رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ضمن نشاطات مركز أصدقاء البيئة / الخيمة الخضراء، خلال شهر رمضان المبارك، تم تنظيم لقاءٍ علمي حول (المناهج التعليمية ودورها في تعزيز الهُويَّة). ولقد تحدّث متخصصون، من الأكاديميين والمعلمين، حول دور التعليم في تعزيز الهُوية، وملابسات الهُوية ذاتها. وأثرى اللقاءَ وجودُ معلمين لهم دور كبير في تعليم النشءِ في دولة قطر، وكانوا محل حفاوة وتكريم من الحضور.
وبرأينا أن التعليم - في دولة قطر – قد مرّ بمراحلَ ومحطاتٍ متعددة، لكل منها جوانبُ إيجابية وأخرى سلبية، ولكلٍ من (مُريدي) المحطات رؤى ووجهات نظر تدعم إيجابية المحطة التي دافع عنها، وترفض دعم المحطة التي لا يدافع عنها.
ولئن كان الرأيُ الغالب في اللقاء أن مناهج التعليم وطرق التدريس والمناخ العام للتعليم في الماضي، كانت أكثرة قوة وجدّية وتأثيراً، عما درج عليه الحال خلال العشرين أو الثلاثين عاماً الماضية. وقد يكون مرد ذلك، أن غالبية الحضور والمشاركين في اللقاء هم من عاصروا وتتلمذوا على يد أساتذة المحطات القديمة، بكل ما فيها من جدّية وصرامة واحترام كامل للمدرس؛ بعكس الحال في الظروف التي أعقبت تلك المرحلة، حيث ما تم وصفه بـ (التعليم الحديث)، وضرورة مراعاة شعور الطالب، وعدم "تعقيده" بالدروس الطويلة والواجبات الشاقة، بل ودعوته لمواجهة الأستاذ، بل ووصل الأمر إلى التسامح مع الطالب الذي يعتدي على الأستاذ أو يخرّب سيارته، بحكم أن الطالب تجتاحهُ ظروف نفسية لابد من مراعاتها، وهذا موضوع طويل لا نود الاسترسال فيه.
ماذا حصل بعد ثلاثين عاماً من المدارس المستقلة أو الخاصة، وتواري التعليم الخاص؟
من الشواهد الواضحة اليوم، والتي نواجهها في مستوى الجامعة أو الكليات، ما يلي:
1- ضعف الثقافة العامة، وضعف الإلمام بالتاريخ العربي والإسلامي ورموزه، تماماً كما هو الحال مع الضعف في مستوى الآداب والفنون بصورة عامة.
2- ضعف اللغة العربية – وبدرجة واضحة – ودخول لغة الإنترنت المُختصرة والضعيفة في حل الواجبات أو وضع أوراق العمل البحثية! كون تلك المدارس لم تحفل كثيرًا بالتأسيس الجيد في اللغة العربية، وكثيرًا ما واجهنا طلبة وطالبات يطلبون منا عدم وضع أسئلة مقالية في الامتحانات والاكتفاء بأسئلة ( صح/ خطأ، أو الاختيارات الثلاثة (Multiple Choices). كما أن إعداد أوراق البحث، قضية أخرى، والأستاذة الكرام يدركون كيفية إعداد وتقديم مثل تلك الأوراق. وبعد تجربتي التي امتدت لأكثر من 35 عامًا في التدريس الجامعي، أرى عدم نجاعة تضمين الدرجات لأوراق عمل تُعمل خارج الفصل، لأنها مضيعة للوقت ولا يستفيد منها إلا قلة قليلة من الطلبة، كون الغالبية من الطلبة تلجأ إلى وسائل غير إيجابية في هذا الخصوص.
