رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأطفال يتقدمون الاحتجاجات والمظاهرات في صنعاء التحرك الخليجي جاء متأخراً ولكن كان جريئاً سياسة القبول بمبادرات ثم رفضها بعد أيام لم تعد تجدي قطر ساهمت بالدعم السياسي والمساعدات الاقتصادية والمبادرات الدبلوماسية
الأمر الأكثر غرابة في المشهد اليمني هو الضحايا الأطفال الذين يتقدمون الاحتجاجات والمظاهرات في مختلف المناطق في اليمن، فهؤلاء الأبرياء يتم استخدامهم من قبل الأطراف من الجانبين الحكومي والمعارض على حد سواء كدروع مع قوات الأمن أو بين المتظاهرين المؤيدين والمعارضين للنظام، بهدف كسب تعاطف المجتمع المحلي والخارجي، مما يعد محاولة رخيصة واستخدام بشع للطفولة البريئة وهو عبث أشارات له منظمة يونيسيف التابعة للأمم المتحدة، التي ذكرت أن ما يتجاوز 73 طفلا يمنيا قتلوا خلال الأحداث الجارية هناك، والهدف من ذلك كما يؤمن هؤلاء أن استغلال الأطفال كدروع بشرية (تتراوح أعمارهم بين 12 - 18 عاماً في صفوف تلك المواجهات) أفضل وسيلة لجذب مناصرين، وأسهل في الإقناع، وأصعب عند المواجهة، سواء لرجال الأمن، أو لمتظاهرين من الطرف الآخر؟!
صحيفة "واشنطن بوست" أشارات إلى برقيات مسربة أرسلت عامي 2009 و2010 من اليمن بأنه بلد على وشك أن يصبح دولة فاشلة حتى قبل التظاهرات الأخيرة، وأن رئيسها يستغل تهديد القاعدة للحصول على مساعدة خارجية لمكافحة الإرهاب يستخدمها أحياناً ضد أعدائه الداخليين وأن القاعدة تزدهر فيه، خصوصاً في المناطق القبلية.
كما ذكر موقع (ويكيليكس) أن الرئيس اليمني علي عبد الله يصبح أكثر عزلة يوماً بعد يوم وأقل استماعاً للنصائح التي تسديها له بعض الشخصيات العملية والتقدمية في الحكومة اليمنية. إن الرئيس صالح مهتم فقط بإثراء عائلته، وهو لا يستمع إلا إلى نفسه ويتمتع بثقة غير واقعية بأنه يتخذ القرار الصائب على الدوام.
بعد العمر الطويل من الاستئثار بالحكم والقرار وقمع الحريات وانعدام الديمقراطية والمشاركة السياسية والمساواة وتحجيم المجتمع المدني، أصبح غالبية الشعب اليمني يعيش تحت خط الفقر، وعالمياً احتل اليمن المرتبة الأولى في نسبة فقر الدخل، حيث بلغت النسبة 59.95 % من إجمالي السكان، بينما بلغت نسبة الفقر البشري 36.6 % على مستوى الدول العربية وكان ترتيبه (82) في مؤشر الفقر العالمي، ويبلغ عدد الذين يعيشون على أقل من دولارين في اليوم ما يقارب 80 %، ويعدّ اليمن الأول من بين البلاد العربية في انتشار الجوع على مستوى الوطن العربي، حيث يشير تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2009م. كما يعد من أكثر البلدان العربية في انتشار نقص التغذية بين الأطفال على مستوى الوطن العربي، حيث يشير تقرير التنمية الإنسانية العربي لعام 2009، إلى أن نسبة انتشار الجوع ونقص التغذية بين أطفال اليمن من أكثر النسب بين أطفال العرب، بالإضافة إلى البطالة في أوساط الشباب، وتقدر بحوالي أكثر من 40 %. تقرير مجلة "الإيكونوميست" البريطانية الأخير توقع أن اليمن هو المرشح الأول لكي يسقط نظام الحكم فيه عقب تونس ومصر، ومن ثم تليه ليبيا والجزائر، وذلك استناداً إلى أرقام وتصنيفات تلك الدول من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.. وترتيبه عالميا في مجال الفساد والديمقراطية وحرية الصحافة ومؤشر عدم الاستقرار ونسبة الشباب من إجمالي عدد السكان، في مؤشر عدم الاستقرار، جاء اليمن في الترتيب الأول بقرب التقييم 100 الذي يمثل عدم الاستقرار المطلق، حيث بلغت 86.6، ثم ليبيا في الترتيب الثاني عند 71، ثم مصر، والجزائر وتونس، ثم المغرب والأردن والبحرين. وحول الترتيب العالمي في مجال الفساد، فتأتي ليبيا في المقدمة متربعة على الترتيب الـ 158 من إجمالي 167، يليها اليمن، ثم تونس، ومصر، وبعد ذلك البحرين في الترتيب 137، والجزائر 125، والأردن، والمغرب 116. وفي ما يتعلق بمتوسط نصيب الفرد من الناتج الإجمالي للدولة على أساس تعادل القوة الشرائية، فيأتي اليمن في قاع الترتيب ببلوغ نصيب الفرد 2900 دولار، تليه المغرب بـ 4700 دولار، والأردن ثم مصر، والجزائر،وتونس، وليبيا، وأخيراً البحرين.
