رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. صلاح أحمد الحبو

habbsalah@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

45

د. صلاح أحمد الحبو

قطر من التحول الرقمي إلى إنتاج القيمة المعرفية

13 أغسطس 2026 , 11:01م

لم يعد التحول الرقمي في دولة قطر مجرد تحديث للبنية التحتية أو رقمنة للخدمات؛ بل يتحول تدريجياً إلى أداة لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد ومصادر النمو. ويظهر ذلك في صعود قطر في مؤشرات الابتكار والتنافسية الرقمية، بما يعكس انتقالاً من اقتصاد تقوده قوة رأس المال والطاقة إلى اقتصاد يسعى إلى إضافة المعرفة والتكنولوجيا والبيانات والملكية الفكرية إلى مصادر القيمة الوطنية. في *مؤشر الابتكار العالمي 2025* الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، جاءت قطر في المرتبة 48 عالمياً من أصل 139 اقتصاداً، مقابل المرتبة 49 في 2024، والمرتبة 50 في 2023، بعد أن كانت في المرتبة 70 عام 2020. وهي السادسة بين 18 اقتصاداً في شمال أفريقيا وغرب آسيا، والثانية والأربعون بين الاقتصادات مرتفعة الدخل. وتضع WIPO قطر ضمن الاقتصادات الأسرع صعوداً في الابتكار منذ بداية العقد. (WIPO⁠) لكن دلالة الرقم تكمن في تركيبته الاقتصادية أكثر من ترتيبه. فقد جاءت قطر في المرتبة 34 عالمياً في مدخلات الابتكار مقابل المرتبة 67 في مخرجات الابتكار. أي أن قدرتها على توفير البيئة المؤسسية والبنية التحتية ورأس المال والموارد اللازمة للابتكار تتقدم بصورة واضحة على قدرتها الحالية على تحويل هذه المدخلات إلى منتجات وتقنيات وحقوق ملكية فكرية ذات قيمة تجارية عالمية. (WIPO⁠) وهذه هي الفجوة الأكثر أهمية في الاقتصاد القطري: فجوة التحويل من المدخلات إلى القيمة. فقطر تحتل المرتبة 17 عالمياً في المؤسسات، و14 في البنية التحتية، و44 في رأس المال البشري والبحث، و48 في تعقيد السوق. وفي المقابل تتراجع إلى المرتبة 90 في تطور الأعمال، و83 في مخرجات المعرفة والتكنولوجيا، و60 في المخرجات الإبداعية. وتكشف هذه الفوارق أن قطر قطعت شوطاً أكبر في بناء شروط الابتكار من بناء السوق الاقتصادية التي تستخرج منه القيمة. (WIPO⁠) وتبرز الرقمنة باعتبارها أحد أهم روافع هذا التحول. ففي مؤشر الابتكار العالمي تحتل قطر المرتبة السابعة عالمياً في إتاحة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والسادسة في استخدامها، بينما تأتي في المرتبة الأولى عالمياً في الحراك الدولي للطلاب في التعليم العالي. كما تحتل المرتبة العاشرة في التعاون بين الجامعات والصناعة في البحث والتطوير. هذه المؤشرات تعكس وجود عناصر مهمة لمنظومة اقتصاد معرفي: اتصال رقمي، مؤسسات، مواهب دولية، جامعات، وتعاون بحثي. (WIPO⁠) وتدعم مؤشرات IMD للتنافسية الرقمية 2025 هذا الاتجاه؛ إذ سجلت قطر تحسناً في عدد من مؤشرات الجاهزية المستقبلية، من بينها استخدام البيانات والتحليلات الضخمة، ونقل المعرفة، والمرونة والتكيف، وقد جاءت في مؤشر استخدام البيانات الضخمة والتحليلات في المرتبة الثالثة عالمياً وفق ملف IMD التفصيلي. (IMD Business School⁠) غير أن الرقمنة لا تتحول تلقائياً إلى ابتكار اقتصادي. فالقيمة تظهر عندما تنتقل التكنولوجيا من الاستخدام إلى الإنتاج، ومن الإنتاج إلى التوسع، ومن التوسع إلى الملكية الفكرية والتصدير. وهنا تكمن المسافة التي يتعين على الاقتصاد القطري قطعها. وتكشف بيانات WIPO عن هذا التحدي بوضوح. فالإنفاق الإجمالي على البحث والتطوير يعادل نحو 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما لا تزال مساهمة قطاع الأعمال في تنفيذ وتمويل البحث والتطوير محدودة. وفي المقابل، تحتل قطر المرتبة 10 عالمياً في التعاون بين الجامعات والصناعة في البحث والتطوير، ما يعني أن البنية المؤسسية للتعاون موجودة، لكن تحويلها إلى نشاط تجاري واسع النطاق لا يزال يحتاج إلى تعميق. (WIPO⁠) وتظهر المشكلة بصورة أوضح في مخرجات المعرفة والتكنولوجيا: قطر في المرتبة 83 عالمياً في هذا المجال، والمرتبة 88 في خلق المعرفة، و61 في أثر المعرفة، و88 في نشر المعرفة. كما تأتي في المرتبة 102 في براءات الاختراع حسب المنشأ، و101 في صادرات التكنولوجيا المتقدمة، و78 في صادرات خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. (WIPO⁠) هذه الأرقام لا تنتقص من النموذج القطري؛ بل تحدد مرحلة تطوره المقبلة. فالمشكلة لم تعد في القدرة على تمويل البنية الأساسية أو استيراد التكنولوجيا، وإنما في بناء آليات اقتصادية تجعل المعرفة نفسها أصلاً منتجاً. وهنا تبرز الملكية الفكرية باعتبارها رأس مال غير مادي للدولة. فبراءة الاختراع والخوارزمية والبرمجيات والعلامة التجارية والتصميم والبيانات ليست منتجات ثقافية أو قانونية منفصلة عن الاقتصاد؛ إنها أصول قابلة للتقييم والاستثمار والترخيص والتصدير، ويمكن أن تتحول إلى تدفقات دخل تتجاوز حدود السوق المحلية. ولهذا فإن المرحلة المقبلة من التنويع الاقتصادي القطري ينبغي ألا تكتفي بنقل الاقتصاد من الغاز إلى قطاعات أخرى، بل أن تنقله من اقتصاد كثيف رأس المال إلى اقتصاد أكثر كثافة في المعرفة. فالغاز منح قطر ميزة مالية وجيوسياسية؛ أما الابتكار فيمكن أن يمنحها ميزة إنتاجية وتكنولوجية طويلة الأجل. المعادلة الجديدة إذن ليست: الرقمنة = خدمات أسرع، وإنما: الرقمنة ⬅️ بيانات ⬅️ معرفة ⬅️ ابتكار ⬅️ ملكية فكرية ⬅️ منتجات ⬅️ أسواق ⬅️ قيمة مضافة.

