رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أثار الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب ولا يزال يثير الكثير من الجدل والنقاش، كما شغلت أخباره وتصريحاته ومواقفه مساحات كبيرة على صفحات الجرائد ونشرات الأخبار، وهذا منذ بداية حملته الانتخابية إلى يومنا هذا. ومن أهم الانتقادات التي وجهت للرئيس الجديد مواقفه العدوانية من الصحفيين ووسائل الإعلام، وهذا خروج صريح على تقاليد وأعراف الرئاسة الأمريكية مع المنظومة الإعلامية التي تعتبر العمود الفقري وأساس الديمقراطية. فالأمريكيون يتغنون دائما بالإعلام كسلطة رابعة وككلب الحراسة والمؤسسة التي تراقب وتخبر وتنتقد وتكشف عيوب النظام. كما يفتخر الأمريكيون بالتعديل الأول في دستورهم حيث إنه يحمي الصحافة من تدخل الحكومة في مهامها وعملها ولهذا نلاحظ أن معظم الرؤساء الأمريكيين يحسبون ألف حساب عند تعاملهم مع وسائل الإعلام خاصة الصحفيين المعتمدين لدى البيت الأبيض. فمعظم الرؤساء السابقين كان ينادي الصحفيين بأسمائهم ويعاملهم بلطف ولباقة واستحسان. بالنسبة لدونالد ترامب ومنذ حملته الانتخابية اختلف الأمر تماما ولوحظ أن الرجل بغطرسته يعامل الصحفيين بعداء واستفزاز ويتهم المؤسسات الإعلامية بالكذب والنفاق وغير ذلك من الصفات والنعوت التي تخرج عن الكياسة والأخلاق. وأخطر من هذا أصبحت صور الرئيس الأمريكي في الصحافة الصفراء ومجلات الإثارة وشبكات التواصل الاجتماعي تنتشر بسرعة فائقة. وتقدم الرئيس في حالات ومواقع أقل ما يقال عنها أنها لا تليق برئيس دولة وأي دولة الولايات المتحدة الأمريكية؟ من جهة أخرى يلاحظ على الرئيس الأمريكي الجديد اختراقه وعدم احترامه للمبادئ الأساسية التي تقوم عليها أمريكا وهي البلد الذي اشتهر باحترام الأقليات وحقوق الإنسان وحرية الرأي والفكر والتدين واحترام الأجناس والأعراق. فقرار ترامب بمنع رعايا سبع دول عربية ومسلمة من دخول أراضي الولايات المتحدة الأمريكية بطريقة تعسفية وغير شرعية وغير قانونية أذهل الأمريكيين قيل شعوب العالم قاطبة. فالقرار غير دستوري وغير قانوني ولا أدلة دامغة للرئيس المثير للجدل لحرمان ملايين البشر من دخول أمريكا وقانون أمريكا يخوّل لهم ذلك. لكن القضاء الأمريكي جاء أقوى من الرئيس المتجبر ووقف له بالمرصاد. رفضت محكمة الاستئناف الأمريكية طلبًا تقدمت به إدارة الرئيس دونالد ترامب لإعادة تفعيل حظر السفر، وذلك بعد أيام من إصدار القضاء الفيدرالي حكمًا بوقف تنفيذ الحظر بشكل مؤقت. وكانت وزارة العدل الأمريكية طعنت على حكم أصدره القضاء الفيدرالي، في فترة سابقة، بوقف العمل مؤقتًا بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حظر دخول اللاجئين ومواطني 7 دول ذات غالبيـــة مسلمــــة للولايات المتحــــدة. وقالت وسائل إعلام أمريكية إن وزارة العدل قدمت طعنًا في الحكم الذي أصدره القاضي الفيدرالي في مدينة سياتل بولاية واشنطن جيمس روبرت. وبحسب وكالة «أسوشييتد برس» الأمريكية. فقد طلبت دائرة محكمة الاستئناف التاسعة في سان فرانسيسكو، من ولاية واشنطن وإدارة ترامب، تقديم مزيد من الحجج ومن شأن هذا الرفض أن يسبب معارك قانونية تستمر حتى الأسبوع المقبل على الأقل، بحسب الوكالة. وفي الوقت الذي تطعن فيه وزارة العدل على الحكم، بدأت وزارتا الأمن الداخلي والخارجية بتنفيذه، وعلقتا العمل بقرار ترامب. تتميز السياسات والقرارات التي يتخذها الرئيس الأمريكي الجديد، بعد حملة انتخابية سيطرت عليها الخطابات العنصرية المتغطرسة والمتعجرفة والتي تتسم بالتمييز والتفرقة والعنصرية بكونها بعيدة عن المهنية والحرفية حيث تنم عن جهل بأعراف وتقاليد ودستور البلاد. الرئيس الجديد دخل مباشرة بعد توليه الحكم في صراعات داخلية مع المجتمع المدني والمؤسسات الرسميـــــة للولايات المتحدة الأمريكيــــة فهو يحكم البلاد ولا فرق بينـــــه وبين أي دكتاتـــــور أو حاكم