رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مر على أحداث 11 سبتمبر بأمريكا 11 عاما، ولا تزال النتائج عكس ما خُطط لها ليرتدَّ السحر على الساحر، والمكر على الماكر وذلك وفق منهج الله تعالى الذي قال: "وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ" (فاطر: من الآية43)، وقد عشت أحداث سبتمبر في مدينة ديترويت- ولاية ميتشجان، ورأيت في اللحظات الأولى الهلع والفزع والخوف والجزع على الجميع، وقلت: إن هذا عام الفيل بالنسبة لأمريكا، حيث صار التأريخ لها قبل وبعد أحداث 11 سبتمبر، ورأيت أن هذا بداية السقوط لأمريكا، لأن الظلم عاقبته دوما هي الخراب في القوانين الربانية، كما قال تعالى: "وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا" (الكهف:59)، وذلك لأن الحدث حصل في وقت الذروة من دخول الموظفين، وتغيَّب الكثير من اليهود، والراجح أن سقوط المبنى الحديدي كله لم يتم بضربة طائرتين في الأدوار العليا، وإنما صاحَبَه ضرب سفلي بقنابل جعلت المبنيين حطاما، ثم سرعة الإزالة لكل الأنقاض على الفور لإخفاء الأدلة الجنائية، وتولَّى الإعلام قرار الاتهام، وحُجب القضاء الأمريكي أن يدخل للتحقيق النزيه في حدث هو الأخطر في تاريخ أمريكا المعاصر بعد الحرب العالمية الأولى والثانية وحرب فيتنام، مع توافق ضرب البنتاجون وما صدر من رؤى أمريكية من خبراء من الداخل، ومنها فيلم " 9/11 فهرينهايت" الذي أثار غبارا كثيفا على البيت الأبيض كله برئاسة جورج بوش الابن، هذا فضلا عن الخبراء من العالم في الطيران والجرائم الذين أكدُّوا أنها صنعة داخلية من أجل السيطرة على العالم من خلال شماعة الإرهاب، وقد يكون هناك توظيف محدود لبعض الأغرار من المتسرعين المسلمين، وذلك في الخطوات الأخيرة من الجريمة مما لا يقدر عليها إلا من عنده عقيدة حب الشهادة، ويستفاد منها في السيطرة على العالم الإسلامي كله، وتم استبعاد القضاء لأن التجربة السابقة في أحداث "أوكلاهوما" التي اتهم فيها بوش الأب الجماعة الإسلامية البلالية، ولما أحيلت للقضاء قرر أن الفاعل الحقيقي أمريكي مسيحي أبيض، ولم نخالف قيَمَنا وأخلاقنا باتهام كل المسيحيين أو كل البيض بأنهم إرهابيون، والحق الذي يجب أن نعيَه من خلال معايشتي وتعاملي مع الشعب الأمريكي أنه طيب فعلا، وأشفق عليه من شياطين الحكومة التي تديرها عصابات الصهاينة والمتصهينين والنفعيين الذين يمصون دماء الشعب الذي يكدح كي يجني كبار التجار الأشرار المكاسب بالمليارات، ويدعمون الحملات الانتخابية بسخاء كي ينهشوا من ورائها البلايين، ويفتحون أبواق الإعلام ليجعلوا "من الفسيخ شرباط"، و"من القط أسدا"، و"من الحبة قبة"، و"من النور ظلاما"، ومن هنا أرى أن بأمريكا ضلعين هما: الاقتصاد والإعلام، وهذان يصنعان الضلع الثالث من المثلث وهو السياسة، فالسياسة منتَج وليست منتِجا، وهكذا لعبت السياسة الأمريكية مع العصابات القذرة لعبة 11 سبتمبر كي تُدخل على الشعب الأمريكي الرعب من الإسلام وأهله، ثم تجيِّش الشعب والعالم ضده عن طريق غثاء الإعلام، وليس عدل الأحكام من القضاء، وبالتالي عززت أمريكا نفوذها وقواعدها العسكرية في أوروبا وجنوب وشمال شرق آسيا، ومنافذ البحار والمحيطات، واحتلت أفغانستان، وظلت عشر سنوات تطارد أسامة بن لادن حتى قتلته دون الإمساك به ومحاكمته، بل تسفَّلت وتنزَّلت وتدنَّست بإلقاء جثته في البحر، ولا تزال تحتل أفغانستان، وفعلت بهم ما لم يفعله الروس، حيث نشروا الفساد وساندوا حكومة الاستبداد بقيادة رجل الأمريكان "كرزاي" ودخلوا في تدليس جديد على الشعب والعالم في غزو العراق، وكنا نعقد اللقاءات مع القيادات الأمريكية ونسيِّر المسيرات ونحرك المسلمين والعرب والأمريكان ضد ضرب العراق، لكن شيعة أمريكا ورجال الدولة كانوا يخططون لما آل إليه العراق الآن، حيث قُتل بالسلاح ما يزيد على المليون، وسجن المالكي