رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

36

موزا محمد الكواري

فنّ الثبات في زمن التقلّب

06 أغسطس 2026 , 12:08ص

ليست الحياة طريقًا مستقيمًا مفروشًا بالطمأنينة، بل هي سلسلة من الفصول؛ يمر فيها الإنسان بأيام يظن أن السماء قد فتحت له أبوابها، وأيام أخرى يشعر فيها أن الرياح جاءت لتقتلع كل ما بناه. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الحقيقي: كيف نحافظ على ثباتنا حين تشتد العواصف؟

الثبات ليس أن تغيب الأحزان، ولا أن تتوقف الخسائر، ولا أن تخلو الحياة من المفاجآت المؤلمة. الثبات هو أن يبقى القلب متزنًا، حتى وإن اضطرب كل ما حوله. أن تعرف أن ما يهزك اليوم لن يكون بالضرورة ما يهزمك غدًا.

كم من إنسان ظن أن نهاية علاقة هي نهاية الحياة، ثم اكتشف بعد سنوات أنها كانت بداية نضجه. وكم من باب أُغلق في وجهه فبكى طويلًا، ثم أدرك أن الله كان يجنّبه بابًا يحمل وراءه من الألم أكثر مما يحمل من الأمل. ليست كل العواصف جاءت لتدمرك، فبعضها جاء ليكشف لك قوتك، وبعضها ليعيد ترتيب أولوياتك، وبعضها ليأخذ منك ما لم يعد يليق بمستقبلك.

الحياة لا تختبر قوتنا في لحظات الرخاء، بل في الأيام التي تتزاحم فيها الخسارات، وتتأخر فيها الأمنيات، ويصبح الصبر هو اللغة الوحيدة التي نفهمها. هناك تتشكل الشخصية، وتنضج الروح، ويتعلم الإنسان أن القيمة الحقيقية ليست في عدد المرات التي سقط فيها، بل في عدد المرات التي نهض فيها وهو أكثر حكمة وأهدأ قلبًا.

الثابتون ليسوا أولئك الذين لم يعرفوا الألم، بل الذين عرفوه جيدًا، ثم رفضوا أن يجعلوه عنوانًا لحياتهم. هم الذين فقدوا، وتألموا، وخذلتهم الوجوه التي أحبوها، ومع ذلك لم يسمحوا للمرارة أن تسكن أرواحهم، ولم يجعلوا التجارب القاسية تسرق منهم إنسانيتهم أو إيمانهم أو قدرتهم على المحبة.

ولعل أجمل ما يمنحه الثبات للإنسان أنه يحرره من الهلع. فلا يبالغ في الفرح حتى ينسى شكر الله، ولا يغرق في الحزن حتى ينسى رحمته. يعيش بقلب يعلم أن لكل ضيق فرجًا، ولكل ليل فجرًا، وأن الأيام مهما تبدلت لا تدوم على حال.

إننا لا نملك أن نمنع العواصف من الهبوب، لكننا نملك أن نختار كيف نقف أمامها. قد تنحني الشجرة أمام الريح، لكنها لا تنكسر لأنها تعرف متى تتمسك بجذورها. وكذلك الإنسان؛ جذوره الحقيقية ليست في المال ولا في المناصب ولا في تصفيق الناس، بل في إيمانه، ومبادئه، وصدق علاقته بربه، وثقته بأن كل ما يكتبه الله له يحمل حكمة، وإن غابت عنه في البداية.

لذلك، لا تخف من العاصفة. خف فقط أن تفقد نفسك وأنت تحاول النجاة منها. فالعواصف تمضي، أما الإنسان الذي تعلّم منها كيف يقف بثبات، فإنه يخرج منها أكثر نضجًا، وأعمق بصيرة، وأقوى قلبًا.

وفي النهاية، ليست البطولة أن تعيش حياة بلا عواصف، بل أن تبقى وفيًا لقيمك، مطمئنًا في قلبك، راسخًا في مبادئك، حتى وإن كانت الرياح تأتيك من كل اتجاه. فالثبات ليس هدوء الظروف، بل هدوء الروح وهي تواجه تقلباتها.

مساحة إعلانية