رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تشهد المنطقة هذه الأيام حالة من الترقب مع الإعلان عن مشاورات عربية وإسلامية للرد على الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، تمهيدًا لعقد قمة عربية – إسلامية في الدوحة خلال الأيام المقبلة. وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية التي طالت الأراضي الفلسطينية وامتدت إلى المساس بسيادة دولة قطر، وهو ما يضع القمة المرتقبة أمام اختبار حقيقي: هل ستكتفي بالشعارات، أم تخرج بقرارات رادعة وملزمة ؟
أكد عدد من الباحثين أن الهدف من التشاور الجاري مع الشركاء في المنطقة هو بناء موقف موحّد يواجه التحديات الراهنة. فبدون هذا التنسيق، تبقى المواقف متفرقة ويضعف أثرها على الساحة الدولية. ومن أبرز ما يمكن أن تسفر عنه هذه المشاورات:
- آليات ضغط سياسية ودبلوماسية منسقة على إسرائيل عبر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
- دعم إنساني ولوجستي للفلسطينيين، وتنسيق الحملات الإعلامية والدبلوماسية.
- تفاهمات عملية تضمن استمرارية التحرك وعدم اقتصاره على ردود فعل مؤقتة.
انعقاد القمة في الدوحة يمنحها ثقلًا خاصًا، كونها تجمع بين البعدين العربي والإسلامي في آن واحد. ومن المتوقع أن يصدر عنها: بيان ختامي قوي يدين الاعتداءات الإسرائيلية ويدعم فلسطين وقطر، لجان متابعة وزارية لضمان استمرارية القرارات، إجراءات عملية، مثل تحرك قانوني أمام محكمة العدل الدولية، أو ضغوط اقتصادية منسقة.
غير أنّ التحدي الأبرز يكمن في تنفيذ القرارات؛ فالتجارب السابقة تثبت أنّ كثيرًا من القمم اكتفت بالبيانات دون متابعة حقيقية. رغم التوقعات الشعبية بقرارات حازمة قد تصل إلى استخدام القوة، إلا أنّ القراءة الواقعية تشير إلى أنّ الخيار العسكري الجماعي مستبعد، لاعتبارات عدة:
الانقسام في المواقف العربية والإسلامية، وجود علاقات دبلوماسية وتجارية لبعض الدول مع إسرائيل، الضغوط والقيود الدولية، خصوصًا من الولايات المتحدة وحلفائها.
لكن هذا لا يعني غياب الردع، فهناك أدوات أخرى أكثر واقعية، مثل قطع العلاقات الدبلوماسية، التحرك القانوني الدولي، الضغوط الاقتصادية، والحملات الإعلامية الموحدة.
إن الشعوب تنتظر من قمة الدوحة ما هو أبعد من الخطابات، وتطمح إلى قرارات تترجم إلى أفعال تعيد الثقة بجدوى العمل العربي والإسلامي المشترك. وإذا نجحت القمة في وضع جدول زمني ملزم وخطوات متابعة حقيقية، فقد تمثل بداية لمسار جديد. أما إذا اكتفت بالبيانات، فستُضاف إلى سلسلة القمم التي لم تغيّر في الواقع شيئًا.
إن القمة العربية الإسلامية المرتقبة في الدوحة ليست مجرد اجتماع بروتوكولي، بل لحظة اختبار للأمة: إما أن تتحول إلى محطة مفصلية تؤسس لجبهة رادعة تُجبر إسرائيل على مراجعة حساباتها، أو تبقى خطوة رمزية تفتقد التنفيذ. والقرار في النهاية بيد القادة، فيما تبقى عيون الشعوب معلقة تنتظر أفعالًا لا أقوالًا.
* تبرير الاغتيال العابر للحدود
في خطابه الأخير لم يكتفِ رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو بالتعدي على سيادة الدول وتهديدها بصورة مباشرة، بل صعّد عندما استدعى وقائع تاريخية مرتبطة بالولايات المتحدة، محاولًا إسقاطها على واقع مختلف تمامًا .
ففي خطابه أعلن أن أمريكا خاضت حربًا شرسة ضد الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر، ونجحت في اغتيال أسامة بن لادن في باكستان، ليخلص إلى القول: "اليوم نعود لمكافحة الإرهاب الذي اعتدى على اسرائيل في 7 أكتوبر، أينما كان هذا الإرهاب موجودًا. وعلى قطر والدول الأخرى أن تعلم أن عليها إما تسليم قادة حماس للمحاكمة أو تتحمل نتائج ذلك بأننا سوف نقتلهم."
يحاول نتنياهو أن يمنح نفسه وحكومته شرعية دولية مفتعلة عبر ربط ما جرى في السابع من أكتوبر بالأحداث التي ضربت الولايات المتحدة في 2001. لكنه يتجاهل الفارق الجوهري: ما حدث في فلسطين لم يكن "اعتداءً إرهابيًا" بالمعنى الدولي، بل فعل مقاومة مسلحة ضد احتلال ممتد لعقود، في ظل حصار وقمع ممنهج، وهو ما يقر به القانون الدولي الذي يعترف بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال.
