رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تمتاز العلاقات التركية الروسية بأنها مستقرة ومفيدة للبلدين جدا، بحيث لا تستطيع إحداهما الاستغناء عن الأخرى في مجالات عديدة في مقدمتها أمن المنطقة السياسي، وسوق الطاقة والزراعة والسياحية والصناعة وغيرها، فهذا السوق التجاري ليس أمرا سهلا بين البلدين بل يكاد يكون شريان حياة للشعب التركي والروسي، فتركيا تصل حاجتها إلى النفط والغاز الروسي نسبة 70ـ90% من استهلاكها السنوي، وهذه حاجة لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة، ومستوى التبادل التجاري اليوم يصل نحو 30مليار، يتم العمل حاليا أن يصل إلى 100مليار في السنوات القليلة القادمة، فقيادة تركيا وروسيا مضطرتان إلى زيادة أوجه التعاون والحد من نقاط الاختلاف بينهما إرضاء لشعوبهما، وإلا خسر كل واحد منهما شعبيته في الانتخابات أيضاً.
لذا كانت حالة الاختلاف بينهما في السنة الماضية نقطة عابرة لا يمكن أن تبقى ولا أن تتوسع، وأن يتم معالجة الاختلاف بأسرع ما يمكن، والبحث عن جوانب الاختلاف وأسبابه، وهذا ما يفسر حرص الرئيسين الروسي بوتين والتركي أردوغان بعقد ثلاثة اجتماعات قمة بينهما خلال الأشهر الماضية لمعالجة ما حصل، ووضع أسس جديدة للعلاقة بين البلدين، ومن المعلوم أن المسألة السورية هي نقطة الاختلاف الأساسية بين تركيا وروسيا في السنوات الماضية، وقد تفاقمت حتى تجاهل الروس التحذيرات التركية بعدم انتهاك المجال الجوي التركي في العمليات العدوانية التي تشنها روسيا على سوريا، والذي أدى إلى إسقاط الطائرة الروسية سوخوي24 بتاريخ 24 نوفمبر 2015، وما أعقبها من تصعيد متبادل بين الدولتين، وحيث إن الطرف الأساسي الذي يتم عليه الاختلاف هو نظام الأسد، فإن تفهم روسيا لوجهة النظر التركية سوف تؤدي حتماً لزيادة التعاون بينهما، وسوف تنهي الأزمة السورية بطريقة ترضي الشعب السوري والدولة الروسية وتركيا.
ولكن القيادة الروسية في السابق رجحت الأخذ بالرؤية الإيرانية أولاً، وخدعها التشجيع الأمريكي للتورط العسكري في سوريا ثانياً، وخدع الجنرال الإيراني قاسم سليماني قيادة الأركان الروسية وبوتين بأن عملية عسكرية روسية سريعة وخلال ثلاث أو أربع أشهر سوف تقضي على المعارضة السورية المسلحة كلياً، ولا شك أن روسيا لها مصالحها في تجربة هذه المحاولة، ولكن فشل المحاولة بعد أكثر من سنة فرض على روسيا أن تعيد النظر ليس في العملية العسكرية في سوريا فقط، وإنما أن تعيد النظر في حلفائها في المنطقة بما فيها إيران، فبوتين لا يحتمل الخسارة العسكرية أولاً، ومجرد بقاء روسيا في حرب متواصلة في سوريا سوف يعني خسارة بوتين سياسيا وعسكريا، ولذلك فهو يتحايل على بقاء وجود قوات روسية في سوريا بحجج القواعد العسكرية الدائمة، لإظهار الهزيمة انتصاراً، ولكنه في الحقيقة يبحث عن حلول تخرجه من سوريا غير مهزوم، وإن لم ينتصر، وحيث إن إيران لا تستطيع مساعدته في ذلك، فإن بوتين اضطر إلى مصالحة أردوغان، وإعادة علاقة روسيا مع تركيا إلى أحسن مما كانت، لأن تركيا وحدها هي التي تملك إنقاذ روسيا أو حفظ ماء وجهها في سوريا على الأقل، وإلا تواصلت الخسارة عليها خارجيا وداخليا.