متسلط ومتجبر من الدول السلطوية وجمهوريات الموز. الرئيس الجديد يتخذ موقفا من المهاجرين والمهجّرين، وصولا إلى تحديد دولٍ بعينها يوقف دخول أي من أبنائها إلى الولايات المتحدة، مهما كان له سند قانوني في الوجود وفي الإقامة وفي الاستقرار داخلها،. قرار الحظر الذي جاء به ترامب يتناقض جملة وتفصيلا مع التقاليد الأمريكية التي تؤكد أصالة المجتمع الأمريكي، باعتباره مجتمع أقليات ومجتمع الفرص والأجناس والأقليات المختلفة في العالم، المجتمع الأمريكي يعتبر بوتقةٍ لصهر التنوع والاختلاف، في نظام فيدرالي. نظام يمثل نموذجا للاستيعاب، لا للإقصاء والاستبعاد. على خلاف كل هذه المعطيات. يأتي ترامب ليقدم نموذجا مختلفا تماما ضمن خطابه العنصري، الاستفزازي والمثير للجدل ليس على مستوى النظام الدولي وإنما داخل أمريكا نفسها. سلوك ترامب غير الواعي وغير المسؤول يشجع على صعود اليمين الديني في الغرب، ومرشحة اليمين للرئاسيات الفرنسية مارين لوبان لخير دليل على ذلك. تصرف ترامب يتسم بمزيد من العنصرية والمعاملة التمييزية، بل وصد كل الأبواب في وجه المهاجرين، من دون أي اعتبار لأحوالهم الإنسانية. ظل هذا الخطاب يشكل حالة تهدّد المنظومة العالمية بأسرها. ومن هنا، كانت تلك المفارقة في كتاباتٍ، يتحدث بعضها عن انتقاد للديمقراطية في أساسها، والنظام الانتخابي في الولايات المتحدة الأمريكية الذي جلب لهم، في النهاية، شخصًا مثل ترام، لا يقيم وزنا للأصول والمبادئ التي يقوم عليها النظام، ولا حتى لاتفاقات دولية. ومن هنا، كان الوجه الآخر للديمقراطية قيام حالة احتجاجية واسعة في مظاهراتٍ منتشرة في بلاد الغرب، وفي ميادين الولايات المتحدة الأمريكية، لتؤكد جانبا آخر من الممارسة الديمقراطية، وتناوبت ممارسة التشكيك في الديمقراطية، ليس فقط في قيمها، ولكن في قيمتها وإجراءاتها، والنتائج التي يمكن أن تتمخض عنها، حيث إنها تهدّد كيان الدول، بل يمكن أن تهدد أسس تلك المجتمعات أو تنقضها. ورغم أن الدول العربية والإسلامية هي المستهدفة ضمن خطاباتٍ عنصرية تتعلق بـ»الإرهاب الإسلامي»، وبقراراتٍ تخص منع مواطني سبع دول عربية وإسلامية من دخول الأراضي الأمريكية، إلا أن ردود الأفعال كانت منعدمةً، وكأن الأمر لا يخص تلك الدول، ولا يضر بمواطنيها، والحقوق التي تترتب على ذلك، في حركة الأشخاص من وإلى الولايات المتحدة الأمريكية، بل إن بعض قيادات تلك الدول تحدّث، بشكل أو بآخر، عن تفهم قرارات ترام، احتجاجات شعبية واسعة في الغرب، وتظاهرات تدافع عن حقوق العرب والمسلمين، بينما في دول الاستبداد العربي تمارس هذه الدول أقصى درجات تواطؤ الصمت. حيث صرح البعض أنه «لا يحق للسوريين إفساد أمريكا بعد ما أفسدوا بلدهم».بعض الدول العربية تعبر في خطاباتها، عن تفهمها تلك السياسات وتتعاطف مع ترام وتدافع عن قراراته ومواقفه في حين نلاحظ المجتمع المدني الأمريكي يتظاهر في مختلف المدن ويستنكر القرارات غير المسؤولة والعنصرية لرئيسهم.
الجزائر ... من أحداث 5 أكتوبر 1988 إلى حراك 2019
بعد مرور أكثر من 7 شهور على الحراك يتساءل المواطن الجزائري عن مصير الانتخابات الرئاسية التي تأجلت مرتين... اقرأ المزيد
2778
| 12 أكتوبر 2019
إعلام "الشو بيز" وأفول الفضاء العام
يمثل الفضاء العام حركة إدماج وتمجيد الحريات الفردية والتعبير عن الآراء وتمكين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والدينيين والثقافيين من... اقرأ المزيد
2099
| 28 سبتمبر 2019
الصراعات والأزمات وصناعة الواقع
يتساءل الكثيرون عن واقعية وموضوعية مخرجات الوسائل الإعلامية وإلى أي مدى تعكس هذه الرسائل الواقع كما هو أم... اقرأ المزيد
1332
| 29 يونيو 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
11391
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
3930
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
3063
| 16 أغسطس 2026