وعند هذه النقطة يتحول التحول الرقمي من مشروع حكومي إلى استراتيجية إنتاجية. ولذلك فإن المعيار الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون عدد المنصات الرقمية أو سرعة الاتصال وحدهما، بل قدرة الاقتصاد القطري على إنتاج شركات تكنولوجية قابلة للتوسع، وبراءات اختراع، وبرمجيات، وخدمات رقمية، وعلامات تجارية ذات قيمة عالمية، وربط الجامعات ومراكز البحث برأس المال والاستثمار والأسواق. إن صعود قطر من المرتبة 70 عالمياً في مؤشر الابتكار عام 2020 إلى 48 في 2025 إنجاز مهم، لكنه يمثل في الوقت نفسه بداية سؤال اقتصادي أكثر عمقاً: كيف تتحول قوة مدخلات الابتكار، التي وصلت إلى المرتبة 34 عالمياً، إلى مخرجات تقترب من مستوى المدخلات؟ (WIPO⁠) هذه هي معركة العقد القادم: ليس بناء اقتصاد رقمي فحسب، بل بناء اقتصاد ابتكاري منتج؛ اقتصاد ينتقل فيه رأس المال من تمويل التكنولوجيا إلى امتلاك المعرفة، ومن استيراد الحلول إلى إنتاجها، ومن استخدام الابتكار إلى تصديره. فالمستقبل الاقتصادي لقطر لن يتحدد فقط بكمية ما تملك من رأس المال أو الطاقة، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى أصل اقتصادي، والابتكار إلى إنتاج، والملكية الفكرية إلى قوة تنافسية وسيادية. وهنا يصبح صعود قطر في مؤشر الابتكار أكثر من تحسن في ترتيب دولي؛ يصبح مؤشراً على انتقال محتمل في بنية الاقتصاد القطري من اقتصاد يعتمد على قوة الموارد إلى اقتصاد يضيف إلى تلك القوة قدرة متزايدة على إنتاج القيمة المعرفية.

مساحة إعلانية