رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أحمد خليفة الحمادي

مساحة إعلانية

مقالات

39

أحمد خليفة الحمادي

كيف نساعد أبناءنا في اختيار مسارهم المهني؟

12 أغسطس 2026 , 11:30م

ما زلت أتذكر مواقف مررت بها عندما كنت صغيرًا، حين كان لدينا خيال واسع حتى أثناء اللعب، وكان بعضنا يمثل دور المعلم والطبيب والمهندس والطيار، وحتى عندما نُسأل نخبرهم بأمانينا بأن نمارس إحدى هذه المهن مستقبلًا. حين يصبح اختيار المهنة قرارًا لبناء الإنسان لا مجرد الحصول على وظيفة.

لم يعد اختيار التخصص الجامعي قرارًا دراسيًا عابرًا، ولا خطوة تسبق الحصول على وظيفة فحسب، بل أصبح قرارًا استراتيجيًا يحدد ملامح حياة الإنسان لعقود طويلة. ففي عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، وتتبدل فيه المهن وتُستحدث أخرى بفعل التطورات التقنية والذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال: «أي تخصص أختار؟» هو السؤال الأهم، وإنما أصبح السؤال الحقيقي: «كيف أختار مستقبلًا أستطيع أن أنمو فيه، وأتجدد معه، وأحقق من خلاله ذاتي وأحلامي؟»

ورغم هذا التحول الكبير، ما زالت مجتمعاتنا في كثير من الأحيان تتعامل مع اختيار التخصص بعقلية الأمس. فهناك من يقيس النجاح بالمسمى الوظيفي، وآخر يربطه بحجم الراتب، وثالث يعتقد أن التفوق الدراسي وحده يؤهل صاحبه لأي مهنة، بينما الحقيقة تؤكد أن النجاح المهني يقوم على منظومة متكاملة تجمع بين الموهبة، والشغف، والمعرفة، والمهارة، والقدرة على التعلم المستمر.

إن أخطر ما نمارسه بحق أبنائنا أننا نطلب منهم اتخاذ أحد أهم القرارات في حياتهم، قبل أن نتيح لهم فرصة اكتشاف أنفسهم. فالطالب يقضي اثني عشر عامًا في دراسة الرياضيات والعلوم واللغة والتاريخ، لكنه قد يتخرج من المرحلة الثانوية دون أن يعرف شخصيته المهنية، أو طبيعة ميوله، أو نقاط قوته، أو حتى المهارات التي يمتلكها. لذلك ليس مستغربًا أن يقف آلاف الطلاب سنويًا أمام استمارات القبول الجامعي وهم في حالة من التردد والحيرة، فيختار بعضهم تخصصًا لأن صديقه اختاره، أو لأن المجتمع ينظر إليه بإعجاب، أو لأن الأسرة تراه أكثر مكانة، لا لأنه يعبر عن طموحه الحقيقي.

إننا بحاجة إلى تغيير جذري في مفهوم التوجيه المهني. فالتوجيه لا يعني أن نقول للطالب ماذا يدرس، بل أن نساعده على أن يعرف نفسه أولًا. فالإنسان حين يعرف ذاته يصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرار الصحيح، وأكثر استعدادًا لتحمل مسؤوليته.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق اختيار التخصص ليس: «ما الوظيفة التي تريدها؟»، بل: «من أنت؟ وما الذي يجعلك تستمتع بالتعلم والعمل؟» فالطالب الذي يجد متعته في تحليل المشكلات قد يكون مبدعًا في الهندسة أو الاقتصاد أو البرمجة، والطالب الذي يمتلك حسًا فنيًا قد يحقق نجاحًا كبيرًا في التصميم أو العمارة أو الإعلام، بينما قد يبرع آخر في القيادة والإدارة أو في التعليم أو البحث العلمي. وليس من العدل أن نفرض على الجميع طريقًا واحدًا، لأن الناس خُلقوا مختلفين، وتكمن قوة المجتمعات في هذا التنوع.

ومن المؤسف أن بعض الأسر ما زالت تنظر إلى بعض المهن نظرة دونية، رغم أنها تشكل أساس التنمية الاقتصادية. فالعالم اليوم لا يقاس بعدد الأطباء والمهندسين فقط، وإنما يقاس أيضًا بعدد المبتكرين ورواد الأعمال والمبرمجين والباحثين والمصممين والفنيين المهرة. فكل مهنة تُؤدى بإتقان تُعد مهنة عظيمة، وكل عمل يسهم في خدمة المجتمع يستحق الاحترام والتقدير.

