رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رِحابِ الكعبةِ الشريفةِ, يلوحُ أبونا إبراهيمُ عليهِ السلامُ, مالئاً الفضاءَ, مواصلاً احتضانَ ذريتِهِ الموحِّدةِ, الهابَّةِ من كُلِّ فَجًّ, مُلبيةً أذانَهُ الأبدِيَّ الحيّ, مُذْ جاءَهُ الأمرُ:
{وأذِّنْ في الناسِ بالحجِّ يأتوكَ رِجالاً وعلى كلِّ ضامرٍ يأتِيْنَ من كلِ فجٍ عميقٍ, ليشهدوا منافِعَ لهم, ويذكروا اسمَ اللهِ في أيامٍ معلوماتٍ على ما رزقهم من بهيمةِ الأنعامِ, فكلوا منها وأطعموا البائسَ الفقير، ثم ليقضوا تَفَثَهُمْ وليُوفُوا نُذُورَهُمْ ولْيَطَّوَّفُوا بالبيتِ العتيقِ} صدق الله العظيم.
كان أبونا إبراهيمُ عليه السلامُ شخصيةً فذَّةً {كانَ أُمَّةً} بصريح القرآن، أمةً بمعناها الواسعِ العريضِ. كان جريئاً، مُقْتَحِماً، شجاعاً، مُواجِهاً.. رجُلَ منطقٍ وصراعٍ. تجاوزَ صراعَهُ مع ذاتِهِ، وشرع في مُقَارَعَةِ أوهامِ واقعه.. وفي بحثِهِ عن اليقينِ، ورحلته إلى الله مبشراً بدعوةِ الإسلام، ظلَّ يخوضُ امتحاناتِهِ حتى منتهاها، مُسلِّماً أمره لله، مجسدا عظمة التسليم.
كان التسليمُ جوهرَ الرسالةِ، قصتَهُ الكبرى. انقذافُهُ في النار، بيقينٍ صارخٍ يُخرِسُ ألسنةَ النيران.. وفي لحظةِ الانتصار تلكْ، يأتي المددُ والتأييدُ.. {قلنا يا نارُ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم}!!.. ثم تركه لزوجِهِ وولدِهِ بإلهامٍ من ربهِ في وادٍ غير ذي زرع.. ثم امتحانُهُ في رؤيةِ ذبحِ إسماعيلَ ونجاحِهِما معاً في خوضِ هذا البلاءِ المبين {فلمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعيَ قالَ يا بُنيَّ إني أرى في المنامِ أنِّي أذبَحُكَ فانظرْ ماذا تَرَى، قالَ يا أبتِ افعَلْ ما تؤمَر،ستجدُني إن شاء اللهُ من الصابرين*فلمّا أسلمَا وتلَّهُ للجبينِ وناديناهُ أنْ يا إبراهيمُ قد صدَّقتَ الرؤيا إنَّا كذلك نجزي المحسنين إنَّ هذا لَهُوَ البلاءُ المبين*وفديناهُ بِذِبحٍ عظيمٍ وتركْنا عليهِ في الآخِرِين، سلامٌ على إبراهيمَ كذلك نجزي المحسنين}..
كما يبدو التسليمُ أيةَ هاجَرَ الباهرة إذ تركنُ إلى ثقةٍ باللهِ راسخةٍ تُبدّدُ قلقَ التركِ وهواجسَ الانقطاع.
تقرأ في الخطاب الإبراهيمي، كما حكاه القرآن، حضورا مهيمنا لمفردة "الإسلام" باشتقاقاتها المتعددة، ما يدل على أنها جوهر الأمر كله..
