رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثورة الشعب المصري في يناير 2011 لحظة فارقة في التاريخ يندر تكرارها، لحظة أدرك فيها الشعب المصري لذاته، وحقه في الحياة، وإمكاناته وقدرة الفعل التي يستطيعه، استقرت في يقين أجيال صاعدة، تزيح من أمامها ثقافة الهزيمة والخوف.
تعيش هذه الأجيال الآن معانات النضج وتجاوز العجز القديم وتبدع أساليبها الجديدة للمقاومة والبناء معا وتدفع ثمن كل هذا طواعية أو غصبا ولكن بكل رضا وبالإمساك بأهدافها كما القابض على الجمر، وتواجه عالما بقدر تسليمه بعظمة الحدث والفعل غير أنه يحاول ألا تخرج النتائج ضد مصالحه وخططه.
سجلت وقائع الثورة تعبيرا خرج من بعض شباب مصر لزملائهم أثناء المواجهات، وتكرر مع أشخاص متعددة من الجنسين وبذات الصيغة وكأنه إلهام إلهي: "ارجعوا أنتم للخلف أنتم متعلمون وتقدروا تبنوا مصر، إحنا مالناش ثمن، ونقدر نواجههم"، تعبير يخشع عنده القلب ويرتجف، وصدقه العمل، وظل السؤال كيف وصل إلى عقل البسطاء المطحونين من أبناء الشعب؟ كيف استطاب التضحية بحياته ليحمي شباب وشابات من سنه، وبلا وجل ودون تردد؟
هؤلاء هم جند الثورة الحقيقيون، وصناعها، وشهداء معاركها الأولى.
تصفية هؤلاء الفدائيين البسطاء كان هدف الاتفاق بين النظام السابق ثم المجلس العسكري مع جماعة الإخوان، فهل يمكن أن يضيع ثأرهم أو هدفهم، ثأر الدم لا ينسى وهدف الحياة وضرورات البقاء لا يمكن التنازل عنها دون تحقيقها. لن يضيع ثأر الدم بانقضاء الزمن، ولكن الثأر يجب ألا ينحرف بالإرادة والوعي عن هدف الثورة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
العارض الذي ألم بالثورة المصرية ليس مجرد الاستحواذ، ولكنه غياب المشروع الحلم، لأن الشعار مهما كانت عبقرية تعبيره عن الرؤية إلا أنه لا يعني إمكانية تحقيقه دون خطة العمل وتحديد مهامها بشكل واضح وقاطع.
سلوك الاستحواذ على الثورة كما ظاهرة زواج الأقارب، أصاب بنية سلطة ما بعد الثورة بالتكلس وانهيار القدرة على استيعاب مفهوم التغيير باتساعه وتنوع مهامه ومقاصده، وانهار نتيجة له المناعة الذاتية لبيئة الثورة، وصار جسد النظام عرضة للأمراض التي فتحت أبواب الثورة وبررت لها، وأصبح التفريط هو منتهى حدود قدرة سلطة آلت بالاستحواذ على الثورة إلى الانقلاب عليها ومن ثم تسوق مبررات وجود وبأي ثمن ومهما كان، وتضطرب الرؤية لينفرط عقد الوطن، وتتحول الحالة الداخلية إلى صراع سلطة يغيب عنه الوعي والحالة الثورية، أو هو "صراع الحماقات" كما عبر عنه بحكمة راقية أحد مشايخ سيناء.
مشروع الحلم المصري، لم يجد من يعبر عن حقيقته، في كافة الأطروحات الحالية والأفكار والسياسات، سواء بالوعي أو بالشجاعة والاستعداد لتحمل المسؤولية.
اتهم محمد علي في مشروع الحلم المصري في القرن التاسع عشر أنه يسعى إلى بناء إمبراطورية أو بأن لديه أطماع إمبراطورية، واتهم جمال عبد الناصر في مشروع الحلم المصري منتصف القرن العشرين أنه أيضاً يطمع إلى بناء إمبراطورية مصرية، والحقيقة أن كلتا المحاولتين كانت بالجغرافيا تعبر ببصرها ومسؤولياتها إلى الحدود الجغرافية للمصالح والأمن المصريين، والتي تمتد من منابع النيل وبحر العرب إلى شمال البحر المتوسط وجبال طوروس ومن المحيط الأطلسي غربا إلى الخليج العربي شرقا، وحساب حدود المصالح المصرية دون هذا العمق الجغرافي هو "التفريط" في الثورة وليس التفريط هو استمرار صراع الحماقات، بل إن استمرار صراع الحماقات أدنى من التفريط.
إن التفريط يتمثل في كافة المخاطر المحيطة بمصر دون موقف أو إعداد لموقف مناسب لها. إن الموقف من مياه النيل وتحويله إلى مصدر للصراع يعني أن الوعي المصري في إدارة مصالحها أدنى من وعي الملكة الفرعونية حتشبسوت والتي وصلت علاقاتها إلى الصومال بارتباط المصالح وكان ذلك منذ آلاف السنين، بل إن الكتابات الغربية عن احتمالات صراع مسلح بين مصر وإثيوبيا تكشف عن مخطط للانحراف بالمشروع المصري قبل بدايته.
إن العجز عن استيعاب ارتباط وحدة الأقاليم العربية بالأمن المصري جعل مصر أداة تفتيت وليست عامل وحدة ومسؤول عنها.
