رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ بداية انتفاضة الربيع العربي في سوريا، وروسيا تؤيد بشدة نظام بشار الأسد رغم إدانة واستهجان المجتمع الدولي. وكانت روسيا قد عرقلت، إلى جانب الصين، تمرير ثلاثة قرارات تهدف إلى الضغط على النظام السوري عبر التلويح بفرض عقوبات دولية بحق سوريا من خلال إدانة النظام السوري وأعمال القمع التي تمارسها قوات الأمن السوري ضد المحتجين من المدنيين، مستخدمة بذلك حق النقض في مجلس الأمن.
ويوم السبت الماضي، اكتشفنا السبب الحقيقي وراء إصرار روسيا على دعمها لسوريا، فلقد أعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف عقب مباحثاته مع نظيرته الأمريكية هيلاري كلينتون(على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، والتي انعقدت في فلاديفوستوك الروسية، "أن العقوبات الأمريكية الأحادية الجانب على سوريا وإيران، والتي فرضت دون تشاور مع بلاده أو حتى إبلاغها بها، باتت تمس المصالح المباشرة لقطاع الأعمال الروسي خاصة البنوك الروسية"، ولفت لافروف إلى أن بلاده ترفض العقوبات المفروضة على سوريا لأنها لن تأتي بأي نتيجة، وليس بسبب أن روسيا لديها مصالح اقتصادية في سوريا، مشيراً إلى أن حجم التعاون الاقتصادي التجاري وكذلك العسكري بين موسكو ودمشق لا يمكن أن يقارن بالمصالح الاقتصادية الغربية لدى سوريا.
ورغم دفاع لافروف عن معارضة روسيا للعقوبات المفروضة ضد سوريا والتيليست لأسباب تجارية بحتة، فإن تصريحاته تلك تعزز الاعتقاد بأن روسيا هي في الواقع أكثر قلقا بشأن حماية مصالحها التجارية ليس مع سوريا، بل مع إيران، حيث إن روسيا تعارض أيضا فرض عقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي. وبدلا من أن تبدي قلقها وتظهر أحزانها على آلاف من الأرواح التي أزهقت ومئات الآلاف الذين تم تشريدهم في الحرب الجارية في سوريا، يبدو أن روسيا على استعداد للتضحية بكل الاعتبارات الإنسانية من أجل مصالحها الخاصة مع كلٍ من سوريا وإيران.
وكانت روسيا قد أعلنت مؤخرا أنها ستدفع مجلس الأمن الدولي إلى المصادقة على اتفاق جنيف حول مبادئ انتقال سياسي في سوريا يوقف نزيف الدم. وحيث دعت خطة اجتماع جنيف حول سوريا إلى وضع حد لإراقة الدماء وضرورة سرعة التوصل إلى تسوية سياسية في البلاد من خلال تشكيل حكومة انتقالية تملك كامل الصلاحيات التنفيذية وتضم أعضاء في الحكومة الحالية والمعارضة، ويتم تشكيلها على قاعدة صلبة من التفاهم المتبادل بين الأطراف دون مزيد من إراقة الدماء والعنف، وتمكين جميع مجموعات وأطياف المجتمع السوري من المشاركة في عملية الحوار الوطني. كذلك دعت أبرز النقاط الرئيسية لخطة جنيف إلى البدء بمراجعة الدستور السوري والقيام بإجراء إصلاحات دستورية وقانونية، بحيث تخضع التعديلات الدستورية المفترضة لموافقة الشعب، ومن ثم الإعداد لانتخابات حرة ومفتوحة أمام الأحزاب كافة.
والملاحظ أن بعض بنود خطة جنيف قد تمت تجربتها واختبارها من قبل، فلقد قام النظام السوري بعمل استفتاء دستوري في فبراير من هذا العام ووعد بإجراء انتخابات ديمقراطية وتحديد إطار زمني لفترة الرئاسة، ومع ذلك، فإنه وحتى الآن ما تزال القوات الحكومية تقوم بقصف المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة المسلحة، مما يؤدي بالتالي إلى مزيد من سفك الدماء، ولهذا السبب فإن الثوار المسلحين وجماعات المعارضة السورية لم يعودوا يصدقون وعود الحكومة المتكررة بإبداء حسن النية عبر إطلاق مزيد من الحريات وإضفاء أجواء التعددية السياسية، وهم يرون شعبهم يذبح وتقطع أوصاله في البلدات والمدن السورية، لا لسبب سوى أنهم فقط عبروا عن وجهة نظر معارضة لنظامهم السوري القمعي.
