رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدا رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي خلال الأيام الأخيرة وكأنه يتحرك تحت وقع الصدمة المروعة التي أصيب بها جراء اندحار وتفكك وحداته العسكرية، وهروب كبار القادة والجنود من الميدان وارتداء ملابس مدنية لتفادي القبض عليهم أو قتلهم بأيدي ثوار العشائر والمجلس العسكري وبقية المجموعات الوطنية والإسلامية العراقية، التي حررت محافظة نينوى وقلبها الموصل وطهرتها من كل إدارات وقوات جيش وأمن المالكي خلال ساعات قليلة.
جاءت الضربة بالغة البأس وسريعة وعاجلة وعلى خلاف تلك الحالة التي رسمها المالكي وقادة جيشه وأجهزته وظهروا عليها خلال المعركة الجارية منذ شهور في الأنبار، وبدت نتائج معركة نينوى غير متوقعة له وأجهزة أمنه واستخباراته وله سياسيا، إذ إن الرجل كان للتو خارجا مما تصور أنه نصر كبير، بعدما نجح في تزوير إرادة الناخبين العراقيين وحقق المركز الأول، متقدما وحزبه (دولة القانون) على الحلفاء من البيت الشيعي وغيرهم.
جاءت الضربة العسكرية له وهو كان منغمسا في حصد غنائم نصره الانتخابي عبر مناورات إعادة انتخابه رئيسا لوزراء العراق لدورة ثالثة يشتري هذا أو يضغط على ذاك، فإذا المعركة التي تصور أنها حملته لتحقيق أعلى الأصوات – ضد الأنبار والمحافظات الست المنتفضة- هي ذاتها التي تتوسع وتتلاحق ضرباتها حتى وصل الأمر حد انهيار قطاعات جيشه وإعلانه عن إعادة تشكيل جيش آخر، في تلك المناطق التي حررها الثوار!
تلك الأحداث والهزائم المتلاحقة بعد تحقيق المالكي نصرا انتخابيا خلفت حالة من الحيرة والشك لدى الكثيرين ونغصت عليهم حالة الفرح جراء تلك الانتصارات في المعارك العسكرية الجارية.
الخوف يسيطر على البعض من أن يكون المالكي يلعب ذات اللعبة والخطة ويعيد تطبيق الدروس والخبرات الأمريكية المعتمدة ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2011، حين أعلن جورج بوش خطة أسماها الحرب على الإرهاب، ويرى هؤلاء أن المالكي قد يكون واقفا خلف صناعة خطة 11 سبتمبر عراقية، أو أنه يحاول إدارة دفة الأحداث نحو هذا الاتجاه، وأنه يستهدف تشكيل حكومة طوارئ تمد من عمر رئاسته للحكومة الحالية ستة أشهر على الأقل وتخرجه من مأزق عدم قدرته على تشكيل حكومة عراقية برئاسته بسبب رفض الكتل السياسية الأخرى التعاون معه، وهناك من يرى أن إصداره أمرا بسحب القوات قد يخفي خطة لإعادة ترتيب الحلفاء بالضغط على الأكراد والمجموعات السنية من جهة وإيقاعهم في مأزق وجودي عسكري مع الثوار من جهة أخرى.
وعلى الجانب الآخر، فهناك من يرى ما يجري أمرا طبيعيا وأن جيش المالكي لم يكن له أن يستطيع الصمود أكثر من ذلك، في مواجهة خطة المعركة المتحركة المتنقلة بين محافظات العراق التي اعتمدها الثوار، مستندين إلى دعم شعبي جارف، وأن المظالم والجرائم التي ارتكبها نظامه الأمني والقمعي والعمل الثوري والعسكري المتواصل قد أنجز تلك الأوضاع المأساوية له وجيشه، الذي تنبأ له الكثيرون أن يسقط كما سقطت كل الجيوش التي شكلها الاحتلال الأمريكي على عجل قبل انسحابه من البلاد المحتلة.
وواقع الحال أن المالكي تحرك منذ بداية إطلاق شعار الحرب على الإرهاب تمهيدا للانتخابات البرلمانية، بنفس الخطة الأمريكية التي اعتمدها جورج بوش، وحاول أن يظهر كم هو والشعب العراقي ضحية للإرهاب وأنه مارس لعبة تخيير الشعب العراقي بين الوقوف مع الإرهاب أو الوقوف مع حكمه هو، وحاول في ذلك إعادة ترتيب التحالفات الداخلية وفي ذلك لا يبدو مستبعدا أن يمارس أخطر ألاعيب السيرك السياسي على حساب أرواح آلاف الضحايا، غير أن الحقيقة المؤكدة هي أن العراق تجري في داخله ثورة شاملة منذ أكثر من عام، وأن ما يجري هو المرحلة الإستراتيجية الثانية من حرب تحرير العراق.
لقد أنجز العراقيون ومقاومتهم في المرحلة الأولى، عملية تحرير العراق من الاحتلال الأمريكي، والآن هم يطيحون بمخلفات الاحتلال وعمليته السياسية وحكمه الذي شكله، ومن يقود المعارك هم المقاومون أنفسهم لا غيرهم، الذين يطيحون بالاحتلال الإيراني الجاثم على صدور العراقيين بممارساته الطائفية البغيضة. الخطر الحقيقي لا يتمثل في وجود لعبة إستراتيجية للمالكي، إذ هو لم تعد لديه القدرة على إدارة إستراتيجية كبرى كتلك التي يخشاها البعض، بل في احتمالات وقوع التقسيم عبر حرب أهلية شاملة طاحنة،
وليراقب الجميع معركتي بغداد وديالى مختلطتي السكان، وكلاهما نقطة حسم إستراتيجي للمعارك الجارية الآن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2505
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1932
| 30 أبريل 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
864
| 04 مايو 2026