رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
توجد أزمة حقيقية في إدارة القطاع الزراعي في مصر منذ عدة عقود، وتتفاقم الأزمة مجددا مع إعلان الحكومة عن خطتها الزراعية ونصيحة وزير الزراعة للمزارعين بعدم زراعة القطن قبل التأكد من ضمان تسويق القطن - ذهب مصر الأبيض- الذي يعاني من حالة الاحتضار، التي تباركها الدولة بعد قرار رفض الدعم عن القطن، هذا ما يعانيه القطن المصري بعد أن كان متربعا على عرش الأقطان العالمية في الأسواق الخارجية، مما ترتب على ذلك تدهور المساحات المزروعة، وفي ظل هذا التخبط وعدم قدرة الدولة على وضع سياسات تحفيز لزراعة المحاصيل التي نحتاجها محلياً أو للعودة لأسواق التصدير التي ضاعت ونحتاج إلى استعادته، وترتب على ذلك وواكبه إهمال صناعة النسيج التي ازدهرت في الستينيات والسبعينيات، وتميزت بها الصناعة المصرية، حتى أخذت مكانها على خريطة صناعة النسيج العالمية، إلى أن تدهورت مصانع الغزل والنسيج تدريجيا، بعد الإهمال المتعمد من المستثمرين لتجديدها وعدم تحديثها أو صيانتها، ولا ننكر أن هناك منافسة عالمية والقطن المصري يواجه حصارا من الأقطان الأخرى، خاصة الأمريكية المدعومة من الحكومة، الأمر الذي يتطلب وجود رؤية بعيدة النظر تستطيع دعم القطن المصري طويل التيلة - وهو ذهب مصر الأبيض - للصمود في الأسواق العالمية، وفي مواجهة هذه الحرب العلنية، التي تؤكد على أن كل قنطار قطن مصري يخرج من منافسة التصدير، يدخل مكانه قنطار قطن أمريكي مدعم، بعد أن عجزت السياسات الزراعية والحكومات المتعاقبة عن إنقاذ الزراعة واستعادة دورها في الاقتصاد وتوفير احتياجات السوق المحلي واستعادة أسواق التصدير، بعد أن تدهور المحصول الرئيسي بالنسبة للفلاحين على مر السنين، وصار في مهب الريح وأصبح مصدرا لهموم هذه الشريحة من المواطنين، خاصة مع عدم وجود تنسيق بين المصانع ووزارة الزراعة حول تقدير احتياجات السوق، وهل نحتاج إلى زراعة القطن قصير التيلة أو طويل التيلة؟ وما هي المساحة المطلوب زراعتها وما هي الأصناف التي تجب زراعتها من القطن وما هي البذور التي تتم زراعتها وهل نظل نستورد بذورا مصابة؟ وتفرض على الفلاح قهراً وإلزاما دون مبرر، وهي بذور لا تنتج إنتاجا جيداً ومحصولها بائس ومحدود، رغم أن الدولة هي المنسق العام بين كل الوزارات والسياسات التي تحقق صالح المجتمع بكل مكوناته البشرية والمادية، وهي المسؤولة عن هذا التنسيق وإلا ما هو دور الدولة، هل تجلس في مقاعد المتفرجين..؟ خاصة أن القطن صناعة وطنية كثيفة العمالة في الزراعة والصناعة، وتحتل صناعة النسيج المركز الأول في استيعاب العمالة والتي تصل وحدها إلى 32% من عمال قطاع الصناعة، ولكن تعرضت مصانع الحلج إلى عمليات هدم متعمد، من خلال بيع محالج القطن وتحويلها من نشاط حلج الأقطان إلى أنشطة بيع أرض وعقارات وبيع معدات المحالج في سوق الخردة (الأشياء القديمة وغير المستخدمة) وأن المحالج التي تنجو من البيع أو التصفية لا تصلح لتصنيع القطن المصري طويل التيلة، في حين يتم استيراد أنواع من القطن قصير التيلة الذي لا يتمتع بمواصفات القطن المصري طويل التيلة الذي يتمتع بشهرة عالمية جيدة، والذي يمكن أن تنشط معه عدة صناعات أخرى، مثل صناعة الزيوت والصابون والعلف الذي يسهم في تنمية الثروة الحيوانية، ومن ثم تغطية جزء كبير من احتياجاتنا من اللحوم والزيوت النباتية، التي يتم استيرادها سنويًا بمبلغ ملياري دولار، وهذه الأمور حولت زراعة القطن في مصر، من المصدر الرئيسي لدخل الفلاح إلى عبء على كاهله يرهقه، عاما بعد عام، مما يدفعه إلى العزوف عن زراعته رغم حاجته إليه.
ومن هنا تأتي ضرورة السرعة في حل مشكلة القطن المصري – الذهب الأبيض - بالبدء بتحديث جميع مصانع الغزل والنسيج على مستوى الجمهورية، والتي يعرقل البنك الدولي وهيئة المعونة الأمريكية من تحديثها، وذلك حتى يمكن إنتاج غزل ومنسوجات صالحة للتصدير، وفي الوقت نفسه المساعدة في حل مشكلة الباحثين عن عمل، بالإضافة إلى الاهتمام بتطوير معهد بحوث القطن ليقدم حلولا في رفع إنتاجية الفدان، وأساليب الإرشاد الزراعي الحديثة مع التركيز على نقاوة الأصناف، وتحسين الجودة التي تمكننا من التنافس على المستوى العالمي، ولن يتحقق ذلك دون وضع إستراتيجية شاملة لتسويق القطن تراعي احتياجات المصانع المحلية من ناحية وعلى نصيب مصر من الصادرات العالمية من ناحية أخرى.
والتصدي للمحالج التي تلجأ للقطن المستورد لرخص سعره بنسبة تصل إلى %50 بالمقارنة بالقطن المصري، الذي يحتاج إلى دعم من موازنة الدولة، لمواجهة القطن المستورد الذي نجح في عملية الإغراق التي تضر بالقطن المصري، خاصة أن بعض الدول المنافسة تسعى لوقف زراعة القطن المصري، وكذلك وضع آلية تسمح بتوفير القطن المصري لقطاع الغزل والنسيج بأسعار تتناسب مع اقتصادات التشغيل.
وإنشاء صندوق موازنة الأسعار، للتدخل برفع سعر القطن ليحقق هامش ربح مقبولا للفلاح عند انخفاض الأسعار، وبحيث يصبح الأساس هو الاعتماد على القطن المصري وأن يقتصر استيراد الأقطان الأجنبية عند نقص المعروض للوفاء باحتياجات صناعة الغزل والنسيج، وإنقاذها من الانهيار في ذات الوقت.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2772
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2046
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
726
| 25 يناير 2026