3- وإذا تتبعنا خط عمر الطفل، وحتى يتخرج من الثانوية، نجده كالتالي:
أ – في مرحلة الروضة، يقضي الطفل ثلاث سنوات – ولربما أكثر- في بيئة مختلفة عن البيئة المحلية، سواء كانت عربية أم أجنبية، ومعظم الأُسر تُريدها أن تكون أجنبية، حتى يتعلم الطفل اللغة الإنجليزية! وهذا اتجاه أثبت عدم نجاعته، لأنه حتى لو ضمن الطالب وظيفة بحكم إجادته اللغة الإنجليزية، إلا أن في حقيقة الأمر،" يتغَرّب" عن واقعه ووطنه ومجتمعه – نحن هنا نتحدث عن تكوّن الهُوية – لأنه لم يُلم بتاريخه المحلي والإقليمي والعربي والإسلامي، ولا يعرف علماء الأمة ولا أدباءها ولا فنانيها، كما أنه لا يتذوق النتاج الإبداعي لرموز الأمة، بل وقد يكون منفصلا عن هموم الأمة، حتى في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
ب – في المنزل، لا يقضي الطفل مع والديه نصف الوقت الذي يقضيه مع (المُساعدة) في المنزل! والتي لها ثقافتها الخاصة، ولغتها، وأساليبها في التعامل. وإذا ما افترضنا أن الوالدين يعملان منذ الثامنة وحتى الرابعة عصرا، (8 ساعات يوميا) ، ويكون الطفل خلالها في الروضة، أو المدرسة الخاصة (من الساعة 8- 3 عصراً) ، يتحدث الإنجليزية مع المدرسة ومع زملائه، ويخوضون في أحاديث بعيدة كل البُعد عن هموم المجتمع وتاريخه وتراثه، ثمن يأتي إلى المنزل وتتلقفه (المُساعدة) بلغتها الإنجليزية أوالآسيوية، وتُلقّنه عاداتها وتقاليدها، ولا تمر عليه لحظة يقرأ القرآن، أو يتعرف على سلوكيات ومبادئ الإسلام أو العادات العربية الأصيلة، وتأتي الأم مُنهكة من العمل كي تنام، بعد أن أكلت وجبتها في الكافتيريا، وأكل الأطفال مع مربيتهم، في الوقت الذي يلتصق الطفل بشاشة التلفزيون أو (الآيباد)، يشاهد أفلامًا وبرامج أجنبية، وخوارق، ويتعرض لثقافات ومفاهيم أجنبية – غير موجودة في واقعه – فإن ذلك يُحدث (الاغتراب) الذي نُحذّر منه. وتصل الساعة إلى السابعة مساءً، حيث يأوي هذا الطفل إلى فراشه استعداداً ليوم دراسي في الغد! بالله عليكم، كم من الوقت قضاهُ هذا الطفل مع أسرته؟ وكم من المعلومات كسبها منهما؟ في مقابل الكم الهائل الذي اكتسبهُ من الروضة أو المدرسة، ومن المُساعدة ، ومن الأجهزة الإلكترونية !؟ هذا، إذا ما أضفنا لذلك أن الأم، عندما تنهض من قيلولتها تُناظر المرآة ، وتتعدّل كي تخرج، دون أولادها أو طفلها – الذي يجب أن ينام عند السابعة استعداداً للمدرسة! فكم من الوقت قضاهُ هذا الطفل مع والدته؟ أو مع أبيه، الذي قد يكون مشغولا في المجلس مع أصدقائه، أو يكون خارج المنزل!.
- في المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية، إذا ما أُدخل الشاب مدرسة خاصة، فما هي المناهج التي يتعلمها هذا الشاب، بعد أن درس المناهج الإنجليزية – لثلاث أو أربع سنوات – وهي مناهج مبُسّطة وسطحية في الأغلب، ولا تتلمس احتياجات الطالب وخصوصية مجتمعه، مقارنة بمرحلة الستينيات والسبعينيات؟ ألا يُحدث هذا التضاد نكسة في عقل الطالب، ونفوراً من المدرسة؟
- في المرحلة الجامعية، يأتي الشاب أو الشابة بعد أن درَسا المناهج بالإنجليزية في الأغلب، ويواجه الطالب صعوبة في استيعاب شرح المدرس – باللغة العربية – كونه يدرس في مجال الإنسانيات، مثلاً ! فهو لا يستطيع كتابة خمسة سطور دونما أخطاء إملائية أو نحوية! أي أن المستوى الذي وصل به إلى الجامعة لم يكن يؤهله لدخول الجامعة أو الكلية! كما أن هذا الطالب لا يشارك في الفصل، خوفاً من أن يُخطئ، ولا يستطيع التعبير عن آرائه، كونه اعتمد الإنجليزية، أو لغة الإنترنت الخاطئة. وإذا ما أضفنا لذلك، عدم قدرة الطالب على تحديد ماذا يريد، ولا يدرك اتجاهاته أو ميوله، كي يدخل أحد التخصصات، نجده " يتوهُ" من كلية إلى أخرى، ومن تخصص لآخر، فكيف نطالب هذا الطالب بحفظ الهُوية؟
نحن نعتقد أن الهُويَّة هي اندماج بين الإنسان والأرض، وتعتمد في الأساس على الدين والمُعتقد، وما يستتبعهما من مبادئ وسلوكيات، ثم تأتي العلائق الأخرى التي تنتجها الأرض، من حب الوطن، والدفاع عنه، اللغة ومحوريتها في الانتماء للأرض، التراث والإنتاج الأدبي – الشفاهي والمكتوب – والنماذج المعروفة للإنتاج الثقافي المادي، ورموز الثقافة التي تصبّ في معين الهوية، العَلّم، النشيد الوطني وغيرها. وتندمج هنا الهُويَّة بالوطنية، والتي تختلف بالطبع عن المواطنة، وهذا مبحث آخر. والهُويَّة اصطلاحًا هي (مجموعة المُميزات التي يمتلكها الأفراد، وتساهم في جعلهم يُحققون صفة التفرد عن غيرهم، وقد تكون هذه المُميزات مشتركة بين جماعة من الناس، سواء ضمن المجتمع، أو الدولة. ومن التعريفات الأخرى لمصطلح الهُوية: أنها كل شيء مشترك بين أفراد مجموعة محددة، أو شريحة اجتماعية تساهم في بناء محيط عام، وتنقسم الهُوية إلى ثلاثة أقسام: الهُويَّة الوطنية، الهُويَّة الثقافية، الهُويَّة العُمْرية. (www.mawdoo3.com).