إلا أن نتنياهو، بذكاء سياسي مموّه، يستغل النموذج الأمريكي بعد 11 سبتمبر ليصوّر نفسه كجزء من معركة "العالم الحر" ضد "الإرهاب"، محاولًا إعادة تدوير مصطلحات استُخدمت قديمًا لتبرير الحروب والغزو.
الأخطر في خطاب نتنياهو لم يكن المقارنة التاريخية فحسب، بل التهديد الصريح لسيادة دول بعينها، وعلى رأسها قطر. فالقول بأن على هذه الدول أن تسلم شخصيات أو فصائل فلسطينية "للمحاكمة" وإلا ستواجه "نتائج قاسية" هو إعلان واضح بنية انتهاك القانون الدولي وشن عمليات عابرة للحدود.
هنا يحاول الاحتلال أن يضع نفسه في موقع "الجلاد والقاضي" في آن واحد، متجاوزًا الأعراف الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول، ومُلوِّحًا باستخدام القوة خارج نطاق الأراضي المحتلة.
من خلال استدعاء حادثة اغتيال أسامة بن لادن، يسعى نتنياهو إلى تبرير نهج الاغتيالات الذي تبنته حكومته منذ سنوات، والذي تصاعد في الآونة الأخيرة حتى طاول عواصم عربية وإسلامية. إنه يريد القول: "كما فعلت أمريكا فلنا الحق أن نفعل مثله"، متجاهلًا أن الحالة الفلسطينية حالة تحرر وطني لا يمكن مقارنتها بحركات الإرهاب العابرة للحدود.
بهذا المنطق، يحاول الاحتلال أن يصنع لنفسه مظلة أخلاقية زائفة، يقدمها لجمهوره الداخلي من جهة، ويطرحها أمام الغرب من جهة أخرى ليحصل على دعم سياسي وعسكري أوسع.
إدخال قطر ودول أخرى في دائرة الاتهام يفتح بابًا لتوترات إقليمية جديدة. فبدل أن يبقى الصراع محصورًا بين إسرائيل والفلسطينيين، يحاول نتنياهو أن يوسّعه ليشمل الدول الداعمة أو المتعاطفة مع القضية الفلسطينية.
إذا مضى الاحتلال في هذا النهج التصعيدي، فإن المنطقة مقبلة على مزيد من الاضطراب. فالتهديدات العلنية لدول ذات سيادة قد تدفع إلى ردود فعل دبلوماسية قوية وربما إعادة حسابات في العلاقات الإقليمية. كما أن محاولات تصوير المقاومة الفلسطينية كإرهاب عالمي ستزيد من حدة الانقسام الدولي حول القضية، وتفتح الباب أمام مزيد من الاستقطاب بين الشرق والغرب.
وفي الوقت نفسه، قد يؤدي الخطاب إلى تقويض دور الوساطة الذي لعبته دول مثل قطر في ملفات حساسة، سواء في غزة أو في قضايا أخرى، ما يعقد أي فرصة للحلول السلمية أو التفاهمات المرحلية.
خطاب نتنياهو الأخير ليس مجرد تصريح عابر، بل هو خطة سياسية محكمة تقوم على التهديد والابتزاز وتزييف الحقائق. فمن خلال استدعاء أحداث 11 سبتمبر واغتيال بن لادن، يحاول أن يمنح نفسه تفويضًا دوليًا لممارسة سياسات عدوانية تتجاوز الحدود، وأن يضع الدول العربية والإسلامية في موقف الدفاع بدل الهجوم.
لكن الحقيقة الثابتة هي أن ما يجري في فلسطين ليس "إرهابًا"، بل مقاومة مشروعة ضد احتلال ممتد. وأن تهديد سيادة الدول لا يغير من الواقع شيئًا، بل يكشف زيف الخطاب الإسرائيلي وازدواجية المعايير الدولية.
** مغالطات نتنياهو تتطلب موقفًا عربيًا وإسلاميًا موحدًا، يعيد التذكير بجوهر القضية، ويرفض محاولات خلط الأوراق، ويؤكد على أن الحق الفلسطيني لا يمكن تصنيفه تحت أي لافتة سوى الحرية والتحرر.
هل نقيس ساعات التدريب.. أم قيمة التغيير؟
قد تنجح مؤسسة في تنفيذ خطتها التدريبية بنسبة مائة في المائة، وتحقق العدد المستهدف من البرامج والمتدربين والساعات،... اقرأ المزيد
33
| 10 أغسطس 2026
مقومات نجاح التوطين في القطاع الخاص
لا يختلف اثنان على أن القطاع الخاص أحد أهم ركائز الاقتصاد، فهو المحرّك الرئيس للنمو، والشريك الأساسي في... اقرأ المزيد
132
| 10 أغسطس 2026
قطر وسلطنة عُمان.. علاقات أخوية راسخة
تعكس الزيارات المتبادلة على أعلى المستويات بين دولة قطر وسلطنة عمان، حرص القيادة الحكيمة في كلا البلدين، على... اقرأ المزيد
42
| 10 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8391
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4845
| 05 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
966
| 06 أغسطس 2026