رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في جو مشوب بالفرحة، صفقت القاعة تصفيقاً حاراً الأسبوع الماضي في حفل تخرج دفعة 2013، عندما أعلنت سمو الشيخة موزا بنت ناصر، في كلمتها امام الحفل عن بدء طرح الجامعة لثلاثة برامج أكاديمية جديدة، هي الماجستير المشترك في دراسات المكتبات والمعلومات، ودبلوم الدراسات العليا في طرق البحث الأكاديمية والماجستير التنفيذي للطاقة والموارد.
وكان لإعلان سموها عن تخصص جديد مزدوج في دراسة التخصص الفرعي في الإعلام والعلوم السياسية بين جامعة نورث ويسترن وجامعة جورج تاون صداه، وهو فعلاً -كما اشارت- انفراد جديد بجامعتنا "حمد بن خليفة"، في بلد هو "قطر" يحتضن الظاهرة العلمية "مؤسسة قطر" والإعلامية أرخبيل "الجزيرة" الواسع التأثير في العالم، فضلا عن دور قطر كوسيط رئيس في مختلف القضايا والنزاعات الدولية التي احتضنت اجتماعاتها ومؤتمراتها ومبادرات الصلح فيها تسهم في جعلها مقر التطبيق الواقعي والميداني لمجاراة العالم اليوم خصوصا ان النخب السياسية والأكاديمية والمهنية تؤمن بأثر الإعلام، ليس كسلطة رابعة، بل كسلطة فوق السلطات الثلاث، هذا حين تطرح ادبيات الدراسات ضرورة تحليل "الإعلام" كعامل ومتغير أساسي من عوامل التحولات السياسة، خصوصا مع الطفرة السيبرنتية وبروز صحافة "المواطنة" واثرها في التشكيل الجمعي والحشد الشعبي.
عميد كلية نورث ويسترن للصحافة نشر مقالا له في "الهيرالد تريبيون الدولية" الدولية هذا الأسبوع حول قدم قانون "المطبوعات والنشر لعام 1979" وعدم مواكبته للنقلة المهنية والإعلامية والعالمية، وهذا صحيح وكلام منطقي جدا، ولعله لا يتواكب والنقلة القطرية ايضا التي سارت في الإعلام مسيرة ضوئية، فضلا عما نلمسه في كتاباتنا من اريحية ننعم بها دون تعقب بحذف أو إيقاف، وقد اشار العميد في مقاله في ذلك الى قيام حكومة قطر بإلغاء وزارة الإعلام ورفع الرقابة الصحفية وانشاء كلية نورث وسترن وعدم ممارسة اي ضغوط عليها وعلى ادائها، واذكر هنا انني طرحت مقالا جريئا جدا في نقد شأن داخلي قرأه يومها الصحفي الكبير جهاد الخازن وعلق حينها في ذات الجلسة "إن كان هذا المقال قد نشر في قطر، فأنتم فعلا لديكم حرية صحافة وإعلام حقيقية".
عميد نورث وسترن طرح موضوعا مهما اعلاميا وأكاديميا طالما طرحناه في قطر في مقالات وفي مؤسسات المهنة والمهم ان قضايا الإعلام والسياسة في العالم وفي قطر غدت متداخلة جدا حتى بدت الاطروحات الإعلامية مغذيات او محفزات لنقاش ذي بعد سياسي قد يطول في كبرى الصحف الدولية. ولعل سرعة تحديث قانون إعلام جديد ومواكب في قطر مطلوبة جدا، لأنه أولوية ومهم جدا لتعريف من هو الصحفي اولا ومن ثم للتبصير بالحقوق المهنية للصحفيين ولمحو الأمية الإعلامية لدى مختلف الأطياف، حتى تلك الممارسة لفن الإعلام اليوم ليست امية الحقوق فحسب، بل حتى امية الواجبات ايضا.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، بدت لي أيضا إرهاصات نقلة جديدة لست أدري هل ستُضمّ للدراسة السياسية والتحليل الدبلوماسي، وهي أن "نورث ويسترن" وهي جامعة تدرس الصحافة والإعلام فرع عن الكلية الأم في الينوي، قد وضعت لها مجلة خاصة تسمى "Doha news" تغذي دائما طرحا نقديا عن قطر ليس بالضرورة النقد بمفهوم النقد المتعارف عليه سلبا وايجابا وهو المطلوب مهنيا واعلاميا ولكنها غالبا ما تقف على أمور أحادية الجانب، ولعل آخرها تقرير حقوقي بحت صدر عنها بالأمس يحمل استنكار سجن الشاعر "ابن الذيب" ودعوة والتماس لإطلاق سراحه بصفته سجين رأي، وهي دعوة قدمتها الجامعة "نورث ويسترن" الأم في الينوي ونشرتها في مجلة "دوحة نيوز".
