رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هو وبحق وزير خارجية من طراز نادر, وسيذكره التاريخ طويلا كأحد أهم أعلام الدبلوماسية في العالم خصوصا الدبلوماسية التي تسعى بصدق لترسيخ الأمن والسلم العالميين بعيدا عن الأزمات والحروب, وبعيدا عن مغامرات الساسة التي تجر العالم إلى ويلات الحروب.
كقائد دبلوماسي عالمي الرجل كان مؤهلا لذلك فدراسته كانت في واحدة من أفضل الجامعات في العالم كما أنه كان محظوظا حين تعلم أكثر من ذلك من زعيم مسلم وعربي كان علما في السياسة الخارجية لعقود وهو والده الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله.
درس الاقتصاد في جامعة برنستون في ولاية نيوجيرسي في الولايات المتحدة وبجوار مقر الأمم المتحدة في نيويورك حيث كان ولا يزال رسم الأحداث العالمية وتصارع الدول لتحقيق المصالح, لهذا كان خبيرا في كيفية صناعة القرار العالمي والأمريكي.
ولهذا وعلى سبيل المثال لم تخب رؤيته ذات يوم حين استغرب من رغبة الولايات المتحدة في الحكم المباشر للعراق بعد سقوط نظام صدام حسين العام 2003، حين استغرب في حينه كيف سيستطيع جنرال أمريكي أن يحكم قبائل عريقة كشمر والظفير والدليم وغيرها, وتوقع في ثنايا ذلك الفشل وهو ما حصل بالفعل حيث فشلت الولايات المتحدة عبر جنرالاتها في حكم العراق, وغادرت بعد أن حولت هذا البلد العريق إلى ساحة حرب إقليمية لا يزال الجميع يُلسع بنارها, وهي النار التي لم تكن لتندلع بالأصل لو اتبعت الولايات المتحدة ما نادت به السعودية والأمير سعود الفيصل تحديدا بنصائح بعدم التدخل المباشر في العراق وترك الأمر لتغيير من داخل نظام صدام حسين .
طوال أربعة عقود كان الأمير سعود الفيصل بحق مدرسة متفردة في الدبلوماسية العالمية والعربية، فالرجل رسخ سياسة الوضوح والمباشرة في الطرح من دون تضييع الوقت في الألعاب السياسية التي كانت تسود في الدبلوماسية العالمية بسبب صراع النسر الأمريكي مع الدب الأمريكي. كما واجه بسياسة الأمر الواقع وحقائق الأرض العنتريات والمعارك اللفظية التي كانت سائدة بين الدول العربية في صراعاتها التي لا تنتهي.
لم يكن في أسلوبه مهينا أو جارحا لأحد خلال زياراته المكوكية لدعم قضية معينة أو لمنع اندلاع أزمة متوقعة, لكنه كان واقعيا إلى درجة الصدمة أو الدهشة فهو يعرف متى يتكلم بود ومتى يكون واضحا في عباراته كي لا تحمل ما لا تحتمل.
لهذا كانت السعودية تواجه خلال تاريخها بحملات دبلوماسية وإعلامية قاسية ومتجنية من أجل تغيير هذا النمط الواضح والمنطقي من السياسة الخارجية التي مارسها سعود الفيصل والتي لم تترك فرصة للمزايدين ليخفوا حقيقة نواياهم في المناطق الضبابية.
في غزو الكويت تألق سعود الفيصل كثيرا حين تصدى لألاعيب صدام حسين ووزير خارجيته الثعلب طارق عزيز، ولا عجب فهذه المعركة الدبلوماسية التاريخية أدارها من الجانب السعودي الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله وسعود الفيصل بحنكة ومهارة جعلت من صدام حسين يندم أشد الندم على قيامه بخداع السعودية بحقيقة موقفه حين طمأن الأمير سعود الفيصل خلال زيارة الأخير لبغداد قبيل الغزو بأيام وبين له أن العراق لن يغزو الكويت.
وفي تلك المرحلة كان هناك تنسيق عالي المستوى بين عميد وزراء الخارجية في العالم آنذاك الشيخ صباح الأحمد أمير الكويت الحالي وبين الأمير سعود الفيصل ما جعل هذا الثنائي يقود -كل في مجاله- معركة تحرير الكويت دبلوماسيا عبر محاصرة كل الألاعيب العراقية ووأدها.
من معركة دبلوماسية إلى أخرى كان الأمير سعود الفيصل ينتقل بكل مهارة وغير تنسيق عال مع وزراء دول مجلس التعاون الخليجي الأمر الذي جعل دول الخليج العربي تتجنب أزمات حقيقة تهدد استقرارها.
ومن ذلك ما قامت به السعودية عبر الأمير سعود الفيصل والدبلوماسية السعودية من حملات عدة لتجنيب السعودية الهزات الارتدادية لزلزال الحادي عشر من سبتمبر حين شارك 15 سعوديا في هجمات نيويورك وواشنطن, وحين حاولت إسرائيل واللوبي الصهيوني في واشنطن استغلال ذلك لتحجيم السعودية وتقزيم دورها في المنطقة من أجل مرحلة جديدة من الهيمنة الإسرائيلية, وهو ما لم يتم بالطبع بسبب فطنة الأمير سعود الفيصل ومعه وزراء خارجية عديدون انتبهوا لحجم المؤامرة وتعاملوا معها بصبر وأناة وهدوء ودهاء.