وفي المقابل فإن تركيا تنظر إلى المعادلات العسكرية في سوريا بواقعية حقيقية، وليس إلى مصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية فقط، كما يظن البعض، فتركيا ولا كل الدول العربية معها لا تستطيع الدخول في حرب مع روسيا عسكريا، فتوازن القوى العسكرية متفاوتة جداً، بالرغم من أنه ليس مطلبا تركيا ولا عربيا ولا إسلاميا الدخول في حرب عالمية مع روسيا الاتحادية، لأن ذلك خسارة محققة للمسلمين والأتراك والعرب في هذه الظروف العسكرية، فضلاً عن أنه مدعاة لسرور الغرب وأمريكا وإسرائيل، ولذلك فإن زيادة التوتر مع روسيا في سوريا ليس مصلحة تركية ولا عربية ولا إسلامية، وبالتالي فإن الحكمة السياسية تتطلب دفع الشر الروسي عن سوريا في أقرب وقت ممكن، لأن روسيا لن تنقلب في مواقفها بين عشية وضحاها، وبالتالي فإن إقناع روسيا بالعدول عن مواقفها الخاطئة والإجرامية في سوريا خير من الدخول معها في صراع سياسي أو عسكري، وهو ما حاولت السعودية وقطر والبحرين والأردن والكويت وغيرها سلوكه مع روسيا في السنوات القليلة الماضية، بالرغم من موقف روسيا في دعم نظام الأسد، لأن الحل الآخر غير ممكن أيضاً، بل ضربا من الانتحار.
على أساس هذه الرؤية توجهت السياسة التركية إلى إقناع روسيا بخطأ موقفها العسكري في سوريا، وإلى تخطيء المحور الذي شاركت فيه روسيا إيران والعراق ونظام الأسد، لأنه محور عقيم أولاً، فلا يمكن أن يحقق النجاح إطلاقاً، لأنه ضد هوية أهل المنطقة الحضاري، وضد مصالحها، وهو محور حاقد وإجرامي، فلا مصلحة لروسيا أن تكون في محور عدائي ضد المسلمين وخمس سكانها من المسلمين، وإيران مهما قاتلت في سوريا لن تنتصر ولو بعد عقود، وهي تحارب في سوريا لأحقاد تاريخية وخدع أمريكية، فأمريكا هي التي شجعت إيران لاحتلال العراق معها، وشجعتها لاحتلال سوريا واليمن، لأن أمريكا تخطط للحروب الدائمة في العالم الإسلامي، وهذا يعني أن محور إيران هو أقرب إلى أمريكا من قربه إلى روسيا، فلا مصلحة لروسيا أن تبقي تحالفها مع إيران بديلا عن تحالفها مع تركيا والدول العربية والإسلامية، ولذلك فإن تغير المواقف الروسية من تركيا والسعي للمصالحة معها، وتقديم إغراءات المصالحة لتركيا مثل توقيع خط السيل التركي، وزيادة التعاون الاقتصادي هو دليل على تخلل التحالف الروسي الإيراني، بل بلغ التفاهم التركي الروسي حد التعاون في المجالات العسكرية التصنيعية والتكنولوجية، بل وصل حد الإغراء الروسي إطماع تركيا أن تصبح دولة نووية، لإنتاج الطاقة النووية السلمية، وهو ما تم توقيع الاتفاقيات بشأنه في هذه الزيارة.
هذا التخلخل في التحالف الإيراني الروسي يمكن قراءته من جملة الاتفاقيات التي وقعت في زيارة بوتين إلى إسطنبول يوم 10 أكتوبر 2016 بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي 23 للطاقة، فحجم الاتفاقيات الموقعة بين البلدين مؤشر على تحالف تركي روسي جديد، وما يؤكد امتعاض إيران من هذا التحول الروسي نحو تركيا هو تغيب الحكومة الإيرانية وربيبتها الحكومة العراقية عن المؤتمر، علما بأنه مؤتمر دولي، وسوف يواصل المؤتمر في عقد اجتماعات وزارية لمنظمة أوبك وأوابك المنتجة للنفط، ولكن إيران آثرت الغياب على أن تكون شاهدة على خسارتها لتحالفاتها الخبيثة في المنطقة، فلم تجن إلا المجازر في بلاد المسلمين والخسارة الاقتصادية والبشرية لشعبها، ولعل في محاولة روسيا تغيير سياستها في المنطقة وبالأخص نحو تركيا مؤشر على قرب تغيير في المشهد السوري المأساوي، فروسيا ليست مضطرة لتغيير سلوكها الإجرامي في سوريا إرضاء لتركيا فقط، وإنما بسبب شجاعة الشعب السوري الذي قاوم الاحتلال الإيراني وحارب الاحتلال الروسي، فجعل روسيا أمام الهزيمة التي سبقته إليها إيران، ولذلك فإن مواصلة مقاومة الشعب السوري في مقاومة الاحتلال الإيراني والروسي سيكون العامل القوي والحاسم بيد الحكومة التركية لإقناع روسيا بأنها دخلت طريقا مسدوداً، وعليها التراجع عنه، بل والعمل لمصالحة الشعب السوري، والتخلي عن الزعامة القاتلة والفاشلة، فالشعوب أبقى من الرؤساء الدكتاتوريين والسفاحين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1431
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1248
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
972
| 16 مايو 2026