إن عجزنا عن إدراك مشروع الحلم المصري جعلنا نسمع خلال الأيام الماضية عن علاقة إستراتيجية تربط بين تركيا الحزب الحاكم ومصر جماعة الإخوان، وصارت العلاقات الحزبية بديلا عن علاقات الدولة وأمنها.
إن التفريط يتضح في تمادي الهجوم الإسرائيلي على المياه المصرية التي تدخل في إطار جغرافيا مشروع الحلم المصري.
ولعل أحد مظاهر التفريط هو صناعة التقسيم لسيناء بعد استكمال إنهاء السيادة المصرية عليها، ويجري تقسيم سيناء بين إرهاب يرفع الرايات السوداء، وحركة بيع للأراضي تحت راية الاستثمار، وقانون تمليك الأراضي هو خطوة أساسية في هذا الاتجاه، كبديل لقانون قاطع بأن أراضي سيناء لا تملك ولكن يتم منح حقوق للانتفاع بها وللمصريين فقط.
إن القاعدة الأساسية لمشروع الحلم المصري هي وحدة الشعب المصري، وهنا يبرز المحور الثاني للتقسيم وبعد التقسيم على قاعدة الجغرافيا، يجري التقسيم على القاعدة الطائفية وحملات دفع المسيحيين إلى الهجرة من أماكن معيشتهم، هو تفريط في وحدة الشعب، ثم التقسيم بين أصحاب الحق في الإسلام وهم متعددو الأسماء والمناهج، وغيرهم من الكفار على حسب الموقف السياسي والانتماء الحزبي، هو أيضاً تفريط في وحدة الشعب، ومدخل آخر للتقسيم.
ارتقى الفقراء من شباب مصر والذين حرموا من التعليم ومن مصدر يؤمن لهم العيش إلى مستوى النبلاء والشهداء من أجل مجتمعهم ووطنهم الذي ضن عليهم بحقوقهم، لقد ارتقوا بقولهم لرفاقهم الأوفر حظا في التعليم والعمل وتوافر أسباب الحياة: "عودوا أنتم للخلف، أنتم تقدروا تنفعوا مصر أكثر مننا، وإحنا ممكن ننفع مصر بهدم جبروت النظام بأرواحنا"، وفي الوقت ذاته تدنى موقف أسماء وشخصيات وتيارات كانت تملأ فضاء الوطن طنينا، وبقدر ما كان تفريط المستشار طارق البشري في ضرورة الدستور قبل الانتخابات، ووضع نفسه خادما لرؤية جماعة الإخوان واتفاقها مع النظام السابق حول "تعديلات دستورية" تؤدي لتداول السلطة، كان أيضاً تفريط المستشار حسام الغرياني رئيس الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وهو واحد من قضاة تيار الاستقلال الذين توالت مواقفهم الانقلابية على الثورة، وتجسد ذلك في مقولة أطلقها "بأن ثورة 1952 نصبت على الفلاحين"!، وذلك في معرض مناقشة نسبة تمثيل العمال والفلاحين في المجالس المنتخبة.
تعبير النصب عندما يخرج من قاضي دون نسبه إلى موقفه السياسي، هو حكم على موقف ثورة 1952 من القوى الاجتماعية، وأي قارئ للصحف وليس دارسا للتاريخ يدرك الموقف الاجتماعي لثورة يوليو تجاه العمال والفلاحين، وهذا يعني عدم صلاحية هذا القاضي المهنية فما بالنا بصلاحيته لرئاسة الجمعية التأسيسية للدستور، وإن أخذنا في اعتبارنا انتماء القاضي لموقف جماعة الإخوان، لأدركنا إلى أي مدى فرط هذا الرجل في ضميره المهني، فكيف بالتالي يمكن ائتمانه على رئاسة الجمعية التأسيسية لوضع دستور يعبر عن أمة وتاريخها وحاجاتها.
استوعب الجندي الألباني محمد علي المشروع المصري، واستوعب البكباشي جمال عبد الناصر المشروع المصري، وهو الرجل الذي كان باشاوات ما قبل الثورة يطلقون عليه "ابن البوسطجي"، لأن والده كان موظفا بالبريد المصري، واستوعب الفقراء والضعفاء والمتسربون من التعليم من شباب مصر وأنبل شهدائها مشروع الحلم المصري وقدموا حياتهم فداء وحماية له، إمبراطوريا فليكن، تمتد حدوده بطول العالم وعرضه، هو كذلك، ويدوم زمن البناء فيه زمن الحياة فوق الأرض، هذه حقيقة المسؤولية المترتبة عليه.
ولم يستوعب القضاة ورافعو الرايات السوداء حقيقة مشروع الحلم المصري، فانزووا جميعا عبيدا للمشروع الأمريكي في الشرق الأوسط الجديد والكبير وبؤرة القلب فيه إسرائيل.
هذا الفارق في الاستيعاب هو ضمانة الانتصار، فملح الأرض من فقراء مصر يدركون ماذا يريدون ويدفعون ثمنه، وغيرهم يستطيب حياة العبيد وطعم الثريد فتدهسهم أقدام أسيادهم قبل أقدام الشعب.
سقط الاستحواذ وسقط التفريط في مواجهة قدرة البقاء لدى الشعب المصري، فهل يفيد العبيد منطق الخندقة والرايات السوداء ووسيلة الإرهاب سبيلا للتقسيم؟.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
10329
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
2997
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
2826
| 16 أغسطس 2026