رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصبحت ظاهرة الإرهاب بديلاً للحروب التقليدية استفادت من التقدم العلمي وثورة الاتصال والإعلام
تعود جذور مصطلح "الإرهاب" إلى عمليات اغتيال «الطاغية» بدواعٍ مختلفة؛ الجور، الخيانة، الفساد، الكفر، وغيرها.
لم تقتصر هذ العمليات على حضارة بعينها. وربما كان نابليون بونابرت من رواد استخدام مصطلح الإرهاب حين وصف به من زرعوا في طريقه (شارع سانت نيكيز بباريس)، في 24 ديسمبر 1800، عربة مفخخة أخطأت هدفها. وظهر المصطلح في معجم الأكاديمية الفرنسية واصفا نظاما سياسيا يستعمل الترهيب أداة لفرض سلطته.
منذ عام 1814 وعلى مدار قرن، اجتاحت الاغتيالات الغرب، ولم تعد واحدتها محاولة اغتيال معزولة، بل سلسلة عمليات تستهدف، رموز نظام الملك وزمرته. امتد العنف السياسي في فرنسا (1880-1890) ليطول الطبقات الاجتماعية المهيمنة (البرجوازية)، ومواقع السلطة، لتضاف إلى دوافع الإرهاب السياسية والاجتماعية، بعد عام 1914، دوافع قومية ودينية وطائفية.
كان الإرهاب في كثير من الأحيان سلاحا بيد المستضعفين ضد الأقوياء، والمستعمَرين ضد المستعمِرين، وتم استثماره خلطا بينه وبين حق الشعوب المقهورة في المقاومة والتحرير، ليبقى مصطلحا فضفاضا يوظف تبعا للمصالح السياسية لا على أرضية حقوقية وأخلاقية. أما بالنسبة لإرهاب الدولة، ورغم الإقرار بعدم شرعيته، لا يزال المجتمع الدولي يتراخى حياله، فمعظم مرتكبي هذا النوع من الإرهاب من الدول النافذة، أو التي تقف وراءها دول نافذة، ذات الهيمنة والتأثير على المنظمات الإقليمية، والعالمية، مما يحول دون اتخاذ موقف دولي يجرّم الإرهاب المنظم التي تمارسه الدول، نظرا لأنه الأخطر بسبب الإمكانيات التي تتوفر للدول وتفوق بكثير إمكانيات الأفراد، والمنظمات الإرهابية. بل أصبحت محاربة الإرهاب ذريعة لممارسة إرهاب الدولة، لتحقيق أجندة سياسية خاصة، والتدخل في شؤون الدول التي تتهم بأنها ضالعة بشكل مباشر، أو غير مباشر، في نشأة الإرهاب وتوسّعه.
مع انطلاق القرن الحادي والعشرين، فقد العالم مزيدا من توازنه الاستراتيجي مع استمرار الولايات المتحدة الأمريكية قطبا سياسيا اقتصاديا وحيدا، وأدت هجمات 11 سبتمبر الإرهابية إلى تزايد حدة النزعة الأحادية في العلاقات الدولية، وأثرت على طريقة معالجة المشكلات المطروحة نحو مزيد من خرق مبادئ القانون الدولي بما فيها: مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، حق تقرير المصير، حق التنقل والسفر، وغيرها من المبادئ، والحقوق. التدخل والتأثير على قرارات هيئة الأمم المتحدة، وبقية المنظمات الدولية، إلى جانب انتهاك كافة المعاهدات، والاتفاقيات، التي تنادي بحقوق الإنسان، بقاء الإسلاموفوبيا طريقة عمل (ميكانيزما) للسياسة الدولية، والإرهاب الإسلامي نموذجا إدراكيا (باراديما) لقراءة الأحداث، جميعها، عطّلت معالجة مشكلة الإرهاب، وغضّت النظر عن إرهاب الدولة.
