رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- مهما كتبنا لن نستطيع حصر إنجازات الأمير الوالد
- حمد بن خليفة القائد الذي نصر فلسطين وانتصر للعرب
- في عهده تعلمنا أن المستحيل غير موجود تحت سماء قطر
- الأمير الوالد علمنا كيف نحول الحلم إلى حقيقة والطموح إلى إنجاز مبهر
- برؤيته الحكيمة صارت قطر محط اهتمام العالم ونقطة استقطاب للقادة
- الفقيد الكبير أرسى ركائز القوة الناعمة لقطر حتى أصبحت الأكثر تأثيرا
- القائد الذي أعطى شعبه بلا حدود وأعطى وطنه المجد والاستقرار والازدهار
- نهجه الحكيم جعل قطر ساحة للتلاقي والحوار ودبلوماسية الوساطة النزيهة
- التزامه بنهج الوساطة لم يثنه عن الانحياز لقضايا الشعوب العادلة
- مواقفه الساطعة من فلسطين تكتب بأحرف من ذهب في صفحات التاريخ
لم يكن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، قائدا فقط أو زعيما ورئيسا وحسب، بل كان كل ذلك، ففي شخصه اجتمعت كل صفات القيادة الاستثنائية وهو بالنسبة لأهل قطر الأب والأخ والصديق والمربي والمعلم، هو القائد الذي قاد قطر في مرحلة انتقالية من دولة صغيرة إلى دولة عصرية متطورة تتبوأ مكانة مرموقة إقليميا ودوليا وتتصدر مختلف المؤشرات والتصنيفات.
عندما يكون الحدث غياب فقيد الوطن الكبير تختلط مشاعر الحزن والألم بلوعة الفراق، وتتراكم الأفكار وتتسابق المعاني لرثاء قامة تاريخية يندر أن تتكرر، فالحديث عن خصاله وأعماله وإنجازاته وعطائه وأثره الطيب لا تكفيه كتب ومجلدات لوفاء حقه؛ لما قدمه وأعطاه بصدق وإخلاص للشعب والوطن، وهو عطاء لم يعطه أحد قبله.
لقد بنى الأمير الوالد نهضة قطر الحديثة وأرسى قواعد بنيانها وصنع مجدها وازدهارها، وكانت فترة حكمه على قصر مدتها الزمنية والتي لا تتجاوز العقدين من الزمن محطة تاريخية ونقطة تحول في تاريخ قطر، بل كانت في مجملها تاريخا قائما بذاته، انطلق سموه من البدايات المتواضعة لبناء الدولة بعزيمة صلبة وإرادة لا تعرف المستحيل.
كان الأمير الوالد، رحمه الله، يعمل على أكثر من قطاع في آن واحد وكأنه يسابق الزمن لإنجاز ما يطمح إلى تحقيقه في بناء قطر الحديثة وانطلق من أولوية بناء الإنسان الذي هو أثمن ثروات الوطن، معتبرا أن أساس بناء الإنسان هو التعليم، فانطلقت في عهده نهضة تعليمية شاملة بدأت مع تأسيس مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع وامتدت لتشمل مختلف مراحل التعليم من الروض والمراحل الابتدائية إلى التعليم العالي وصولا إلى افتتاح أحدث المنشآت التعليمية وأبرزها المدينة التعليمية التي تضم أعرق الجامعات العالمية حتى غدت الدوحة وجهة تعليمية يتهافت إليها طلبة العلم من دول العالم.
مشروع سموه في الاستثمار بالإنسان لم ينحصر في التعليم بل أيضا في الصحة انطلقت خطة عمل تقوم على أن الرعاية الصحية حق من حقوق الإنسان ولابد من توفير أفضل خدمات الرعاية الصحية لكل من يعيش على أرض قطر فازدهر في عهده القطاع الصحي وصار يضاهي وينافس خدمات الدول الأوروبية.
وإلى جانب التعليم والصحة كان هاجسه الكلمة الحرة والإعلام الحر فكانت أولى ثمار عهده الغاء وزارة الاعلام ودورها الرقابي المقيد لحرية الرأي وتأسيس قناة الجزيرة التي حررت الاعلام العربي من قيود التعبير من منطلق الرأي والرأي الآخر، وصارت شبكة عالمية ومنارة إعلامية تتابعها الكرة الارضية من مشرقها الى مغربها.