وتشير تصريحات كل من لافروف وكلينتون حول سوريا، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، إلى أن هناك عمليات شد وجذب بين قطبي هذين المعسكرين المتنافرين، فهناك دول تقف إلى جانب الولايات المتحدة في سياستها الرامية لفرض مزيد من العقوبات ضد سوريا، وهناك أيضا دول تساند المعسكر الروسي وترى أن حل الأزمة السورية يفترض أن يأتي فقط عبر طاولة المفاوضات.
قد يبدو للبعض أن موقف الدعم الروسي لنظام الأسد محير وملتبس، ولكن الأمر ليس كذلك، فالموقف الروسي تجاه الثورات العربية التي انتشرت في عدد من دول المنطقة قد اختلطت فيه قوة المصالح مع المخاوف من فقدان ما تبقى لروسيا من مواطئ قدم موروثة من العهد السوفييتي في منطقة الشرق الأوسط. وتنطلق تخوفات روسيا من الثورات العربية من واقع تنافسها القديم مع الولايات المتحدة الأمريكية على مناطق النفوذ الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط، حيث يبقى الصراع أو التنافس على المصالح واضحا وصريحا لا لبس فيه، خاصة أن موسكو تعتبر الربيع العربي صناعة أمريكية غربية تهدف إلى إعادة تغيير خريطة العالم والشرق الأوسط، وبالتالي بناء نظام عالمي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها.
ورغم أن الربيع العربي كان قد فاجأ الولايات المتحدة في البداية وأخذها على حين غرة، إلا أنها سرعان ما استعادت وعيها التنافسي، وبدأت السير مرة أخرى في مسار مصالحها، فنشطت في تكثيف اتصالاتها مع الحكومات الجديدة التي أطاحت بالأنظمة القديمة في المنطقة، وزار العديد من الدبلوماسيين الأمريكيين وكبار المبعوثين مثل وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومساعد وزيرة الخارجية جيفري فيلتمان مختلف بلدان الربيع العربي من أجل التأكيد على دعم الولايات المتحدة. وفي الأسبوع الماضي، ذكرت التقارير أن الولايات المتحدة على وشك التوصل إلى اتفاق مع مصر يفيد بخصم مبلغ مليار دولار من الديون المصرية لدى أمريكا كجزء من حزمة مساعدات تعين مصر على عملية التحول الديمقراطي، مما يشير بوضوح إلى أن الولايات المتحدة تشارك بصورة نشطة في عملية التحول السياسي لدول الربيع العربي، وربما في الغالب سيكون لها اليد الطولى في تشكيل سياسات هذه الدول في المستقبل، والتي من الواضح أن روسيا قد فقدت فيها البوصلة.
ومع الموقف العنيد لدفاع روسيا المستميت عن نظام الأسد، فإنها بذلك تصب المزيد من الوقود على نار الصراع الدائر في بلدان الربيع العربي المتقدة أصلا والمعقدة بالفعل، مما يمكن أن يؤدي إلى تفاقم التوترات الطائفية بين بعض الدول ذات الأغلبية الشيعية التي تدعمها روسيا، كسوريا وإيران، وتلك الدول ذات الأغلبية السنية والتي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية، مثل تونس ومصر وليبيا ودول مجلس التعاون الخليجي، مما يثير المخاوف حقيقة من تحول المنطقة إلى مزيد من الانقسام الطائفي والانزلاق إلى منحدر الصراعات العرقية والمذهبية.
وحتى الآن، فإن الإجراءات التي اتخذتها كل من الولايات المتحدة وروسيا لم تفلح في إنهاء العنف في سوريا، ومع استمرار آلة النظام القمعي في قتل المدنيين وسقوط أعداد كبيرة من القتلى بصورة يومية، ومع استمرار نزوح الآلاف من السوريين هربا من الجحيم المخيم على مناطقهم التي مزقتها الحرب، فإن التوصل إلى حل سلمي للصراع الدائر في سوريا يبدو هدفا صعب المنال. لذلك يجب على روسيا والولايات المتحدة أن يضعا جانبا أجنداتهما الخاصة ومصالحهما، وأن يبدآ بالمقابل في اتخاذ إجراءات عملية مشتركة ضد نظام الأسد، وإلا فإن الصراع في سوريا سيحتدم ويتصاعد وسيهدد الاستقرار والأمن ليس فقط للدول المجاورة لسوريا، بل كامل منطقة الشرق الأوسط.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4311
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2586
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1173
| 28 سبتمبر 2026