السؤال الآن: هل تساهم مناهج ووسائل التعليم في تعزيز الهُويَّة؟ إن المعطيات التي وردت أعلاه تُجيب بالنفي! كما يلعب الإعلام دوراً مؤثراً في تعزيز أو تشويه الهُوَّية، وإذا ما علِمنا أن واقع التلقي في العالم – هذه الأيام – يتمثل في الآتي:
1- 65 % من برامج الإذاعة باللغة الإنجليزية
2- 70 % من الأفلام ناطقة باللغة الإنجليزية
3- 90 % من الوثائق المُخزنة في الإنترنت باللغة الإنجليزية
4- 85 % من المكالمات الهاتفية باللغة الإنجليزية
(د. نبيل علي، اللغة العربية وعصر المعلومات.. التحديات والفرص) ورقة قدمت إلى ندوة ( اللغة والهُوية.. دول الخليج العربي أنموذجاً) ، وزارة الثقافة والفنون والتراث، الدوحة، 2009). فإننا حتمًا أمام مسؤولية كبيرة لم تفد معها كل تلك المؤتمرات والندوات التي عُقدت منذ الثمانينيات لتطوير التعليم!
وإذا ما أضفنا لذلك، المدة التي يقضيها الشاب أو الشابة على الإنترنت، يستخدمان اللغة الإنجليزية، أو يتراسلان باللغة الإنجليزية، دون أن يفتح احدهما كتابًا باللغة العربية، أو يتصفح جريدة عربية، فإننا أمام تحدٍ واضح يُضيف إلى "تهديد" الهُوية العربية، بل ويساهم في تلاشيها.
هامش: في استبيان أجريته على طلبة وطالبات كلية المجتمع، تبيّن ان المبحوثين (حوالي 50 فرداً) لا يشاهدون التلفزيون المحلي ولا يقرّأون الصحف المحلية!
التَنَمُّر المرفوض
تداولَ متعاملون مع أدوات التواصل، خلال الأسبوعين الماضيين، شريطَ فيديو مُصوّراً من هاتفٍ نقَّال، لطالبٍ يعتدي بالضرب على... اقرأ المزيد
3774
| 23 أكتوبر 2019
الكتابة الإبداعية!!
