رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما زلت أتذكر مواقف مررت بها عندما كنت صغيرًا، حين كان لدينا خيال واسع حتى أثناء اللعب، وكان بعضنا يمثل دور المعلم والطبيب والمهندس والطيار، وحتى عندما نُسأل نخبرهم بأمانينا بأن نمارس إحدى هذه المهن مستقبلًا. حين يصبح اختيار المهنة قرارًا لبناء الإنسان لا مجرد الحصول على وظيفة.
لم يعد اختيار التخصص الجامعي قرارًا دراسيًا عابرًا، ولا خطوة تسبق الحصول على وظيفة فحسب، بل أصبح قرارًا استراتيجيًا يحدد ملامح حياة الإنسان لعقود طويلة. ففي عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، وتتبدل فيه المهن وتُستحدث أخرى بفعل التطورات التقنية والذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال: «أي تخصص أختار؟» هو السؤال الأهم، وإنما أصبح السؤال الحقيقي: «كيف أختار مستقبلًا أستطيع أن أنمو فيه، وأتجدد معه، وأحقق من خلاله ذاتي وأحلامي؟»
ورغم هذا التحول الكبير، ما زالت مجتمعاتنا في كثير من الأحيان تتعامل مع اختيار التخصص بعقلية الأمس. فهناك من يقيس النجاح بالمسمى الوظيفي، وآخر يربطه بحجم الراتب، وثالث يعتقد أن التفوق الدراسي وحده يؤهل صاحبه لأي مهنة، بينما الحقيقة تؤكد أن النجاح المهني يقوم على منظومة متكاملة تجمع بين الموهبة، والشغف، والمعرفة، والمهارة، والقدرة على التعلم المستمر.
إن أخطر ما نمارسه بحق أبنائنا أننا نطلب منهم اتخاذ أحد أهم القرارات في حياتهم، قبل أن نتيح لهم فرصة اكتشاف أنفسهم. فالطالب يقضي اثني عشر عامًا في دراسة الرياضيات والعلوم واللغة والتاريخ، لكنه قد يتخرج من المرحلة الثانوية دون أن يعرف شخصيته المهنية، أو طبيعة ميوله، أو نقاط قوته، أو حتى المهارات التي يمتلكها. لذلك ليس مستغربًا أن يقف آلاف الطلاب سنويًا أمام استمارات القبول الجامعي وهم في حالة من التردد والحيرة، فيختار بعضهم تخصصًا لأن صديقه اختاره، أو لأن المجتمع ينظر إليه بإعجاب، أو لأن الأسرة تراه أكثر مكانة، لا لأنه يعبر عن طموحه الحقيقي.
إننا بحاجة إلى تغيير جذري في مفهوم التوجيه المهني. فالتوجيه لا يعني أن نقول للطالب ماذا يدرس، بل أن نساعده على أن يعرف نفسه أولًا. فالإنسان حين يعرف ذاته يصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرار الصحيح، وأكثر استعدادًا لتحمل مسؤوليته.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق اختيار التخصص ليس: «ما الوظيفة التي تريدها؟»، بل: «من أنت؟ وما الذي يجعلك تستمتع بالتعلم والعمل؟» فالطالب الذي يجد متعته في تحليل المشكلات قد يكون مبدعًا في الهندسة أو الاقتصاد أو البرمجة، والطالب الذي يمتلك حسًا فنيًا قد يحقق نجاحًا كبيرًا في التصميم أو العمارة أو الإعلام، بينما قد يبرع آخر في القيادة والإدارة أو في التعليم أو البحث العلمي. وليس من العدل أن نفرض على الجميع طريقًا واحدًا، لأن الناس خُلقوا مختلفين، وتكمن قوة المجتمعات في هذا التنوع.
ومن المؤسف أن بعض الأسر ما زالت تنظر إلى بعض المهن نظرة دونية، رغم أنها تشكل أساس التنمية الاقتصادية. فالعالم اليوم لا يقاس بعدد الأطباء والمهندسين فقط، وإنما يقاس أيضًا بعدد المبتكرين ورواد الأعمال والمبرمجين والباحثين والمصممين والفنيين المهرة. فكل مهنة تُؤدى بإتقان تُعد مهنة عظيمة، وكل عمل يسهم في خدمة المجتمع يستحق الاحترام والتقدير.
ولعل أكبر تحول يشهده العالم اليوم هو أن الشهادة الجامعية لم تعد نهاية رحلة التعلم، بل أصبحت بدايتها. فالخريج الذي يكتفي بما تعلمه في الجامعة قد يجد نفسه بعد سنوات قليلة خارج المنافسة، بينما يبقى المتعلم المستمر قادرًا على مواكبة التحولات واستثمار الفرص الجديدة.