كان طموح فقيد الوطن ان يبني دولة عصرية بكل المقومات والركائز ولذلك بادر الى تشكيل لجنة لإعداد الدستور عام 2003 ومن ثم طرحه على الاستفتاء عام 2004 في اول استفتاء تشهده قطر في تاريخها وذلك ايمانا منه بأهمية مشاركة الشعب في بناء الدولة، وبعد أن اطمأن الى انطلاق دولة الدستور والقانون والمؤسسات ورسوخ أركانها، سعى بكل جهد وطموح الى بناء قطر المستقبل من خلال إطلاق رؤية قطر الوطنية 2030. والتي جعلت من قطر دولة عصرية تضاهي أعرق الدولة وأكثرها حداثة.
وبما أن الأمن والأمان أساس البنيان فقد أدرك الأمير الوالد منذ كان وليا للعهد أن استقرار الدولة وحمايتها لابد ان يستند الى قوات مسلحة مجهزة مدربة منظمة قادرة على تحمل المسؤولية ولذلك عمل على بناء القوات المسلحة بأفضل مقومات التدريب والتأهيل والتجهيز حتى أصبح حماة الوطن صقورا وفرسانا تحمي البلاد.
أينما وليت وجهك في الدوحة ستجد معلما وانجازا صنعه الأمير الوالد في مختلف القطاعات والمجالات، في عهده تعلمنا ان المستحيل غير موجود تحت سماء قطر وعلى ارضها، فالحلم كان يتحول الى حقيقة والطموح كان يترجم الى انجاز يبهر العالم، في عهده كنا ننام على انجاز لنستيقظ على انجاز اكبر وأكثر أهمية، حتى صارت قطر محط اهتمام العالم ونقطة استقطاب لزعماء العالم.
في مسيرة سمو الأمير الوالد برز اهتمامه بالشباب من منطلق ايمانه بقدراتهم وبأن أجيال اليوم قادة الغد وكان سباقا في الاستراتيجيات التي تبني الكوادر الوطنية وتطلق الكفاءات الشبابية، كما كان حريصا على الاهتمام بكل فئات المجتمع وخصوصا المرأة التي تبوأت في عهده أعلى المناصب وتسلمت أول حقيبة وزارية. كما أنه اشتهر بقربه من الناس وتواصله الدائم مع أبناء مجتمعه الى درجة ان الجميع يحدثونك كيف استوقفهم وكيف تحدث معهم واطمأن عليهم، مما جعله في مرتبة عالية في قلوب ووجدان اهل قطر.
ومن خلال نظرته الثاقبة ورؤيته الحكيمة ادرك الأمير الوالد أهمية الرياضة للشباب ودور الرياضة في حياة الشعوب والمجتمعات ولذلك بنى منظومة رياضية متكاملة، وكان أول زعيم عربي يبادر الى المنافسة على استضافة مونديال قطر، وكان الجميع يشكك بإمكانية الوصول الى هذا الحلم لكنه نجح في الرهان وفازت قطر باستضافة مونديال2022 لأول مرة في تاريخ الشرق الأوسط.
وفي عهده شهدت قطر اعظم مشاريع الطاقة والصناعة وأصبحت قطر من اكبر مصدري الغاز المسال في العالم وانطلقت النهضة العمرانية والمدن الحديثة التي تضاهي المدن العالمية، كان يبني ويعمل بلا كلل وملل لأجل توفير الحياة الكريمة لشعبه حتى اصبح المواطن القطري نموذجا يقتدى به. وكانت ثمار ذلك الجهد تصدر قطر المؤشرات والتصنيفات العالمية في جودة الحياة ورفاهيتها.