في كتابه الموسوم ( مبادئ الكتابة الإبداعية للقصة القصيرة والرواية) يوضّح الصديق الروائي الكويتي ( طالب الرفاعي) أن... اقرأ المزيد
5227
| 22 أكتوبر 2019
رُبَّ ضارةٍ نافعة
من المؤسف أن يحدث هذا الاختراق الواضح في قناة (بي إن سبورت)، ويقوم موظفون لهم مواقعُ مهمّة بالتآمر... اقرأ المزيد
5838
| 02 أكتوبر 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد المعتاد في كل بيت، ملابس جديدة، حقائب، أحذية، كتب، أقلام، أجهزة، ومستلزمات دراسية. لكن هل هذه هي استعدادات العودة إلى المدارس؟ قبل أن تسأل ابنك: ماذا ينقصك للمدرسة؟ اسأله: لماذا تدرس؟ سؤال بسيط جدًا، لكنه قد يكون أهم من كل ما ستشتريه له طوال سنواته الدراسية فهنا الجوهر. لماذا تدرس؟ ماذا تريد أن تصبح؟ ما المجال الذي تحبه؟ ما الذي تجيده؟ أين ترى نفسك بعد الدراسة وكيف ؟ هذه الأسئلة أهم اليوم من أي وقت مضى، لأن العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، وحتى مفهوم التعليم نفسه يجب أن يتغيّر لدينا. العالم اليوم مليء بالشهادات بل إن الحصول على الشهادة أصبح في بعض الأماكن أسهل وأرخص من مصاريف سنوات الدراسة، ولم تعد الشهادة وحدها ذلك المفتاح الذي يفتح أبواب الوظائف كما كانت سابقاً. الآلاف يتخرجون كل عام والآلاف يسجلون كما نشاهد هذه الايام. بكالوريوس وماجستير ودكتوراه … الخ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في سوق العمل اليوم هو: ماذا تستطيع أن تفعل؟ فالعالم لايبحث عن الشهادة وصاحبها، بل عن الكفاءة واهلها. يبحث عن الإنسان الذي يفهم، ويحلل، ويبتكر، ويتواصل، ويتعلم بسرعة، إنسان يتعامل مع المتغيرات، ويحل المشكلات، ويملك مهارة حقيقية يحتاج لها الواقع. ثم جاء التحدي الأكبر.. الذكاء الاصطناعي. وهو ليس قصة من المستقبل، بل واقع نعيشه الآن. مهام ووظائف كثيرة تغيرت وتقلصت بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي، ووظائف أخرى ستتغير بصورة أكبر خلال السنوات القادمة وستنتهي وفي المقابل ستولد مجالات ووظائف جديدة لم نكن نعرفها. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لأي عالم نُعِد أبناءنا؟ هل نُعد الطالب فقط ليحفظ كتابًا، ويجيب في ورقة الامتحان، ويحصل على درجة عالية، وينتقل من صف إلى صف حتى يحصل في النهاية على شهادة؟ وماذا بعد ؟ فغالب ما يتعلمه الطالب في الحقيقة لا يعمل به في الحياة الطبيعية. ثم ماذا؟ قد يتخرج بعد سنوات ليكتشف أن العالم الذي أعددناه له قد تغيّر! لذلك يجب ألا يكون هدفنا أن يحصل أبناؤنا على الشهادات فقط، وإنما أن يمتلكوا المهارات والقدرات والوعي والفهم وهذا ما تتجه له الدول المتقدمة. علّم ابنك كيف يبحث. كيف يفكر. كيف يناقش. كيف يتحدث أمام الناس. كيف يكتب. كيف يستخدم التقنية. كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ويستفيد منه بدل أن يخشاه. كيف يتعلم مهارة جديدة بنفسه. كيف يحول فكرته إلى مشروع. وكيف يعرف نقاط قوته وضعفه. وانتبه يا ولي الأمر أنت لا تجهز ابنك لاختبار نهاية الفصل. أنت تجهزه لسوق عمل سيدخله بعد سنوات، وقد يكون مختلفًا جذريًا عن سوق العمل الذي تعرفه أنت اليوم. فلا تجعل كل اهتمامك بدرجته، واسأله أيضًا ماذا تعلّم. ولا تسأله فقط: كم حصلت؟ اسأله: ماذا أصبحت تستطيع أن تفعل؟ ولا تخطط له على أساس الوظائف التي كانت ناجحة في جيلنا، بل ساعده على اكتشاف العالم الذي سيعيش هو فيه. نعم التعليم مهم. والشهادة مهمة. والمدرسة والجامعة كذلك. لكن الشهادة بلا مهارة ورقة، والتعليم بلا فهم حفظ، والمعرفة التي لا يستطيع صاحبها استخدامها لن تصنع له مكانًا في عالم شديد التنافس وسريع التغيّر. لذلك عندما تبدأ هذا العام في تجهيز أبنائك للعودة إلى المدارس.. لا تبدأ بالحقيبة. ولا بالحذاء. ولا بالملابس. ابدأ بالسؤال: يا ابني … لماذا تدرس؟ فإذا عرف لماذا يدرس، وماذا يريد، وما الذي يحتاج إلى تعلمه ليصل إليه.. فقد اشتريت له أهم مستلزمات الدراسة دون أن تدفع ريالًا واحدًا.