رجل إيران والأمريكان ما يزيد على المليون عراقي، وما حدث في سجن أبي غريب وغيرهما تشيب له الرؤوس، حتى وصل الأمر إلى هتك أعراض بالجملة، وقام الجنود الأمريكان باغتصاب بناتنا العراقيات العفيفات حتى الموت ثم أكملوا فجورهم بعد الموت، وخلفوا 8 ملايين أرملة وأطفال أيتام، وفُتح سجن "جوانتينامو" في دليل صارخ على أن الحكومة الأمريكية هي أكبر بلطجي في الأرض، وأكابر مجرميها، وأغلظ ظالميها، وأسوأ قاطنيها، ولم يستفد من 11 سبتمبر إلا الحكومتان الصهيونية والأمريكية، هذه بعض الأحداث، ولكن انظروا إلى الجزء الآخر من المفارقة وهي بعض النتائج، فقد فشلت أمريكا في العراق أمام جهاد المقاومة وخرج بوش بحذاء في وجهه قبل ترك الرئاسة، وجاءت أزمة كاترينا وتسرب الزيت وانقطاع الكهرباء لتكون الخسارة المادية والمعنوية أضعاف ما سلبوه من العراق، وما نهبوه من بلاد العالم بالبلطجة و"النبُّوت" الأمريكي، وجاءت قاصمة الظهر لأمريكا في الأزمة الاقتصادية التي عصفت -على سبيل المثال لا الحصر- ببنك "ليمان برازر " الذي استطاع مقاومة الأزمة المالية العالمية الكبرى أيام الرئيس الأمريكي روزفلت سنة 1929م، وهنا تنازل الشعب الأمريكي عن كبريائه، واختار لأول مرة زعيما أسود بعد أن عيَّرته هيلاري كلينتون، وقد وعد بأمرين هما: الأمل والتغيير، لأن الشعب الأمريكي كان في قمة الإحباط والحاجة إلى المنقذ خاصة بعد الفشل في العراق وأفغانستان، وهزيمة الحليف الصهيوني الاستراتيجي في حربين في لبنان وغزة رغم الدعم المفتوح والمفضوح من الحكومة الأمريكية للكيان الصهيوني مما يعد سياسيا وعسكريا هزيمة نكراء لأمريكا، وأخيرا جاء الربيع العربي ليكون صنع السماء للعرب والمسلمين، وأصبح من كانوا يعدونهم إرهابيين رؤساء دول، وكانوا يدفعون المليارات لحكام العرب من عملائهم لمنع المد الإسلامي الراشد، يقينا منهم أن هذا الحكم الراشد في مصر بشكل خاص ودول العروبة والإسلام سيفضح الحكم الفاسد، الذي اتخذ مقره الرئيسي في البيت الأبيض، ولذا فإن الحكومة الأمريكية الآن ترى نفسها يجب أن تهرول لتداري سوءتها في دعم الأنظمة الظالمة بورق التوت الذي أسقطه الربيع العربي، وأصبح لدينا رئيس لا يتطلع إلى زيارة أمريكا مثل لغة الخطاب الذليلة الكسيرة من قادة العرب سابقا، بل يقول المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية: نحن ندرس دعوة أمريكا للزيارة، وسوف ترون هناك فخامة الرئيس محمد مرسي يعامل أوباما معاملة الند لا التابع، والقائد الذي يقود الفرسان، وليس الخانع الذي يقود القطعان.
والله لقد قلت من أول يوم من أحداث سبتمبر: لقد أضرت بالمسلمين وستكون فتحا للإسلام، وأرى صدق ما توقعته يتحقق اليوم بفضل الله تعالى، فلنثق في الله لا في غيره، ولنعمل لإحياء مشروع الحضارة الإسلامية العربية الإنسانية كي تتراجع حضارة الحقارة في القتل والعنف، والجنس والمخدرات، التي خلَّفت أوسع مساحة من الفقر والجهل والمرض، وتلك مسؤوليتنا أن نصنع حضارة تكون رحمة للعالمين، وليس فقط للمسلمين.
لا تكوني شكلا بلا مضمون
عندما يصبح الرجال عبيداً تصير النساء أسيادا، عندما تغيب الشمس يخرج البدر يبدد الظلام، وينشر النور والأمن في... اقرأ المزيد
955
| 19 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام (2)
الإقدام همٌّ وعزم على المبادرة للمروءة والنجدة، كما قال الشاعر :لا يسألون أخاهم حين يندبهمفي النائبات على ما... اقرأ المزيد
4205
| 12 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام
الإقدام همة، والإحجام خسة، الإقدام رجولة، والإحجام نذالة، الإقدام شجاعة، والإحجام جُبن، الإقدام فحولة، والإحجام طفولة، الإقدام قوة،... اقرأ المزيد
4168
| 30 يناير 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4614
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026