رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الاكتفاء بتوصيف الحالة الراهنة في مصر والوطن العربي وتوزيع الاتهامات دون النظر وبعمق إلى ما نريد ونحدده بعيدا عن حالة الشعارات، في رؤية ومهام وآليات وقوى اجتماعية، هو هروب إلى الأمام لا يتحمله الوطن ولا يتيحه عالم اليوم.
تخطى العالم بعد الحرب العالمية الثانية مراحل متعددة لكل منها طبيعة وإستراتيجيات جرت صياغتها لإدارة الوجود والبقاء لأي من أطراف الصراع، تحشد له كل القدرات والإمكانات، بل إن الصراع من أجل البقاء كان الحافز الرئيسي للتقدم والتطور الصناعي والعلمي.
انتهت الحرب العالمية الثانية لتترك العالم في حالة انقسام وصراع بين طرفين، نحن خارجهما، ولا تعدو المنطقة العربية غير مستعمرات لإمبراطوريات تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولا يحكم نظر العالم إليها غير أنها منطقة تملك منابع الطاقة التي يحتاجها التقدم، وتحيا فوق أرضها شعوب لا تملك معرفة تؤهلها لاستخدامها، لينتقل الاحتلال العسكري إلى السيطرة بالمعرفة. وورثت المنطقة بالإضافة إلى ضحالة المعرفة، الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين، لتتشتت الرؤى والجهود الوطنية بين استقلال الأوطان كمهمة مباشرة ومن ثم تحقيق حياة كريمة للشعوب بجهدها وعملها وعلمها، لترث مهمة مواجهة فرضت عليها من خارج التاريخ والقيم الإنسانية، ليصبح الدفاع عن الكيان الاستيطاني في فلسطين هو الإنسانية، ولم يقبل هذا الكيان أن يحيا داخل العباءات التي تدعمه، ولكنه وضع إستراتيجية محددة بأن بقاءه مرهون بقدرته على مواجهة كل الدول المحيطة به مجتمعة، ولم يتهاون في أعمال قانون التفوق بالقوة.
صمتت مدافع الحرب العالمية الثانية لتنتقل الأطراف إلى حالة توازن تحت سياسة حافة الهاوية، وعندما اعترفت الأطراف بالرعب النووي المتبادل، دخل العالم إلى مرحلة الحرب الباردة، واتجه الصراع إلى الحرب الخفية، وخلخلة الأنظمة من الداخل في المواجهة المباشرة بينهما ولتجري ترجمة ذلك إلى سباق التسلح، وهو بالأساس سباق معرفي وعلمي يستهلك من القدرة الاقتصادية للأطراف قبل أن يضيف إليها، ومن ناحية أخرى دخل التنافس والصراع حول من ينشدون الاستقلال الوطني وثرواتهم ورؤاهم للمستقبل، وكان الفعل الغربي متقدما وجودا وتأثيرا بتاريخ يمتد إلى عصر الاستكشافات ثم بوجود يتصل بزمن الاستعمار.
انتهاء زمن الحرب الباردة وسباق التسلح إلى تفكك دول المنظومة الاشتراكية، لم يكن إشعارا بإبادة هذه الدول أو هزيمة إرادة البقاء لديها، ولكنها كانت إشعارا ببدء مواجهة جديدة تستدعي رؤى وإستراتيجيات وقيادات غير تلك التي وصلت بالإنسان داخلها إلى إحساس أنه لا يحيا انتظارا لوعد العدالة والرخاء ليتحول الحلم إلى كابوس انتظارا للحظة الموت الذري حال اندلاع المواجهة.
كانت المنظومة الاشتراكية أقرب إلى التفكك من خصمها في الغرب لأنها كانت تعتمد بالأساس على قدراتها الذاتية، بينما كان الغرب يسيطر على منابع الطاقة والأسواق والممرات والجرأة على الحسم بالتآمر والقتل والحرب.
مازال الإنسان في الغرب يعاني من توحش النظام الرأسمالي مهما كانت سطوة آلته الدعائية، لتواجه أمريكا أزمة الرهن العقاري ثم أزمة مشروع التأمين الصحي، وتصل قيم الديمقراطية أن تتصرف أمريكا كما تتعامل الشركات المفلسة وتوقف العمل في إدارات الدولة وتمتنع عن دفع رواتب العاملين.
بدت دول العالم الثالث كمن وقع بين مجموعة تروس جبارة تفتك به وهو لا يملك الفكاك منها، وكل ما يتاح له أن يلحق بقطار التبعية لأي من هذه التروس، إلحاق طفيلي لا يملك حق البقاء أو النمو.
وأضيف فوق هذا القانون في منطقتنا العربية، قانونا آخر هو أمن إسرائيل.
