رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما كانت ثورات الربيع العربي ضد معسكر أمريكا في المنطقة - نظام ابن علي في تونس، ونظام حسني مبارك في مصر - لم يكن من خوف على الرأي العام أن ترتبك مفاهيمه تجاه ذاته وقناعاته أو تجاه أعدائه وخصومه أو تجاه ما يجب تغييره أو الصبر عليه؛ فالنظامان الساقطان اجتمعت في كل منهما أسباب الثورة عليه وأهمها سببان لا يختلف على التبرير بهما عاقلان ولا يتناطح فيهما كبشان؛ الخصلة الأولى ما يتعلق بالوضع الداخلي وعلاقة كل منهما بشعبه وطريقته في التعامل مع السلطة ومقدرات الأمة، فكلاهما كانا فاسدين مستبدين مزيفين مجرمين كذابين نهبا البلاد وأذلا العباد.. الخصلة الثانية ما يتعلق بعلاقة كل منهما بأعداء الأمة وقضاياها الإستراتيجية، فقد كانا خؤونين عميلين للصهاينة، ذليلين منبطحين للهيمنة الأجنبية وقبلا أن يترسبا في قعر المعادلة الصهيونية.. لذلك وجدنا الغرب يقف مع هذين النظامين حتى آخر لحظة.. وذلك ذاته هو الذي جمع الناس في صعيد واحد ضدهما يرددون ذات العبارات ويرفعون نفس الشعارات ويطالبون بنفس المطالب متناسين الفروق بين تياراتهم وأحزابهم وانتماءاتهم.. ثم انتقلت الثورات إلى داخل معسكر المقاومة – إلى اليمن وسوريا وليبيا – صحيح أن هذه النظم لم تكن سواء في تبني ودعم المقاومة وصحيح أنها كانت تتصرف من وحي أهدافها واستثماراتها ؛ لكنها في الحد الأدنى لم تكن على علاقة منتظمة أو مجاهرة مع (إسرائيل) ولم تكن مستجيبة بالقدر الكافي لمقتضيات تجسيد المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة.. وبعيدا عن الغوص في تفاصيل انتقال الثورة من هذا المعسكر إلى ذاك وما إن كانت لأمريكا يد في ذلك، فالمسألة تظل مجرد ظنون وتحليلات أكثر منها معلومات وحقائق وقد يأتي اليوم الذي تتكشف فيه هذه الأمور.. الأهم أن الانتقال حصل.. وأن الثورات انطلقت وليس لأحد أن يستنكر انطلاقها ضد نظم صماء لا تسمع إلا نفسها، عمياء لا ترى إلا ذاتها.. انطلقت الشعوب المقهورة وحق لها أن تثور على قاهريها.. ثارت الشعوب ولكن زوايا النظر اختلفت، والأمة افترقت، وبات المشهد كالتالي؛ شعوب ثائرة ومحقة تستغيث بسكان الكرة الأرضية لإيقاف شلال الدماء البريئة، وصارت لا مانع لديها أن تتدخل أمريكا أو حتى الشيطان لإنقاذ الأبرياء.. وثورات غير منسجمة وغير موحدة وأحيانا غير ناضجة وقد يكون بعضها مخترقا.. ونظم كانت إلى وقت قريب في معسكر المقاومة – كنظام بشار الأسد - وهي تستخدم رصيدها من المقاومة في قمع شعوبها وتدمير بلدانها، ثم لما استنفذت هذا الرصيد لجأت لمنطق الطائفية البغيضة المختلطة أصلا بالعمالة للأجنبي كنظام المالكي.. خصوم المقاومة التاريخيون وخصوم سوريا وليبيا "القديمون" يدعمون الثورات ويتباكون على دماء الأبرياء النازفة، ليس حبا في الثورات ولكن اجترارا لعداوات سابقة وتصفية حسابات قديمة، وهي تحاول تسويق مقولاتها القديمة التي أنشأتها ضد مشروع المقاومة أصلا. ذلك كله أربك الكثير من القناعات وخلط الكثير من المفاهيم.. وأسقط لدى البعض الحواجز الفكرية والنفسية والسياسية التي انبنت عبر عشرات السنين كمكتسبات للتجربة والاستقلال.. وتضاربت مواقف واتجاهات الرأي العام الذي لا يتهم في إخلاصه بقدر ما يدان فهمه للأمور وزوايا نظره وتحليله للأحداث.. فصار بعض من اعتدنا نسمعهم أو نقرأ لهم يدافعون عن