وفي مرحلة الربيع العربي الذي انطلق من قلوب محطمة بسبب الظلم والقهر والذي وللأسف استغل لاحقا لأهداف جاوزت طبيعته، كان للأمير سعود الفيصل دور مهم ضمن السياسة الخارجية السعودية للتصدي للتدخلات الإيرانية في المنطقة, وهي التدخلات التي أرادت منها إيران استغلال ظروف المنطقة وآلام شعوبها لتحقيق مصالحها الخاصة وأهمها تحقيق مكانة إقليمية مؤثرة لإيران تفيدها لاحقا في مفاوضات الملف النووي والذي كان آخذا في التصاعد وكان مرشحا ليكون سببا لتدخل دولي ضد إيران.
في سوريا تم فضح الدور الإيراني المدمر والذي كان السبب الرئيسي في تحول المظاهرات الشعبية في سورية من مطالبات سلمية إلى حرب أهلية حين رد النظام السوري الذي يحظى برعاية إيرانية على تلك المظاهرات بسيل لم يتوقف من المذابح .
وكم كان مؤثرا وصادما للعالم رفض السعودية لعضوية مجلس الأمن الدولي حين ذكر الأمير سعود الفيصل أن هذا المجلس فشل في ممارسة دوره المقرر في منع المذابح في سورية وفي وقف ما يتعرض له الشعب السوري من مآس.
واستمر الأمير سعود الفيصل في مواجهة الأطماع الإيرانية التوسعية حتى وهو يعاني المرض ولا يكاد يمشي إلا بعربة خاصة يستند عليها بذراعيه, ولا يكاد حتى يستطيع الحديث, ففي ملف سورية تصدى على الفور لكلمة للرئيس الروسي فلاديمير قرأها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي شفهيا خلال القمة العربية في شرم الشيخ، فعقب الأمير سعود الفيصل على كلمة بوتين فبدأ بنقل تحيات خادم الحرمين الشريفين ليبين أنه يتكلم باسم الملك وأنه يرد على المستوى نفسه الذي تحدث فيه بوتين، ثم فند الأطروحات الروسية ورد عليها ولم يترك لكلمة بوتين أي أثر في أوساط المؤتمر.
هذا التدخل غير المعد له من الأمير سعود الفيصل أحبط المناورة الروسية التي كانت تهدف للتسويق للرئيس السوري بشار الأسد مرة أخرى عربيا وعالميا.
على المستوى الإنساني عُرف الأمير سعود الفيصل بعفة اللسان فلم يسبق أن صدرت عنه طوال أربعين سنة من الدبلوماسية أي إساءة لشخص أو مسؤول في دولة أخرى رغم ما كانت تتعرض له السعودية وما يتعرض له شخصيا من حفلات شتائم في الإعلام العربي الثورجي .
كما عرف بالتعامل الراقي مع الجميع حتى مع خصومه السياسيين ما جعله ذا شخصية تحظى بالتقدير دوما وهو أمر يصعب في ظل حدة الصراعات الدولية.
واشتهر الأمير سعود الفيصل بالعبارات الطريفة ذات المغزى خلال المؤتمرات الصحفية والمؤتمرات ومن ذلك حين حاصره الصحفيون في أحد المؤتمرات في الكويت من أجل تصريح صحفي وكان ذلك في شهر رمضان فرد عليهم وهو يغادر المؤتمر بالآية القرآنية "إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا"، ( الآية 26 سورة مريم ) فاختلطت حينها صدمة الصحفيين بضحكاتهم بسبب قدرة الأمير سعود الفيصل ولباقته وطريقته في الاعتذار عن التصريح .
وحصل خلال مؤتمر صحفي جمعه بوزير الخارجية الأمريكي جون كيري وكان ظهوره الأول في عربه يستند عليها للمشي أن مازح الصحفيين بالقول "من يسابقني بهذه العربة.... هل من مبارز"؟
والأمير سعود الفيصل اشتهر عنه في وزارة الخارجية السعودية أنه كان يزور المرضى من موظفي الوزارة بشكل شخصي ومن دون تحضيرات أو مرافقين أمنيين ومن دون نشر خبر عن الزيارة.
الحديث عن الأمير سعود الفيصل لا ينتهي فللرجل مواقف ومقولات وقصص لا تنتهي سواء على مستوى العمل الدبلوماسي الذي امتهنه، أو على مستوى العمل البيئي حيث كان عضوا فعالا في هيئة الحياة الفطرية حيث ترجم خلال ذلك حبه الشديد للحياة الفطرية.
رحم الله الأمير سعود الفيصل فقد ترك للأجيال المقبلة مثالا يحتذى في مجالات عدة، وستتذكر الدبلوماسية في العالم طويلا أحد أهم رموزها وفرسانها.
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام
ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله فيها أبوابًا من الرحمة والقبول لا تتكرر في غيرها، ومن... اقرأ المزيد
111
| 22 مايو 2026
معرض الدوحة للكتاب وترسيخ الوعي بالهوية
تعكس زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمس، إلى معرض الدوحة... اقرأ المزيد
90
| 22 مايو 2026
بالتعليم المبكر نصنعُ الغد
معلمة الطفولة لا تُخرّج طلابًا فحسب، بل تُسهم في صناعة مستقبل الأمة؛ فهي تبذر البذور الأولى للأخلاق، والهوية،... اقرأ المزيد
54
| 22 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1425
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1230
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
972
| 16 مايو 2026