كان درس الاستقلال الوطني ومحاولات التخلص من التبعية والتنمية المستقلة يجد ضالته المرجعية في دعوة القومية العربية، والتي تستدعي نداء الوحدة. لكن من يقبل بهذا في عالم تديره مجالس إدارات الشركات العملاقة، وأصبح العرب عندهم مجرد سوق عمالة واستهلاك، ودون هذا فالعرب عبء على عالم القرن الواحد والعشرين.
سيطرة معرفية على مقدرات المنطقة، واستنزاف لثرواتها، وإزكاء الصراع بين أنظمتها، وتفكيك العقيدة الدينية واستخدامها، كل ذلك كان أدوات للسيطرة على المنطقة مضافا إليها حربا نفسية تشوه كل محاولات التحرر والتنمية وبأنها هي سبب التخلف وليست محاولات لكسر سلاسل التبعية وامتلاك المقدرات الوطنية.
ولأن كل هذا مجتمعا لم يضرب إرادة الشعوب في مقتل، بل كان الظلم والاستبداد وغياب الأمل عوامل تمثل المضادات الحيوية للجسم الشعبي في الأمة كلها وتحول دون فقدان الإرادة، مهما طال الصمت أو كان الثمن، فقد انتقلت المواجهة إلى تفكيك الكيانات الراغبة في التوحد، ثم الحرمان من أسباب البقاء، وتضاف إلى ذلك مصادرة المكون الثقافي والعقائدي للشعوب.
إن أزمة مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي ليست بعيدة عن تلك الحرب.
والاستيلاء على مخزون البحر المتوسط من آبار الغاز والبترول يدخل في ذات الإطار.
وحرب القروض والمعونات وصندوق النقد الدولي جزء من الحرب على المنطقة.
والسيطرة على مصادر السلاح عصب أساسي في المواجهة.
وانفصال جنوب السودان وما ينتظر دارفور، والقتل للشعوب في العراق وليبيا واليمن وسوريا، وبآلة تنظيمات جهادية ترفع شعار الدين فصل من فصول التفكيك والتفتيت.
وتحويل المضمون الاجتماعي والوطني للحركة الوطنية من حق الحياة والبقاء إلى دعوات حقوق الإنسان كما تراها آلة الدعاية الغربية، وتوفير شبكة احتضان وتمويل ورعاية وتنظيم لهذه الدعوات، أفرغ الجهد الوطني من اتجاهاته الرئيسية، وجرى تقسيم المجتمع إلى فئات تتصارع ولا تتكامل، حتى أننا نجد التعامل مع الجيوش الوطنية لا يتسق وحقيقة وجودها وعلاقتها بمجتمعاتها، ولكن تجري إعادة توصيفها إلى فئة داخل المجتمع وما يترتب على ذلك من خلل يصيب مفهوم الدولة ومفهوم الأمن القومي.
إن عدم استيعاب ذلك كله، والاستغراق في أن التحدي الذي نواجهه هو تحد بين مكونات المجتمع ذاته، هو غفلة يدفع ثمنها الوطن وأول خطوات الهروب من المسؤولية.
صراع الإرادات داخل الوطن إن لم يملك آلية للحوار، يحمل في طياته مخاطر الحرب الأهلية، ويفتقد حقيقة أن الصراع في عالم البشر ليس صراع إبادة، ولكنه صراع تعديل شروط البقاء، وإن غاب هذا المفهوم انقلب المجتمع إلى غابة من الحيوانات وليس مجتمعا إنسانيا.
تحاول الأطراف في مصر أن تحدد لأنفسها ملامح بعد أن طغى العناد والعجز والجهل المعرفي على رؤية واستيعاب الأحداث. واختلاط الملامح وتشوهها الحاد والمكابرة زاد من صعوبة اجتياز المرحلة بطريقة آمنة تحول دون المساس بالقدرة الوطنية وانهيار أمن الوطن، والذي يشترط تحققه استيعاب الأطراف لحدود الخصومة وضرورة الإقرار بحق الحياة والحفاظ على مقومات البقاء.
الأطراف في مصر تكاد تتساوى في الخطأ أو الجرم وفي المسؤولية.
طرف يرى أن ما جرى في يونيو 2013 انقلاب على الشرعية، والطرف الآخر يرى أنه استرداد للثورة من خاطفيها. ولكن الطرفين لم يدركا أن أيا منهما ليس التحدي الذي يواجهه الوطن وأن كلا منهما لم يعد مرشحا لعبور الأزمة.
ولعل الأدعى إلى المراجعة هو الحالة التي وصلت إليها الحكومة الانتقالية، ونزوعها إلى وضع مجموعة من القوانين تضعها في مواجهة حركة المواطنين، بطرح قوانين التظاهر والرسم على الحوائط وحماية المسؤولين من المحاسبة وأخيرا قانون الإرهاب. سلسلة من القوانين كان يمكن أن توصف بالاستبدادية لو كان الوضع في المجتمع قد تجاوز مواجهة العنف والمنظمات الإرهابية في الداخل.