ولعل ما يميز نهج سمو الأمير الوالد أنه قاد سياسة التوازن في كل شيء فبقدر ما اهتم ببناء المجتمع والدولة الحديثة بقدر ما كان حريصا على العطاء لأمته العربية وكانت أيادي قطر البيضاء تغطي مساحة العالم بالأعمال الإنسانية والاغاثية. واستطاع أن يصنع نهجا فريدا في السياسة الخارجية يقوم على الالتزام بقضايا الامتين العربية والإسلامية وعلى رأسها قضية فلسطين، وفي الوقت نفسه كان منفتحا على العالم من منطلق ان الحوار افضل من النزاع؛ مما ممكنه من جعل الدوحة عاصمة للحوار والتلاقي بين مختلف الدول. حتى ذاعت شهرة قطر كوسيط نزيه وصارت قطر جزءا من الحل في أي نزاع وليست جزءا من المشكلة او سببا لها. مما مكنه من جعل قطر ذات قدرة على التأثير بفضل القوة الناعمة التي انفردت بها قطر.
هذا النجاح الكبير في دور الوسيط لم يؤثر يوما على مواقف الأمير الوالد بل زاده ايمانا والتزاما بنصرة الشعوب والقضايا المحقة والعادلة، ولذلك كان انحيازه لفلسطين وقضيتها العادلة ولشعبها غير خاضع للمساومات والتسويات. وقد كانت مواقفه الساطعة تجاه فلسطين تسطر وتكتب بأحرف من ذهب في صفحات التاريخ العربي، ولم يدع مناسبة لدعم فلسطين إلا وكان سباقا بالمبادرة والسعي لأجلها، وكان الفقيد الكبير الزعيم العربي الوحيد الذي اتصل هاتفيا مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عندما حاصرته الدبابات الإسرائيلية في المقاطعة عام 2002 بما يعكس التزامه بالقضية الفلسطينية وإيمانه بأنها تمثل قلب الأمة العربية، وفي هذا السياق نذكر سعيه الدؤوب لاستضافة قمة عربية لنصرة غزة في الدوحة، وكيف قام عام 2012 بكسر الحصار على غزة وانفرد بكونه الزعيم العربي الوحيد الذي قام بزيارة ميدانية الى قطاع غزة مع تقديم دعم سياسي ومادي شمل مشاريع تقدر بحوالي 400 مليون دولار.
وكذلك كان لفقيد الوطن صاحب السمو الأمير الوالد وقفة خالدة في تاريخ لبنان وذاكرة اللبنانيين، حيث قاد سياسة لم يسبق ان عرفها لبنان في تعامله مع أي دولة، فقد كان معظم الرؤساء والقادة يتعاملون مع لبنان من منطلق اجنداتهم ومصالحهم، بينما كان وحده من يتعامل مع لبنان كوطن ودولة وليس مع هذا الفريق او ذاك الفريق، كان يقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف والأحزاب والطوائف وكان يصر على ان مصلحة لبنان في اجتماع اللبنانيين وتوحدهم وليس في تفرقهم وتنازعهم، وكان اول زعيم عربي يزور الضاحية الجنوبية لبيروت التي أصيبت بدمار حرب 2006. وكان صاحب الأيادي البيضاء في إعادة اعمار ما دمرته إسرائيل من قرى في جنوب لبنان، حتى صار شعار اللبنانيون الدائم شكرا قطر.
أولوية سموه كانت دوما الانتصار لقضايا الشعوب العربية ودعمها من منطلق إيمانه بأن الأمة العربية جسد واحد اذا اشتكى منها عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
الأمير الوالد كان قامة بحجم وطن وقائدا قلما يجود التاريخ بمثله فهو شخصية موسوعية في حجم عطائه وإنجازاته، ويصعب كثيرا اختزاله في مقال، فنحن نذكر ملامح بسيطة من سيرته العطرة ومسيرته الحافلة بكل معاني العطاء، ما كتبناه هو القليل القليل وسيبقى أمامنا الكثير الكثير لنكتبه ونوثقه عن قائد سكن القلوب وأحبه شعبه مثلما أحبته الشعوب العربية والإسلامية. رحم الله فقيدنا الكبير ووالدنا.
عزاؤنا الوحيد أن من خلف رجالا لم يمت وقد ترك لنا الأمير الوالد رجالا وقادة وكان لنا في حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، خير خلف لخير سلف حمل الراية بجدارة واقتدار ويكمل مسيرة الوطن بكل تفان وإخلاص.
إننا نعاهد فقيد الوطن ونعاهد حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى أن نحفظ الوصية بالثبات على الحق مهما تبدلت الأيام والأحوال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1467
| 26 يوليو 2026
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
912
| 27 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
759
| 23 يوليو 2026