رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم أن نخب المثقفين المطلعين والمحللين السياسيين الأحرار كانوا يرون عن أن الدولة الإيرانية الموصوفة بالجمهورية الإسلامية لن تتردد أبداً أن تقف مع العصابة الأسدية حين تضيق الأمور وتصل إلى طريق مسدودة في المجابهة مع الشعب السوري الثائر ضد المجرمين القتلة من مسؤولين وشبيحة، فإن الأكثرين في العالم كانوا يرون أنه لا دور فعالاً لإيران في المشهد السوري وليس ثمة دلائل ثابتة لتورطهم في القمع الوحشي المنقطع النظير، إلى أن دلت الحقائق والوقائع والقرائن على أن الدور الإيراني الداعم لعصابة الحمقى والمجانين والطائفيين الحاقدين هو دور فعلي وأن فيلق القدس بقيادة العسكري العميد قاسم سليماني ينفذ تدريبات خاصة بهذا الشأن ويؤهل له القناصة المتمرسين مع مئات الخبراء لدعم طاغية دمشق، والجدير بالذكر أن محافظ الأنبار في العراق محمد الفهداوي عندما تعرض لمحاولة اغتيال كما هو معروف هدد بأنه سيكشف الأدلة الواضحة لدخول عناصر مسلحة من جيش المهدي الصدري إلى سوريا وهي متعاونة مع جنود إيرانيين، وقد لوحظ هؤلاء وأسر بعضهم في سوريا وهم لا يتكلمون العربية وقاموا مع شبيحة الأسد باعتداءات مشهودة على السوريين بمن فيهم النساء حيث اعتدوا عليهن ونفذ فيلق القدس ومنظمة بدر وجيش المهدي ذلك، حيث إن يد الشر واحدة، وقد اعترف نائب رئيس الفيلق اللواء إسماعيل قائاني بضلوعهم في الأحداث وذلك في مقابلة له مع وكالة ايسنا الإيرانية شبه الرسمية متذرعاً بأنه لولا تدخل الجمهورية الإيرانية في سوريا لكانت المجازر أوسع وأفظع!!
إنه اعتراف خطير! ولعل حادثة مقتل جعفر فرهود على يد الجيش الحر ونقل جثته إلى إيران قبل العراق ليدل على مذابحهم – أي الشيعة الغلاة – هذه المذابح التي تبرر بأنها مع حدوثها فيها كل الخير حيث إنها لو لم تحدث لكانت المجازر أخطر والحرب الأهلية أسرع كأنهم يصفحون بأنفسهم فقط لتقليل خسائر الشعب المظلوم المكلوم الذي لن يخضع لمفاهيم إيران لأن ثورته شعبية حرة ولا تحتمل مثل هذه المسرحية المأساة الملهاة!
وكأن ثوار سوريا الذين تمكنوا من القبض على الرهائن الإيرانيين بدمشق وإعزاز الذين يعد كثيرا منهم في الحرس الثوري الناشط وليس المتقاعد كما ادعى وزير الخارجية الإيراني، لم يفهموا معادلة الصراع مع النظام وداعميه في إيران! هذه الدولة التي تقف مع الظالم والجلاد ضد الضحية والمظلوم، حقيقة وواقعاً وتتدخل بل ولا تقبل حتى بتنحي الأسد الذي تطالب به الغالبية الساحقة من الشعب، لا ريب أن الشيعة في إيران أكثرية وأن السنة أقلية وبالعكس فإن السنة في سوريا أكثرية والعلويين أقلية فلماذا يظلم الشيعة الأقلية لديهم ولا ينصفون في الحكم حين يرون أن السنة في الشام وهم الكثرة مضطهدون مقهورون من قبل القلة المتسلطة التي لا يعترضون عليها بل يؤيدونها. إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على الكيل بمكيالين وعلى المكيافيلية السياسية من جهة ويدل من جهة أخرى، بل هي الأقوى على التعصب المذهبي الطائفي الذي تعمقه إيران في العالم كله، وللحق فمنذ وجدت فئة متشددة من حكام طهران وظهر حزب الله في لبنان وسارت العراق في فلك المالكي إلا الأحرار من السنة والشيعة هدد السلم والأمن الدوليين وكان حكام دمشق التابعون المرتهنون بطائفيتهم لمركزهم وكأن دمشق أصبحت محافظة إيرانية تحت إرشاد وتوجيه ولاية الفقيه – أصبحوا الأداة الخبيثة واللاعب البارز في حلبة العمل على إثارة الفتن والحروب وتمكين القلق والاضطراب في العالم، ليس بخلاف السياسة وإنما بالتحيز المذهبي الطائفي وإن كل الوقائع والقرائن لتدل على ذلك.