المقاومة؛ صاروا يهاجمونها وتنحط لغتهم ومصطلحاتهم إلى مستوى ما كان يقوله ومازال يردده ضدها عملاء أمريكا وإسرائيل، ورأينا حزب نصر الله والنظام السوري وإعلامهما يسوّقون مقولات ورؤية فلول حسني مبارك ومخلفات ابن علي ضد الثورات وراحوا ينظّرون لبطلان هذه الثورات وأنها مخترقة وعميلة، ثم رأينا في الجهة الأخرى بعض داعمي الثورات العربية ينكرون أن النظام السوري كان أصلا في مربع المقاومة بما يهبط إلى الكذب ويتماهى مع ما كان ولا يزال يقوله ويردده أعداء المقاومة التاريخيون الذين يتهمونها ويفترون عليها ليل نهار، وفي سبيل رد حزب نصر الله عن القصير وعن معاونة النظام الفاجر صار قوم يتكلمون عن ضرورة ضبط الحدود السياسية بين سوريا ولبنان كما لو كانت هذه الحدود مقدسات لا يجوز تجاوزها.. وصرنا نرى من يتمنى في جوهره أن تدخل (إسرائيل) وأمريكا المعركة لتكسير عظام النظام السوري وحزب نصر الله وإيران.. المشكلة هنا فيما يتبع هذا التقبل من انهدام الوعي تجاه مخططات أمريكا للمنطقة.. إلى غير ذلك من التحولات والارتباكات التي لا تراعي الفوارق بين المواقف وحدود المقبول والمرفوض منها. لذا لا بد من إعادة الحسابات وفرز المواقف وتصنيف الاتجاهات، ولا بد من تجاوز الخطاب الانفعالي والعاطفي والتنبه لوضع الأمور في مواضعها كمكتسبات وعي وتراكم خبرات.. أقصد فيما يتعلق بالمفاهيم الغازية والمرتبكة وليس في ضرورة ووجوب مواجهة النظام (المتبغل) في سوريا؛ وفي هذا السياق نتساءل: هل مشكلة الأمة مع حزب نصر الله ومع ميليشيات المالكي ومع النظام السوري ومع إيران - اليوم - أنهم شيعة أم أنهم قاتلون مستبدون؟ وهل مشكلة الأمة مع حزب نصر الله وميليشيات المالكي وإيران أنهم تدخلوا في سوريا ولم يلتزموا بالحدود السياسية التي رسمها "سايكس بيكو" و "سان ريمو" في عشرينيات القرن الماضي؛ أم أنهم تدخلوا بمذهبية بغيضة لدعم نظام فاجر ولقطع الطريق على ثورة شعب مظلوم منتهب؟ وهل مشكلة الأمة مع حزب نصر الله أن سلاحه في لبنان غير شرعي وأنه خارج سيطرة الحكومة الشرعية؛ أم أنه يقاتل به الثورة السورية ويستعمله في طائفيته النتنة؟ وفي المقابل هل مشكلة حزب نصر الله والنظام السوري وإيران مع حماس والإخوان هي على فرز من مع المقاومة ومن ضدها؛ أم لأن حماس والإخوان متصالحون مع ضميرهم الديني والوطني والقومي والإنساني ووقفوا مع الثورة السورية ورفضوا الغرق في الحرب الطائفية التي صنعها نظام بشار البائس وحلفاؤه المذهبيون؟ آخر القول: على أنصار المقاومة ابتداء وعلى كل مثقف ومفكر وصاحب رأي يسمعه الناس أن يعيدوا تثبيت مكتسباتهم ومكتسبات الأمة الفكرية والاتجاهية والثورية، وأن يتذكروا الفوارق مع المعسكر الصهيوأمريكي في المنطقة مهما تظاهر رموزه ونظمه بالحرص على الثورة السورية، ومهما اضطرت الأمة لرؤيتهم داخل معسكرها في لحظة ضرورة.. فما هو إلا بعض الوقت حتى يسقط النظام (المتبغل) في سوريا ثم تعود معادلات ستين سنة من المواجهة حاكمة على حراكاتنا من جديد..
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
667
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
970
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
609
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4662
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1176
| 01 أكتوبر 2026