5565
| 25 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
4572
| 23 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة المؤسسات المستمرة إلى قيادات جديدة، في وقت لا يكفي فيه انتظار ظهور قائد جاهز. فهل القيادة موهبة فطرية، أم قدرة يمكن بناؤها وتطويرها؟ ولفهم ما إذا كان القائد يُولد أم يُصنع، لا بد أولاً من التعرف إلى الصفات التي تقوم عليها القيادة. ومن أبرزها وضوح الرؤية؛ فالقائد يرى الاتجاه قبل أن ينشغل بالتفاصيل، ويستطيع أن يحوّل رؤيته إلى هدف واضح يفهمه الناس ويعرف كل منهم دوره فيه. وعندما يحين وقت القرار يستمع، ويجمع المعلومات، ويدرس البدائل، ثم يحسم اختياره ويتحمل نتائجه. فإذا تعثرت الأمور، لا يسارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو البحث عن موظف يدفع ثمن قراره؛ بل يعترف بالخطأ، ويصحح المسار، ويحمي فريقه من الاتهام غير العادل. فالقيادة لا تعني أن يكون القائد مصيباً دائماً، بل تعني القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية والتعلم والتصحيح. غير أن القرارات وحدها لا تكفي لقيادة البشر. فالقائد يحتاج إلى فهم نفسه وضبط انفعالاته وإدراك مشاعر الآخرين، وهو ما وصفه عالم النفس دانيال جولمان بالذكاء العاطفي. وقد تهدم كلمة قاسية في لحظة غضب ثقة بُنيت خلال سنوات، بينما يستطيع القائد المتزن أن يختلف ويحسم من دون أن يهين أو يجرح. وتمنح النزاهة هذه الصفات معناها؛ فالناس قد تعجب بذكاء المسؤول، لكنها لا تثق به إذا طبّق المعايير بحسب الأشخاص. لذلك يكون القائد عادلاً، واضحاً في قراراته، بعيداً عن المحاباة. كما يحسن الاستماع، ولا يخشى أصحاب الكفاءة، بل يختار من يكمله ويمنحه فرصة للمبادرة وتحمل المسؤولية. وعندما يصبح القرار الصحيح غير مريح أو غير شعبي، تظهر شجاعته الأخلاقية في تقديم المصلحة العامة على رغبته في إرضاء الجميع. هذه الصفات ليست حكراً على أشخاص يولدون باستعدادات فطرية، بل يمكن تنمية معظمها بالتعلم والتجربة. ويرى الباحث وارن بنيس أن «القادة يُصنعون ولا يولدون». ولا يعني ذلك تجاهل الاستعداد الفطري؛ فبعض الأشخاص يمتلكون الجرأة أو قوة الحضور وسهولة التواصل، لكن هذه المزايا تحتاج إلى التهذيب. فالجرأة بلا حكمة قد تصبح تهوراً، والثقة بلا وعي قد تتحول إلى غرور، والحزم بلا عدل قد ينتهي إلى تسلط. ووفقاً لنموذج مركز القيادة الإبداعية (CCL)، وهو مؤسسة دولية متخصصة في أبحاث وتطوير القيادات، فإن معظم التعلم القيادي يأتي من المهام والتجارب الصعبة، ثم من العلاقات المهنية والتوجيه، بينما تمثل الدورات الرسمية الجزء الأصغر. وهذا يفسر لماذا لا تُصنع القيادة في قاعة التدريب وحدها. فحين تكلف المؤسسة موظفاً واعداً بإدارة مشروع يتطلب تعاون عدة إدارات، وتمنحه صلاحية حقيقية، ثم تراجع معه قراراته ونتائجها، فإنها تدربه عملياً على التنسيق وحل الخلافات وتحمل المسؤولية، وبذلك تتحول القيادة من معرفة نظرية إلى ممارسة حقيقية. لهذا تبدأ صناعة القادة باكتشاف من يمتلكون القيم والاستعداد للتعلم، ثم منحهم مسؤوليات متدرجة، وإشراكهم في قرارات حقيقية، وتعريضهم لمواقف تتطلب الاختيار وتحمل النتائج. وهم يحتاجون إلى توجيه صادق يكشف نقاط القوة والضعف، وإلى بيئة تسمح بالخطأ المسؤول، لكنها لا تتسامح مع الإهمال. إن إعداد القادة ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تضمن استمرار المؤسسة وتجددها. فالمؤسسة التي تنتظر قائداً جاهزاً قد تنتظر طويلاً، أما التي تستثمر في موظفيها وتختبر قدراتهم، فإنها تصنع خياراتها بنفسها. قد يبدأ القائد بموهبة، لكنه يكتمل بالتعلم والتجربة والمحاسبة. ولذلك فالسؤال الأجدر بالمؤسسات ليس: أين نجد قائد الغد؟ بل: ما الذي نفعله اليوم لصناعته؟
2226
| 23 أغسطس 2026