ثم إنه يجب ألا ننسى البتة أن هذه العلاقة العدائية للمنطقة كانت قد تأصلت بين سوريا وإيران منذ حافظ الأسد حين نشبت حرب العراق مع إيران عام 1981 إلى 1988 ودعمت سوريا إيران فنياً ولوجستياً بل كانت البلد العربي الوحيد الذي ساند إيران وقت الشدة ولذا فإن الأخيرة تدين لها بالولاء في هذا الجانب ولذا ترى أنه لابد لها من الوقوف معها اليوم ولو كان ذلك ضد الشعب المنادي بالحرية والكرامة، فهي تدعمها في جميع المجالات، خاصة العسكرية والمالية والسياسية، وما موقف ممثل خامنئي في المجلس الأعلى للأمن القومي سعيد جليلي الأسبوع الماضي خلال جولته في لبنان وسوريا والعراق وتصريحاته المتشددة بأن سوريا ضلع المقاومة التي تنادي بها إيران ولن تسمح بكسره ليدل على التعصب وعدم التجرد في المواقف رغم كل جرائم ومجازر الأسد بل في قناعتي أن مثل هذا التوجه يؤكد أن الدم السوري حلال لديهم فقط لأن الأكثرية فيه من السنة وهو ضدهم حتى النخاع، لا يا جليلي ما هكذا تورد الإبل وتحل المشكلات، وفي المقابل ذهب وزير الخارجية علي أكبر صالحي إلى تركيا ليؤكد أنه لا يمكن حل الأزمة إلا بالحوار بين الحكومة والمعارضة مشدداً على عدم تنحي الأسد وعلى ضرورة القبول بإجراء انتخابات بعد انقضاء فترة الأسد 2014م وبإشراف دولي ضارباً عرض الحائط بأن هذا المجرم لم يعد مقبولاً البتة بعد كل هذا الدمار الضخم للبلاد والعباد، إن الدور الإيراني في الملف السوري دور متآمر على سوريا وشعبها وهو جزء كبير من المشكلة وليس جزءاً صغيراً من الحل ولكنهم يتعامون ولا يقرون بالحقائق فهذا رئيس إيران محمود أحمدي نجاد يعتبر أن ما يجري في الشام فتنة مدعومة بأطراف خارجية وإسرائيلية لزعزعة النظام السوري أوصلت البلاها والغباء السياسي إلى هذا الحد عند رئيس سياسي والحق أن الثورة شعبية محقة معتمدة على نفسها ولو أنها كانت مدعومة حقاً، خاصة عسكرياً لما رأى الأسد باقياً حتى الآن إنها إيران، وروسيا والصين وحزب الله وعراق المالكي حبال من الناس هم المتدخلون الحقيقيون في شأننا ويلومون حتى من يذر الرماد في العيون دون أن يتدخل حقيقياً.
ولكن عين السخط تبدي المساويا ولذلك فقد خسرت إيران كل تأييد عربي وإسلامي بسبب موقفها المتحيز المفتري الناقد لتسليح الثورة وهو يعرف بل بشار أنها بدأت سلمية ولأشهر عديدة ثم كان لابد من التسلح ضد آلة القمع التي طالت كل شيء، ولذا فإن مؤتمر إيران التشاوري الخميس الماضي لم يكن جاداً وإنما هو فاشل ولنصرة الباطل على الحق، ولكن الفقاعات لن تفعل شيئاً والطحالب سوف تختفي سريعاً، إن بشار يريد أن يتعلق بقشة إيران اليوم عندما أصبح يفرق ويغرق ولذلك أرسل وزير خارجيته المعلم بفتح اللام ليذكر حكام طهران بالاتفاق العسكري الذي جرى بينهما عام 2006 وفيه تعهدت إيران بالدفاع عن سوريا، ويا ليت أولئك يعقلون ما كان صرح به أحد رموز الثورة الإيرانية وسياسيها ومهندسيها علي هاشمي رفسنجاني حين قال: الشعب السوري يقاوم كما قاوم غيره في الربيع العربي ويا ليتهم يعقلون البيان الذي صدر من المرجعين الشيعيين في لبنان العلامة هاني فحص ومحمد حسن الأمين قبل يومين وهما يدعوان الشيعة المنصفين لتأييد الثورة السورية ومقارعة الظالمين ضد الاحتلالات الأجنبية والوطنية، مقاومة من يدعون المقاومة باسم فلسطين ولا يقاومون إلا شعوبهم ونحن معهم إذ يدعون إلى سوريا حرة لا لعائلة الأسد وشبيحتهم.
العلم يموت بصمت... فمن يسمع؟
في زمنٍ تاهت فيه المعايير، واختلطت فيه القيم، نقف اليوم على مفترق طريق خطير؛ طريقٍ يُرفع فيه الجهل،... اقرأ المزيد
108
| 30 يناير 2026
أهمية دور الشرطة المجتمعية فى المدارس
دور الشرطة المجتمعية مهم فى تحقيق الأمان لأولياء أمور الطلاب والمراهقين بالأخص، نظراً لبعض الحالات الاجتماعية المتعددة، فالاعتراف... اقرأ المزيد
90
| 30 يناير 2026
روبلوكس ضد الواجب.. تربية قطر تحسم اللعبة
تدخل لعبة «روبلوكس» إلى حياتي فجأة بلا استئذان، مثل ساحرٍ رقميٍّ يلوّح بعصاه فيختفي الواجب ويتبخر التركيز، ويبدأ... اقرأ المزيد
72
| 30 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2772
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2061
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
726
| 25 يناير 2026