التحرك الخليجي وان كان متأخرا فقد جاء جريئاً وواضحاً ولأول مرة، في دعوة رئيس عربي إلى التنحي ونقل صلاحياته إلى نائبه والسماح بتشكيل حكومة من المعارضة تتكفل بإعداد دستور وتنظيم انتخابات. المواقف الحازمة مطلوبة في هذا المرحلة ويجب أن تشكل نوعا من الضغط لصالح الخيار الشعبي اليمني ولا تهتم في التركيز على إنقاذ النظام ورموزه من خلال تغيب أشخاص وإبراز آخرين من نفس المنظومة الحاكمة، لقد عرف عن النظام مراوغته ولعبه على التناقضات وانقلابه على رفاقه والتضحية بهم واحداً بعد الآخر ليستمر في السلطة، وهو لم يلتفت إلى الإصلاحات والتغييرات المشروعة التي تمت المطالبة بها من قبل الملايين من شعبه، الذي ينام اليوم في شوارع المدن اليمنية مطالبا برحيله بعد أن تم خنقه بلا رحمة لعقود طويلة، إن اللعبة انتهت في بزوغ الثورة الأخيرة وانكشفت جميع الأوراق (The Game is Over baby). من ابرز المواقف الشائنة للرئيس هو انقلابه على حلفائه بعد أن يحصل على ما يريد منهم في الولايات المتحدة والدول الأوروبية والدول العربية وآخرها قطر التي اتهمها بأنها تعمل على تنحيته عن السلطة وهي التي وقفت معه وساندنه في الكثير من الأحداث والأزمات التي تعرض لها خلال السنوات الماضية، حين كانت اغلب الدول الخليجية والعربية الأخرى تقف في موقف الفرجة. كان الدعم السياسي في حرب الشمال والجنوب والمساعدات الاقتصادية والمبادرات الدبلوماسية مع المعارضة الحوثية والإعلامية، بلا حدود ولم تتوقف أو تعتذر يوما عن تلبية الرغبة في تحقيق الاستقرار والسلام في اليمن إلا أن كل ذلك ذهب مع الريح في سبيل شهوة المنصب، البقاء على كرسي الحكم ولو تم حرق كل الجميع بلا استثناء في الداخل والخارج؟!
التحايل والتذاكي والفهلوة السياسية والمواقف المتقلبة والقبول بمبادرات ثم رفضها بعد أيام لم تعد تجدي وهي تزيد من سكب الزيت على النار المشتعلة التي ستكون بوادر الدخول في الحرب الأهلية بين القبائل، وأشبه بمحرقة جماعية للبلاد والشعب بطلها السيد الرئيس؟! ما يحصل في اليمن اليوم ليس شأنا خاصا داخليا فقط بلا هو خليجي عربي أيضا، فاليمن جزء منا ومصيره مرتبط بمصيرنا وهو عمقنا الاستراتيجي الجنوبي وهو جزء من تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، والأحداث والصراعات التي تجري فوق أرضه تصل تداعياتها إلى شوارعنا وتعصف بأمن واستقرار منطقتنا، لذا من الواجب الوقوف مع اليمن في هذه الأوقات الحرجة بكل قواتنا وندعم بلا تحفظ رغبات الشعب اليمني الذي جل مطالباته اليوم رحيل النظام وبناء مستقبل جديد في اليمن السعيد (الحزين حاليا).
