رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحكم بالترويع هو نمط أخطر وأشد إجرامية، من ديكتاتوريات أو جمهوريات الخوف.. الحكم بالترويع هو حالة أشد قسوة وفظاعة ودموية، من حكم الشعوب تحت التهديد والتخويف، فالخوف من القتل، مختلف عن الخوف تحت الترويع بفعل رؤية مشاهد القتل وتقطيع وحرق الجثث رأى العين، على قارعة الطرق.
لقد أعيتني الحيرة في اختيار عنوان هذا المقال.. هل يكون الحكم بالتخويف؟ لم أجد العنوان معبرا، إذ بعض الإدارات في الدول الديمقراطية حكمت شعوبها، عبر تخويفها من الآخر، وقد رأينا كيف أن جورج بوش شن حملة تخويف على الشعب الأمريكي، من خلال التضخيم في قوة القاعدة ومن القائد العراقي السابق صدام حسين، وكان الهدف تمرير قرار العدوان على أفغانستان والعراق دون رفض ومقاومة من الشعب الأمريكي.. هل يكون عنوان المقال الحكم بالتجويع أو بالحرمان من نعمة الأمن الاجتماعي؟ وقد وجدت الفعل العام والثابت ليس التجويع الكامل عبر الحصار، وأن افتقاد الأمن قد يواجهه شجعان، وعدت لتجربة بشار فرأيت اجتماعا لأسلحة التخويف والتجويع والقتل أيضاً..
حيرتي أنقلها للقارئ، بعد أن استقرت رؤيتي على عنوان "الحكم.. بالترويع"، إذ وجدت كثيرا من الحكومات الراهنة تحكم عبر ترويع الشعوب لا تخويفها أو تجويعها أو ممارسة القتل فيها، والترويع ليس القتل فقط.
وحكاية الحكم بالترويع بدأت مع العدوان الأمريكي على العراق، إذ كان عنوان خطة العدوان والحرب، هو الصدمة والترويع، حيث طلب من معد الخطة، أن يروع الإنسان العراقي حتى لا يستطيع مجرد الحركة، وأن يصاب بالشلل النفسي والذهني من شدة هول القصف فلا يفكر في إنقاذ نفسه ولا ولده.. إلخ..
من بعدها تعلم كثير من الحكام لعبة الانتقال من الحكم بالتخويف إلى الحكم بالترويع.
في الحكم بالتخويف يجري غرس الخوف في نفوس المواطنين عبر التهديد بالتعذيب وانتهاك الحرمات والبيوت والسجن خارج إطار القانون.
هي نفس طريقة قيادة الدابة بمجرد تحريك العصا أو الكرباج.. أما الحكم بالترويع، فيقوم على الاستخدام الفعلي الإجرامي لكل أدوات القمع وصولا إلى القتل في الشوارع.. قتل الناس بالرصاص أو السيوف وسحلهم وتقطيع أجسادهم في الميادين ورميها في القمامة وحرقها، ونشر تلك الصور على الجميع لإشاعة مناخ يشعر فيه المواطنون بأنه لا حل أمامهم إلا الخضوع..
وهناك في عالم الحكم بالترويع قصص أخرى، مارستها وتمارسها أجهزة الإعلام التي تشن حربا على جماعات المقاومة، إذ تنشر فيديوهات وأفلاما وصورا تنسب لهم، ويظهر فيها من يقطع أجساد الناس وهم أحياء أو يحرقهم أو يقطع رؤوسهم، ليقبل الناس بحكم الطاغية أو حكم القوات التي تحتل بلادهم، فحينها يصبح الحاكم الديكتاتور أو قوات الاحتلال وكأنها تحمى المواطنين من هؤلاء "البرابرة الهمجيين".
الحكم بالتخويف، يقوم على ممارسات جزئية وحرب إعلامية وشائعات تصيب الناس بالخوف (كما يحدث في الجمهوريات الديكتاتورية – وكذا في بعض الدول الديمقراطية- وهو أمر يجرى لظروف مؤقتة في كثير من الحالات)، أما الحكم بالترويع، فهو حالة من حالات الحكم الدموي، التي يجري خلالها تعمد إسالة دماء المواطنين علنا ودون تمييز وبغزارة ولفترات طويلة.. الحكم بالترويع هدفه إنهاك إرادة المجتمعات أو القضاء على ثوراتها واحتجاجاتها وكسر إرادة المواطنين على استمرار المقاومة.
هذا النمط من الحكم يذكر بمقولة أحد ملاك العبيد الأمريكيين، الذي نصح الملاك الآخرين الذين أعيتهم الحيل في القضاء على ثورة العبيد.
فقال لهم "أحضروا أشد العبيد عنادا في ساحة، واجمعوا العبيد الآخرين من الرجال والنساء، واربطوا يده وقدمه اليمنى بحبل في مقدمة حصان جامح، ويده وقدمه اليسرى بحبل في حصان آخر، واجعلوا الحصانان يجريان بسرعة وقوة وعزم في اتجاهين متضادين، فينشق جسد العبد وهو حي إلى نصفين طوليا، وبذلك الترويع لن تجدوا عبدا يغامر بأن يشق جسده وهو حي والآخرون واقفون.
وقال لهم، إن حضور النساء لحفل الترويع، يجعلكم تحصلون على جيل مدجن من العبيد تربيهم أمهاتهم على طاعتكم مهما طلبتم.
الحكم بالترويع هو أشد أشكال الحكم دموية وإجرامية عبر التاريخ.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4473
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4194
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2085
| 07 مايو 2026