"إنَّ الإسلامَ لمْ يأخذِ اسمَهُ من تشريعاتِه ولا نظامِهِ ولا مُحرّماتِهِ، ولا من جُهودِ النفسِ والبَدَنِ التي يُطالبُ الإنسانَ بها..وإنما من شيءٍ يشملُ هذا كلَّهُ ويسمُو عليه.. من لحظةٍ فارقةٍ تنقدِحُ فيها شرارةُ وعيٍ باطنيٍ، من قوَّةِ النفسِ ومواجهةِ محنِ الزمنِ، منَ التهيُّؤِ لاحتمالِ كلِّما يأتي بهِ الوجودُ من أحداث..من حقيقةِ التسليمِ لله..إنه استسلامٌ لله..والاسمُ: إسلام" بحسب علي عزت بيجوفتش في "الإسلام بين الشرق والغرب"
هي دروسُ إبراهيمَ العظيمةِ في تأكيدِ معنى التسليمِ تتوالى في المخاضِ الرِّساليّ الطويلِ، تعاوِدُ التجسُّدَ في مكةَ من خلال سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ الأوائل. مُطلقُ الإيمانِ والتسليمِ, مطلقُ الفداءِ والتضحية. حيثُ يكونُ الحقُّ الأسمى أعلى من الذاتِ, أكبرَ من الحياةِ ومن كل شيء. وحيثُ يكونُ سلبُهُ وحرمانُنا منهُ هو الموتُ عينُه. وفي سبيلِ هذا الحقِّ الناظِمِ للوجودِ تهونُ العذاباتُ.. اللذة حينها تعلُو على كل الآلام.
يبدو الخليلُ عليهِ السلامُ في كلِّ الأنحاءِ والأركانْ.. يتدفَّقُ منْ كلِّ صوبٍ, يُضيءُ الحنايا والزوايا, يُشرِقُ في الطَّوافِ والهُتافِ.. يتقدمنا، يدلُنا على أمْكِنَتِنا من البيتِ ومَكانَتِنا من ربِّ البيت.. كلُّ ذرةٍ في رحابِ الكعبةِ تُشيرُ إليهِ بحنانٍ وامتنانْ.. كلُّ شبرٍ يشرق بالجلالِ والمهابةِ، كل مساحة تعبق بالرائحة العطرة.. هو ذا في مقامه الطهورِ صلاةٌ حيةٌ، تعانِقُ روحَهُ مُذ أمَرَنا الله: {واتَّخِذُوْا من مَّقامِ إبراهيمَ مُصلَّى}..
وأنتَ في هذا الموجِ الهادرِ في محيطِ الكعبةِ, تتراءى الحركةُ الدائريةُ كما لو أنها حركةُ أجرامٍ وكواكبَ في مدارٍ كونيٍ هائلٍ, تُمثِّلُ الكعبةُ فيهِ مركزَ الجاذبية.. يتخطَّفُك الطوافُ وكلما حدَّقتَ من عُلوٍّ, لاحَ المشهدُ مهيباً جليلاً ساحراً، آسراً للعيونِ والنفوسِ، ترى فيه مقامَ الشهادةِ ومجدَ الشهود..
سلامٌ عليك وأنت تستلمُ الركنَ اليمانيَّ بكلِّ جوارحِك.. سلامٌ عليك وأنت تقبّلُ الحَجَرَ الأسودَ بملء عينيك، وبشفتي قلبِك.. إذا استبَدَّ الزّحامُ يشدُّك أثرُ الحُب، لا اعتقاد بتأثير، مُتابِعاً كبارَ المحبين, مردداً بروح عمر بهاء الدين الأميري:
(الحَجَرُ الأسودُ قبَّلتُهُ بشفتي قلبي وكلي ولَهٌ .. لا لاعتقادي أنه نافعٌ بل لهُيامي بالذي قبَّلهْ) ..
وما بين المقام وحِجرِ إسماعيلْ, تستيقظُ اللحظاتُ الأولى من عمرنا المنساب للبيتِ المعمورِ..
هو ذا سيدُنا إبراهيمُ يرفعُ قواعدَ البيتِ, ومعه إسماعيل.. وهذا أنت تهطُلُ من دعائِهِما المرفوعِ لحظةَ التأسيس: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.
الأوقات المختارة
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); الزمنُ عند الله مراتبُ وأفضلياتٌ.. تتباينُ الأوقاتُ في القدر والأجر.. ثمّةَ وقتٌ أفضلَ... اقرأ المزيد
899
| 29 ديسمبر 2016
حين تكون الغربة وطنًا
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); "الغنى في الغربة وطن".. قالها "أرسطاليس" قديما مختزلا أهم بواعث الاغتراب.لا مقام حيث... اقرأ المزيد
9002
| 06 ديسمبر 2016
عمر من الخيانات المرعية
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); كانوا قبيحين، ودمامتهم بادية، رغم محاولات التجمل وكنا المتعامين السذج الكبار. لا أراهم... اقرأ المزيد
742
| 24 نوفمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4269
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
1881
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1143
| 28 سبتمبر 2026