Aljaberzoon@gmail.com
Aljaberzoon.blogspot.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3567
| 04 يوليو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3549
| 01 يوليو 2026
لم يكن عبور المغرب إلى الدور ثمن النهائي مجرد انتصار يُضاف إلى سجل النتائج، بل كان إعلانًا جديدًا عن شخصية منتخب بات يعرف كيف ينتصر حتى عندما تبدو الطرق إلى الفوز شديدة التعقيد. مباراة امتدت بكل ما تحمله كرة القدم من توتر وتقلبات أمام المنتخب الهولندي، وانتهت بالتعادل قبل أن تحسمها ركلات الترجيح، حيث تجلّت الصلابة الذهنية، وانسجمت مع الأداء الفني المتكامل على أرضية الملعب، ليواصل «أسود الأطلس» كتابة فصل جديد من قصة تزداد بريقًا مع كل محطة. ما يميز هذا المنتخب ليس أنه يمتلك أسماء لامعة فحسب، بل أنه يملك هوية واضحة لا تتغير مهما اختلفت ظروف المباريات. الفريق يعرف متى يضغط، ومتى يهدئ الإيقاع، ومتى يغامر بحثًا عن الهدف، وكأنه يقرأ تفاصيل اللقاء بعقلية تكتيكية متزنة. لذلك لم يعد وصوله إلى هذه المرحلة مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لعمل متراكم ومنظومة تؤمن بأن الانتصارات تُصنع بالالتزام قبل الموهبة. ويستحق المدرب الوطني محمد وهبي مساحة واسعة من الإشادة، بعدما نجح في تشكيل فريق يتمتع بمرونة تكتيكية لافتة، قادر على تغيير أسلوبه وفق متطلبات المواجهة دون أن يفقد شخصيته. منح لاعبيه الحرية للإبداع في الثلث الأخير، وفي الوقت ذاته حافظ على الانضباط الدفاعي والتنظيم التكتيكي، فظهر المغرب متوازنًا بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية، مع انتشار منظم، واختراقات مدروسة، وحضور دائم أمام المرمى، وهو ما جعل المنتخب الهولندي يعيش تحت ضغط مستمر حتى في أكثر لحظات اللقاء حساسية. كما واصل أشرف حكيمي ونصير مزراوي تقديم أدوار مزدوجة على الأطراف، بين الدعم الدفاعي وصناعة الحلول الهجومية، ما يعكس اعتماد الفريق على لاعبين قادرين على أداء أدوار مركبة داخل المنظومة. وعندما وصلت المواجهة إلى ركلات الترجيح، برز ياسين بونو بصورة الحارس الذي لا يكتفي بحراسة المرمى، بل يحرس أحلام أمة كاملة. بثباته وثقته وقراءته الدقيقة لتسديدات لاعبي المنتخب الهولندي، جسّد قيمته الحقيقية في اللحظة الفاصلة، ليقود المغرب إلى العبور، ويؤكد مرة أخرى أن البطولات تحتاج إلى حارس يملك ثباتًا انفعاليًا لافتًا، بقدر ما يملك من الموهبة. ومع استمرار سلسلة المباريات المتتالية دون خسارة، يثبت المغرب أن ما يقدمه ليس حالة عابرة، بل مشروع كروي ناضج يقوم على الثقة، والانضباط، والطموح. وبين الإنجاز التاريخي والأداء المقنع، يواصل «أسود الأطلس» إرسال رسالة واضحة إلى العالم: المنتخبات العظيمة لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل بالطريقة التي تجعل الجميع يؤمن بأن القادم قد يكون أكثر إشراقًا.
1518
| 02 يوليو 2026