إن أداء الحكومة القائمة يستدعي النقد بعد أن كانت تحظى بقبول نتج من تجدد الأمل بعد إزاحة نظام الإخوان.
أصيبت الوزارة الانتقالية بالشلل، ولم تدرك أن البناء يحتاج كل لحظة تمر، وأن انقضاء الزمن بالعجز، ليس في صالح الوطن، بل قد يستدعي خروجا جديدا للتعبير عن الإرادة الشعبية، وهو أمر سيؤدي لأن يكون الشارع هو ساحة المواجهة، وما تجنبته مصر في 30 يونيو من اقتتال بين أطياف الشعب يصبح واقعا.
التردد لا يصنع موقفا، والأيدي التي تحتاج حماية دون المحاسبة على أفعالها، أيد مرتعشة وغير مرشحة للإعداد لمستقبل الأمة.
المكابرة والعناد والأسئلة الكثيرة والمتزايدة عن المستقبل دون إجابات، ودون خطاب سياسي واضح، تفتح الباب للتخمين والتوجس، ويحتل الوهم مكان المعرفة في العقل الجمعي للشعب، وتهدر عقيدة الحفاظ على الوجود والبقاء، ويكرس العنف بديل غياب الأمل، وهو ما يعود بالوطن إلى ذات الحالة قبل يونيو 2013.
هناك حرب وهنا عدوان
لعلكم لاحظتم إنني لم أتطرق للحرب الأمريكية الإيرانية منذ وقت طويل لا سيما وإن هذه الحرب تتفاقم في... اقرأ المزيد
57
| 05 أغسطس 2026
بين التحدي والشغف... يولد الأثر
• في حياة كل إنسان قصة تركت وقعها وأثرها لا يعرفها الآخرون، ومعركة خاضها بصمت، وكلمة غيَّرت مسار... اقرأ المزيد
57
| 05 أغسطس 2026
النخلة والصاروخ
اليوم تجد دول الخليج العربي نفسها في نقطة ارتكاز استراتيجية فريدة بعد أحداث صاخبة ومستمرة، بلا شك، وإن... اقرأ المزيد
36
| 05 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
4173
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2310
| 01 أغسطس 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا للنتائج معنى إن جاءت دون قصة تُروى عن الطريق الذي سبقها. ففي حياة كل إنسان مساحة تمتد بين ما يتمناه وما يحققه، وبين ما يرسمه في مخيلته وما يراه واقعًا ملموسًا، وهذه المساحة لا يملؤها سوى الاجتهاد. نحن نعيش في زمن يُبهرنا بما نراه من إنجازات الآخرين، فنشهد لحظة وصولهم إلى القمة، ونغفل عن سنوات السعي التي سبقتها. نرى النتائج ولا نرى الليالي التي أُرهقت فيها الأرواح، ولا المحاولات التي تعثرت ثم نهضت من جديد، ولا الدموع التي تحولت بإصرار أصحابها إلى ابتسامات فخر ونجاح. فالنتائج ليست محض صدفة، وإنما هي الابن الشرعي للاجتهاد والصبر والاستمرارية. إن الحلم هو الشرارة الأولى التي تُضيء دروب الطموح، لكنه لا يستطيع أن يسير وحده. فهو بحاجة إلى عقل يُخطط، وقلب يؤمن، ويد تعمل دون كلل. وما بين نقطة البداية وخط الوصول، يقف الاجتهاد شاهدًا على كل خطوة خطاها الإنسان نحو ما أراد أن يكونه. وقد يتأخر الحصاد، وتطول الطريق، وتأتي الأيام بما يُثقل الخطى ويُضعف العزيمة، لكن أصحاب الأحلام الحقيقية يدركون أن النجاح ليس سباقًا مع الزمن، بل رحلةٌ مع النفس. رحلة يتعلم فيها الإنسان أن كل تعثر درس، وأن كل تأخير قد يحمل في طياته حكمة لم ندركها بعد، وأن النتائج العظيمة تحتاج إلى وقت يليق بها. ولعل أجمل ما في الاجتهاد أنه لا يمنحنا النتائج فحسب، بل يصنع منا أشخاصًا أكثر قوة ونضجا وقدرة على مواجهة الحياة. فما نكسبه في الطريق لا يقل قيمة عما نصل إليه في نهايته. ختامًا، يبقى الحلم بداية الحكاية، وتبقى النتائج آخر سطورها، أما ما بينهما فهو واقع اسمه الاجتهاد؛ ذلك الرفيق الذي لا يخذل من أحسن السعي، ولا يُضيع تعب من أخلص العمل. فليكن لنا من أحلامنا نصيب، ومن اجتهادنا أوفر الحظ، ولنتذكر دائمًا أن ما نزرعه اليوم، سنحصد ثماره غدًا بإذن الله. فبين الحلم والنتائج، لا تُقاس المسافة بالأيام، بل بما بذلناه فيها من اجتهاد.
1482
| 30 يوليو 2026