لقد غيّر الذكاء الاصطناعي كثيرًا من قواعد سوق العمل، ولم يعد السؤال المطروح: أي الوظائف ستختفي؟ بل أصبح السؤال: ما المهارات التي لا يمكن للتقنية أن تحل محلها؟ والإجابة تكمن في الإبداع، والتفكير النقدي، والقيادة، والقدرة على اتخاذ القرار، والذكاء العاطفي، والعمل الجماعي، وهي مهارات ينبغي أن نغرسها في أبنائنا منذ الصغر، لأنها ستكون رأس المال الحقيقي في المستقبل.
ولا يمكن أن تتحمل الأسرة وحدها مسؤولية هذا التحول، فالمسؤولية مشتركة بين المدرسة والجامعة والإعلام والقطاع الخاص ومؤسسات الدولة. فالمدرسة مطالبة بأن تتحول من مؤسسة لتلقين المعرفة إلى بيئة لاكتشاف المواهب، والجامعة مطالبة بربط تخصصاتها باحتياجات الاقتصاد الوطني، والقطاع الخاص مطالب بفتح أبوابه أمام الطلاب للتدريب والمعايشة، والإعلام مطالب بتغيير الصورة النمطية عن النجاح، وإبراز النماذج التي صنعت نجاحها بالاجتهاد والابتكار، لا بالمسمى الوظيفي فقط.
ومن الأفكار التي أرى أنها تستحق التطبيق، إنشاء برنامج وطني للتوجيه المهني يبدأ منذ المرحلة المتوسطة، بحيث يمر الطالب سنويًا بتجارب عملية، وزيارات ميدانية، واختبارات علمية للميول والقدرات، ولقاءات مع أصحاب المهن المختلفة، حتى يصل إلى المرحلة الثانوية وهو يمتلك صورة واضحة عن الخيارات المتاحة أمامه. فاختيار التخصص لا ينبغي أن يكون قرارًا يُتخذ في أيام معدودة بعد إعلان نتائج الثانوية، بل رحلة تمتد لسنوات من الاكتشاف والتجربة والتوجيه.
كما أقترح أن يكون لكل طالب «ملف مهني» يرافقه طوال سنوات الدراسة، تُسجل فيه اهتماماته، وإنجازاته، ومشاركاته، ومهاراته، ونتائج اختبارات الميول، ليصبح مرجعًا يساعده على اتخاذ قرار أكثر وعيًا، بدلاً من الاعتماد على المعدل الدراسي وحده، الذي قد لا يعكس جميع جوانب شخصيته وإمكاناته.
إن الاستثمار الحقيقي لأي وطن لا يقاس بعدد الجامعات التي يبنيها، ولا بعدد الخريجين الذين يحتفل بهم كل عام، وإنما يقاس بقدرته على توجيه طاقات شبابه نحو المجالات التي يبدعون فيها، ويضيفون من خلالها قيمة حقيقية لمجتمعهم. فكل شاب يجد مكانه الصحيح في سوق العمل هو طاقة منتجة، وكل شاب يُدفع إلى تخصص لا يناسبه هو فرصة مهدرة للوطن قبل أن تكون خسارة للفرد.
وفي المملكة العربية السعودية، حيث تمضي مسيرة التنمية بخطى متسارعة في ظل رؤية المملكة 2030، أصبح الاستثمار في رأس المال البشري أحد أهم مرتكزات المستقبل. وهذا يتطلب أن نعيد النظر في ثقافة اختيار التخصص، وأن ننتقل من مرحلة البحث عن الوظيفة إلى مرحلة صناعة الكفاءات القادرة على قيادة الاقتصاد الوطني في مجالاته الجديدة، من التقنية والذكاء الاصطناعي إلى الطاقة والسياحة والصناعات الإبداعية والاقتصاد الرقمي.
وفي الختام، فإن أبناءنا لا يحتاجون إلى من يرسم لهم مستقبلهم بقدر حاجتهم إلى من يمنحهم أدوات رسمه بأنفسهم. فالمستقبل لا يصنعه من يسير خلف الآخرين، وإنما يصنعه من عرف نفسه، وأدرك رسالته، وأحسن استثمار قدراته، وآمن بأن التعلم رحلة لا تنتهي. وعندما ننجح في غرس هذه القناعة في نفوس أبنائنا، فإننا لا نساعدهم على اختيار مهنة فحسب، بل نساعدهم على بناء حياة أكثر نجاحًا، ووطن أكثر ازدهارًا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
2490
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1569
| 09 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
1002
| 06 أغسطس 2026