أصبحت ظاهرة الإرهاب بديلا للحروب التقليدية، استفادت من التقدم العلمي، وثورة الاتصال، والإعلام، لتنتقل من المحلية إلى العالمية، وتصبح قوة فعالة في الصراع السياسي، توظفها استراتيجيا دول في إدارة علاقاتها إما مع مواطنيها؛ عبر عنف منظم تقوم بها أجهزة الدولة وسلطاتها، يبرره القانون المحلي، وتشرّعه الحكومة، أو مع الدول الأخرى؛ إضعافا لها عبر تحريك الجماعات والميليشيات الإرهابية خارج حدودها. وعلى خلاف الإدارة الأمريكية الحالية التي لا ترى في إرهاب الدولة، الذي تكرّس بعد انطلاق الانتفاضات العربية في دولة الإرهاب العربية، ما يتعارض ومصالحها، توجهت الإدارة السابقة للانسحاب من المنطقة العربية، وضمان الاستقرار فيها من خلال إحداث تعددية سياسية، يشارك فيها الإسلام السياسي بوصفه حائط صد في وجه التطرف.
الدول العربية الاستبدادية عارضت هذا التوجه، ورأت في الديمقراطية خطرا يهدد عروشها، بل دعمت توجهات الجهادية، والثورة المضادة، على حساب حركات الإسلام السياسي، فوقعت المجتمعات بين مطرقة إرهاب الدولة وسندان الإرهاب الجهادي، أي بين القتل بغرض احتكار السلطة، والقتل بغرض احتكار المجتمع وتطويعه أيديولوجيا.
من جهة، جرى تواطؤ بين إرهاب الدولة ما بعد الاستعمارية (ما بعد الكولونيالية) مع دولة الإرهاب العربية. من جهة أخرى، استغلت دولة الإرهاب العربية عنف الجماعات الراديكالية، بتواطؤ مقصود وغير مقصود، لتدعيم قبضتها القمعية، وتبرير شرعيتها، وكانت هذه الإجراءات السلطوية بيئة مناسبة لتصاعد شعبية تلك الجماعات، بعد أن فرّغ قمع المعارضة المدنية عبر العنف، المجتمع من القيادات المدنية المؤمنة بالشرعية الدستورية، لتهدر على يد الحركات الجهادية. إنه استبداد/ إرهاب، يتغذى باستبداد/ إرهاب، ويغذّيه.
وقد برهنت أحداث الربيع العربي سقوط الرهان على سياسة غضّ النظر عن الممارسات القمعية للأنظمة العربية، أو التعايش معها مرحليا بحجة مواجهة خطر مؤقّت أكثر دموية ، التي روّجت له أجهزة الدولة العربية، الأمنية والإعلامية، وتساوقت معها أحزاب بتوجهات مختلفة، لاسيما يسارية، فقدت شعبيتها فتحصنت بالسلطة بدل معارضتها. تكشّف الوجه الحقيقي لهذه الأجهزة بوصفها تتبع دولة إرهاب، قتلت وشرّدت أكثر بكثير مما فعلت الحركات الجهادية.
تمارس دولة الإرهاب الاستعمال غير الشرعي للقوة عنفا منظما متصلا بقصد خلق حالة من الرعب، والتهديد العام، موجّها ضد مواطنيها، على أساس التمييز السياسي، أو الاجتماعي، أو العرقي، أو الديني، أو الثقافي، أو بحق المواطنين في أراضٍ قامت باحتلالها أو ضمّها، لتحقيق أهداف سياسية. ويتأكد أكثر أن دولة الإرهاب باتت سببا للإرهاب الدولي، يسقط معه وهم كون العنف المنظّم من قبل هذه الدولة إجراء ضروريا لمكافحته.
تستلزم أي حرب على الإرهاب، المنطلق من الشرق الأوسط، عدم مهادنة السلطة المستبدة، ودفع الدول الكبرى، والإقليمية، باتجاه التحول الديمقراطي. بغير ذلك، لا يمكن الحديث عن استقرار سياسي، ولا عن أمن وسلم عالميين، ولا حتى عن ضمانات لمصالح تلك الدول. فأي حل لقضايا العنف في المنطقة لا يتّم دون منح الشعوب حق تقرير مصيرها، واختيار حكامها ديمقراطيا، في مسار انتقالي سلمي، وفق أجندة وطنية، بدل فرض أجندات انطلاقا من مصالح قابعة خلف حدودها الجيوسياسية، وعلى تخومها.
المصدر: الجزيرة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1749
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1269
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1044
| 07 يناير 2026