رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقاء أردوغان بوتين تلبية لدعوة روسية كانت وُجهت له قبل الانقلاب بُعيد رسالة الأسف المشهورة، سمحت للبلدين أن يندفعا مسرعين نحو تعزيز التفاهمات المشتركة، وإدارة الخلافات بعيدًا عن مجهر الإعلام. وقد ترجم لقاء الزعيمين بتصريحات تركية تظهر لينا تجاه الملفّ السوري وتؤكد حقًا واعترافا للوجود الروسي في سوريا بل وتباركه وكأنه حق طبيعي. وتدعو لتنسيق معها في مواجهة "الإرهاب". روسيًا كانت الاستجابة سريعة بدورها، إغلاق قنصلية الكرد السوريين في موسكو.
ما من شك أن الملفات المشتركة بين البلدين عديدة، الملف السوري مهم للغاية لكنه لا يقدم على الملف الاقتصادي بتاتا، فالبلدان بينهما مصالح مشتركة في السياحة والتجارة والترانزيت البحري ومشاريع عملاقة تسيل لعاب البلدين لتحقيقها تتمثل في سيل الغاز الروسي العابر للحدود التركية نحو دول الاستهلاك في القارة العجوز، فضلًا عن تنامي أهمية سواحل تركيا مع الاكتشافات النفطية والغازية الواعدة في البحر المتوسط.
وتتقارب وجهتا نظر روسيا وتركيا حول أغلب القضايا الإقليمية والدولية باستثناء الملف السوري. أما اليوم، فلا أردوغان شديد التصلب في عدم الاعتراف بسيطرة روسيا على جزيرة القرم رغم التصريحات التركية الرسمية الرافضة لعملية الضمّ، ولا بوتين قلق من تحقيق تركيا مزيدًا من الاستقلالية عن حلفائها في الناتو، أو رافضًا لنفوذها في الشمال السوري، ورغبتها المشاركة في هندسة التسوية السورية.
يعلم الجميع أن حولًا كاملًا أوشك على الاكتمال منذ غزت "عاصفة السوخوي" الروسية سماء سوريا وأرضها، ولم تحقق موسكو إنجازا حقيقيًا يتناسب مع ميراثها الاستعماري التاريخي، أو يعزز الهيبة الروسية التي يرغب بوتين فرضها على العالم اليوم.
الانخراط الروسي العسكري في سوريا استحال استنزافًا مستمرًا، مستدعيًا إلى الذاكرة عقدة الهزيمة السوفيتية أمام منظمات جهادية في أفغانستان، تعمل موسكو جاهدة أن تمحوها من الذاكرة الجمعية لشعبها. وهي تدرك اليوم أكثر مما مضى أنها بحاجة ماسة للعلاقة مع تركيا لأسباب أبعد من الطموحات الاقتصادية التي ستقضي على الحصار المضروب عليها أوروبيا على خلفية قضمها جزيرة القرم.
لم يعد تجاهل النفوذ التركي في الشمال السوري مفيدًا للروس، كما هو الحال بالنسبة للأمريكان. ولم تعد نكاية أردوغان "بوتينيًا" بالإصرار على حضور مندوب حزب العمال الكردستاني بنسخته السورية على طاولة المفاوضات بين النظام والمعارضة مجديًا للمصالح الروسية.
راهنًا، تدرك روسيا أن النفوذ التركي على الفصائل المسلحة في الشمال السوري كافٍ لوحده أن ينقذ روسيا من مستنقعها الجديد إذا ما أوجدت قواسم مشتركة معها. وأن علاقة متينة مع أنقرة سيخفف التأجج والتوتر بين المكونات ذات الأصول التركية في جزيرة القرم وداخل أراضي الاتحاد الروسي. وهذه المكونات تأتي في المرتبة الثانية عدديًا بعد "السلاف" الذين ينحدر منهم بوتين.
بدورها، أدركت تركيا أنه لا مكان للمبادئ في عالم السياسة أو دنيا الواقع الدولي. السياسة ليس فيها حسن نوايا ولا بطولات زائفة أو شجاعة متوهمة. الأقوى هو من يضع القانون، وهو من يصنف هذا حق وهذا باطل، هذا إرهاب وهذا نضال. وأن الهرولة وراء مصالحها وما يستتبع ذلك من مرونة بالغة هو ما يحفظ لها حقوقها أو يحمي مجالها الحيوي من التآكل.
وإذا كانت الولايات المتحدة فشلت في اختبار المرونة في مواجهة التحديات حين تعاملت بعدم اكتراث كبير مع هواجس حليفها التاريخي، تركيا، فإن روسيا نجحت في أن تضفي على مواقفها الثابتة تجاه حلفائها مثل النظام السوري، مرونة توحي بأنها لا تتخلى عن أصدقائها وقت الحاجة، ولا تطعن حليفا في ظهره، ولا تتجاهل يدًا تُمدّ لها.
بمقارنة بسيطة بين الحليف الأمريكي تاريخيا الذي يراوغ ويماطل ويؤخر في التعاون في ملف تسليم فتح الله جولن، ومستعد للتضحية بالعلاقات مع تركيا من أجل المراهنة المغمورة على فصيل كردي في سوريا، وبين روسيا التي ما إن لمست أنها تقف على ارض صلبة في العلاقة مع تركيا الجديدة حتى أوحت أنها مستعدة للتخلي عن أي حليف محتمل إذا كان ذلك يكسبها حلفًا مع تركيا. وقد ترجم هذا سريعًا في الملف الكردي.
وفجأة بين ليلة وضحاها، لم تعد تركيا داعمة للإرهاب وتسرق النفط العراقي أو تشتريه من تنظيم الدولة وتبيعه للخارج، ولم تعد تركيا تتوجه نحو تطرف إسلامي كما صرح بوتين يومًا. بل تُقدم كشريك فاعل في محاربة الإرهاب في المنطقة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3294
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1266
| 28 سبتمبر 2026