ولعل أكبر تحول يشهده العالم اليوم هو أن الشهادة الجامعية لم تعد نهاية رحلة التعلم، بل أصبحت بدايتها. فالخريج الذي يكتفي بما تعلمه في الجامعة قد يجد نفسه بعد سنوات قليلة خارج المنافسة، بينما يبقى المتعلم المستمر قادرًا على مواكبة التحولات واستثمار الفرص الجديدة.

لقد غيّر الذكاء الاصطناعي كثيرًا من قواعد سوق العمل، ولم يعد السؤال المطروح: أي الوظائف ستختفي؟ بل أصبح السؤال: ما المهارات التي لا يمكن للتقنية أن تحل محلها؟ والإجابة تكمن في الإبداع، والتفكير النقدي، والقيادة، والقدرة على اتخاذ القرار، والذكاء العاطفي، والعمل الجماعي، وهي مهارات ينبغي أن نغرسها في أبنائنا منذ الصغر، لأنها ستكون رأس المال الحقيقي في المستقبل.

ولا يمكن أن تتحمل الأسرة وحدها مسؤولية هذا التحول، فالمسؤولية مشتركة بين المدرسة والجامعة والإعلام والقطاع الخاص ومؤسسات الدولة. فالمدرسة مطالبة بأن تتحول من مؤسسة لتلقين المعرفة إلى بيئة لاكتشاف المواهب، والجامعة مطالبة بربط تخصصاتها باحتياجات الاقتصاد الوطني، والقطاع الخاص مطالب بفتح أبوابه أمام الطلاب للتدريب والمعايشة، والإعلام مطالب بتغيير الصورة النمطية عن النجاح، وإبراز النماذج التي صنعت نجاحها بالاجتهاد والابتكار، لا بالمسمى الوظيفي فقط.

ومن الأفكار التي أرى أنها تستحق التطبيق، إنشاء برنامج وطني للتوجيه المهني يبدأ منذ المرحلة المتوسطة، بحيث يمر الطالب سنويًا بتجارب عملية، وزيارات ميدانية، واختبارات علمية للميول والقدرات، ولقاءات مع أصحاب المهن المختلفة، حتى يصل إلى المرحلة الثانوية وهو يمتلك صورة واضحة عن الخيارات المتاحة أمامه. فاختيار التخصص لا ينبغي أن يكون قرارًا يُتخذ في أيام معدودة بعد إعلان نتائج الثانوية، بل رحلة تمتد لسنوات من الاكتشاف والتجربة والتوجيه.

كما أقترح أن يكون لكل طالب «ملف مهني» يرافقه طوال سنوات الدراسة، تُسجل فيه اهتماماته، وإنجازاته، ومشاركاته، ومهاراته، ونتائج اختبارات الميول، ليصبح مرجعًا يساعده على اتخاذ قرار أكثر وعيًا، بدلاً من الاعتماد على المعدل الدراسي وحده، الذي قد لا يعكس جميع جوانب شخصيته وإمكاناته.

إن الاستثمار الحقيقي لأي وطن لا يقاس بعدد الجامعات التي يبنيها، ولا بعدد الخريجين الذين يحتفل بهم كل عام، وإنما يقاس بقدرته على توجيه طاقات شبابه نحو المجالات التي يبدعون فيها، ويضيفون من خلالها قيمة حقيقية لمجتمعهم. فكل شاب يجد مكانه الصحيح في سوق العمل هو طاقة منتجة، وكل شاب يُدفع إلى تخصص لا يناسبه هو فرصة مهدرة للوطن قبل أن تكون خسارة للفرد.

وفي المملكة العربية السعودية، حيث تمضي مسيرة التنمية بخطى متسارعة في ظل رؤية المملكة 2030، أصبح الاستثمار في رأس المال البشري أحد أهم مرتكزات المستقبل. وهذا يتطلب أن نعيد النظر في ثقافة اختيار التخصص، وأن ننتقل من مرحلة البحث عن الوظيفة إلى مرحلة صناعة الكفاءات القادرة على قيادة الاقتصاد الوطني في مجالاته الجديدة، من التقنية والذكاء الاصطناعي إلى الطاقة والسياحة والصناعات الإبداعية والاقتصاد الرقمي.

وفي الختام، فإن أبناءنا لا يحتاجون إلى من يرسم لهم مستقبلهم بقدر حاجتهم إلى من يمنحهم أدوات رسمه بأنفسهم. فالمستقبل لا يصنعه من يسير خلف الآخرين، وإنما يصنعه من عرف نفسه، وأدرك رسالته، وأحسن استثمار قدراته، وآمن بأن التعلم رحلة لا تنتهي. وعندما ننجح في غرس هذه القناعة في نفوس أبنائنا، فإننا لا نساعدهم على اختيار مهنة فحسب، بل نساعدهم على بناء حياة أكثر نجاحًا، ووطن أكثر ازدهارًا.

مساحة إعلانية