استغربت النداء، ليس من وجهة نظر صحفية او حقوقية، فهذا واجب على مؤسسات الدفاع عن حقوق الانسان بالنظر للإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما هي حق للشخص ومحاميه، ومهمة مراكز الحريات وحماية الصحفيين مثل "مركز الدوحة لحرية الإعلام في قطر" الذي غاب في ظروف غامضة وتقلدت نورث ويسترن دوره في أمور أخرى ايضا، ولكن مثار الاستغراب ينبع من امرين:
أولا: إعلاميا:
هل يعد التطاول على "الذات الأميرية" بما ورد من اساءات نابية حرية إعلامية؟
خصوصا أن التطاول بمعناه العام من سب وقذف يتساوى فيه عرفا تطبيق مواثيق الإعلام العام على فاعله سواء كانت تبعاته على امير او على أجير وهو ما تعلمته في مدارس أم "نورث ويسترن" امريكا نفسها من أنه لا يمت للإعلام وحريته بصلة، لان الحرية التي ننشد ونكافح من اجلها هي حرية تعبير وليست حرية قذف وسب وتشهير. وهذا الفرق الدقيق لن يدركه إلا من عرف الشعرة الدقيقة بين الحرية الإعلامية والانفلات والتحريض، اما التجريم بعقوبة السجن في قانون مطبوعات قطر فهذا حديث آخر علمت ان مشروع قانون الإعلام الجديد الشامل قد عدل مادته فيما بدا مما نشر عنه سلفا، ولكن بالتأكيد فيما لا يمس الأمن القومي ومازلنا في انتظار القانون الذي تأخر.
ثانيا: مهنياً
هل تعد الجامعات مؤسسات اكاديمية أم مراكز حقوقية لتصدر عريضة تنتج عن اجتماعات للنواب في الجامعة الأم وليس فقط ممارسة دورها في إصدار تقرير صحفي جريء وصريح عن قضية حقوقية؟
وهل حل الأكاديميون أنفسهم محل الاتحادات الطلابية التي قد تنبثق منها وعنها مثل هذه الدعوات وتكون مقبولة بشكل اكبر؟
وهل تقدمت الجامعة ذاتها بذات العريضة أو ما شابه هذا التحرك اليوم على سجناء بدون محاكمات وبدون جرم في غوانتانامو وغيرها خصوصا بعد تخلف الوعود عن إغلاقه، أو حتى قبل اليوم هل توجهت للولايات المتحدة عندما اقتيد سامي الحاج الى غوانتانامو من غير جرم سوى انه مصور صحفي مهني محترف في ساحة قتال تعتبرها امريكا مريبة؟ بدا بعدما مضى فيها زهرة شبابه بريئا منها!!
انادي فقط المعايير المهنية للجامعة الأم والبنت سواء على قطر او على امريكا او غيرهما؟
وهل يجدر بنا بعد ذلك القبول بما كتب من تحديث لخبر هذه المناشدة مساء أمس 12 مايو ايضا عن مقولة نسبت لأعضاء الجامعة البنت في قطر برروا رفضهم التعليق على هذا التحرك المطروح لإطلاق سراح "ابن الذيب" كونهم يخافون ان ينالهم نفس مصير ه؟؟ كما الآتي:
"The administration and faculty at NUQ work hard on matters of freedom of expression every day، and will continue to do so، but there is concern that anyone can find themselves in a situation similar to that of the poet.
Thus، the NU — Q faculty would not be supporting the motion because of a fear that it would do “more harm than good،” the Northwestern Chronicle reports.
في الموضوع المطروح بهذا التشبيه زاوية حادة وتجن ٍ على قطر، خصوصا وان العميد نفسه في طرحه لموضوع "قانون المطبوعات والنشر القديم " في الهيرالد تريبيون ذكر ان حكومة قطر المتأخرة عن اصدار قانون جديد منحتهم وغيرهم — وبدون قانون جديد — امتيازات العمل والحرية الإعلامية دون تدخل كما أسلفت. الموقف هنا وفي غيرها من تغطيات شبيهة في NWSU يذكرني بالمثل العربي القائل: "مــَــــا وَرَاءَكَ يـــا عِصَــــامْ؟ "
ربما تجيبنا عليه "جورج تاون"
واخيرا،،،
تحية شكر وتقدير واجبة لرئيس مؤسسة قطر على فتح آفاق الطلاب في قطر للربط بين الإعلام والسياسة في هذا السبق التخصصي المزدوج بين كليتين عريقيتن والتي نأمل أن تنبه أذهانهم لما حولهم ممارسة ايضا قبل ان تفتق قريحتهم وتعبئهم بعتاد الممارسات العلمية الدولية خصوصا وانهم يمكلون ذات الادوات المنهجية واللغوية أيضا التي نأمل أن يطلق الله بها فكرهم وألسنتهم بشقيها المكتوب و"المرئي والمسموع" لنلمس صداهم واقعيا في قضايا مجتمعاتهم هنا وهناك ايضا كما لمسنا صدى عمدائهم وأعضاء هيئة تدريسهم على أننا نأمل الا يكون جلّ نتاج أبناء "ايلينوي — قطر" كمعلميهم تغريدا خارج السرب وهم يعلمون أن كثيرا من "الشعراء يتبعهم الغاوون"، اقصد................."يدفعهم الغاوون".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10593
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3666
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2550
| 08 سبتمبر 2026