاءَ في تَأْخِيرِ السّحُور.سنن النسائي كتاب الصيام. باب قدر ما بــين السحور وبــين صلاة الصبح.
صحيح البخاري كتاب مواقيت الصلاة. باب وَقْتِ الْفَجْرِ. كِتَاب الصَّوْمِ باب تَأْخِيرِ السَّحُورِ
( ) رواه مسلم (1096).
صحيح البخاري كتاب مواقيت الصلاة. باب وَقْتِ الْفَجْرِ.
مسند الإمام أحمد صحيح البخاري كتاب التهجد. باب عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ. كِتَاب بَدْءِ الْخَلْقِ. باب صِفَةِ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ.صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الحثّ عَلَى صلاة الوقت وإن قلَّت سنن أبي داوود كتاب الطهارة باب قيام الليل..
حيث تشترط النية لكل يوم على انفراده قال ابن قدامة: تعتبر النية في رمضان لكل يوم في قول الجمهور، وهذا مشهور من مذهب أحمد وله قول أنه يجزئه نية واحدة لجميع الشهر من أوله ؛ وهو كقول مالك وإسحاق. ، وقوّى هذا القول ابن عقيل بأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: "لكل امريء ما نوى" وهذا قد نوى جميع الشهر، ولأن رمضان بمنزلة العبادة الواحدة لأن الفطر في ليالية عبادة أيضاً يستعان بها على صوم نهاره
سنن أبي داود كتاب الصيام. باب النية في الصوم.
صحيح مسلم كتاب الزكاة باب من جمع الصدقة وأعمال البر. وكتاب فضائل الصحابة -رضي الله عنهم-. باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي اللهُ عنه.
سنن أبي داود كتاب الصيام. باب من سمى السحور الغداء.
صحيح البخاري كِتَاب الْأَذَانِ. باب إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ.
صحيح البخاري كِتَاب الْأَذَانِ. باب إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4902
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4296
| 23 سبتمبر 2026