رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهدت العاصمة الفرنسية باريس "مسيرة الجمهورية" التي وصفت بالتاريخية للاحتفاء بقيم الديمقراطية وحرية التعبير وتنديدا بالهجوم على صحيفة شارلي إيبدو ومتجر يبيع منتجات لليهود وسقوط عدد من القتلى والجرحى، بالإضافة إلى قتل قوات التدخل السريع كل منفذي الهجمات الذين دفنت معهم أسرار وملابسات ودوافع جهات استخبارية إلا ما سكب سكبا! من معلومات عبر وسيلة إعلامية فرنسية قالت إنها اتصلت بالمهاجمين وأنهم قالوا إنهم ينتمون إلى تنظيم القاعدة في اليمن وإلى تنظيم الدولة الإسلامية الذي ينشط في العراق وسوريا، ليبدو المشهد واضحا للرأي العام الغربي بأن الإرهاب الإسلامي استهدف حرية الصحافة والسامية معا، ومثلما انبرى من يقدم اعترافا مجانيا بتنفيذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 لأهداف إعلامية وحشر كل المسلمين في زاوية التطرف والإرهاب، أعلن التنظيم نفسه وهذه المرة من اليمن مسؤوليته عن هجمات باريس بحجة الدفاع عن رسول السلام والإنسانية.
وبين الكم الهائل من الإدانات وموجات الغضب والاستنكار لما حدث، فاجأ دومنيك دوفيلبان رئيس الوزراء الفرنسي السابق الجميع بتصريحاته التي خرجت عن عموم الرؤية السياسية والإعلامية الغربية لوصف ما وقع في باريس عندما طالب دول الغرب بالوقوف أمام حقيقة مؤلمة شاركت في صنعها، متهما تلك الدول بإنتاج ما وصفه بالإرهاب الإسلامي.
وقال إن تنظيم الدولة الإسلامية طفل مشوه، لكنه متوحش يعبر عن تقلب وغطرسة السياسة الغربية التي كانت سببا في زيادة عدد المقاتلين من بضعة آلاف إلى نحو 30 ألفا جراء تدخلها العسكري في أفغانستان والعراق وليبيا ومالي.
دوفيلبان الذي كان شاهدا على فترة مهمة في مسيرة السياسة الفرنسية ومواقفها المتقلبة من قضايا الصراع في الشرق الأوسط أكد أن تنظيم داعش والقاعدة يكشف الإرهاب الحقيقي ويبرئ المسلمين من هذه الأعمال الإجرامية.
المستفيد، بلا شك، مما سماها تنظيم القاعدة "بغزوة باريس" هم حركات اليمين المتطرف في كل أوروبا والكيان الصهيوني الذي تلقفت وسائل إعلامه الحادثة وأطلقت عليها الكثير من العناوين التي تؤجج الصراع والفتنة، من مثل "11 سبتمبر الفرنسي" و "الاحتلال الإسلامي" و "الفرنسيون يفقدون دولتهم" و "حرب بين البربرية والحضارة".
أما بنيامين نتنياهو فقد نزل عليه الخبر بردا وسلاما ليرد على موقف الجمعية الوطنية الفرنسية التي اعترفت بدولة فلسطين والكثير من الدول الأوروبية التي كان لبرلماناتها الموقف نفسه بأن الفلسطينيين مجموعة من الإرهابيين وأن أهداف الإرهاب الإسلامي ليست تسوية الصراع وإيجاد دولتين تعيشان جنبا إلى جنب، بل الهدف الأساسي "للإرهاب الإسلامي" إبادة مجتمعاتنا ودولنا واجتثاث حضارتنا الإنسانية التي تستند إلى الحرية وطالب بهجرة يهود فرنسا إلى الأرض الفلسطينية المحتلة.
أما المتضررون فهم الملايين من المسلمين والجاليات الإسلامية التي ربما تزداد عزلة وتوضع أمام أبنائها الكثير من عوائق التمييز والعنصرية التي تحد من فرص وفوائد الاندماج في تلك المجتمعات.
بغض النظر عن المستفيد والمتضرر من هجمات باريس، فإن صحيفة شارلي إيبدو والقاعدة وأخواتها يمثلون عنوانا للتطرف المقيت وازدراء الأديان والاستهانة بالنفس الإنسانية، وهنا لابد من تسليط الضوء على السياسة التحريرية للمجلة وعلى منطلقات وممارسات تنظيم القاعدة وتفرعاته، ليس من باب المقارنة، بل لتثبيت حقيقة أن التطرف والغلو، إن بالرسوم أو الكلمات أو العنف، ليس مرتبطا بدين، بل هو ظاهرة يتقمصها أشخاص تحكم سلوكهم وتوجهاتهم أهداف ودوافع معينة.. شارلي إيبدو صحيفة صفراء أسبوعية انطلقت من رؤية يسارية جذرية تسخر من كل المعتقدات، ولذلك لم تستطع الصمود في مواجهة نقص القراء وقلة الإعلانات والاشتراكات لتتوقف عن الصدور عام 1982، ثم عادت للصدور عام 1992.
تعمد الصحيفة إلى الإكثار من الرسوم التي تسخر من رموز الدين والسياسة داخل فرنسا وخارجها والاقتصاد في النصوص ولذلك فقد أعادت في 2006 نشر رسوم مسيئة للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، تضامنا مع صحيفة دانماركية كانت قد أثارت غضبا واسعا لدى المسلمين وكان الرئيس الفرنسي جاك شيراك قد وصف آنذاك ما قامت به شارلي إيبدو بأنه استفزاز للمسلمين.
أما الجمعيات الإسلامية فلم تحرض أحدا على العنف، بل رفعت دعوى قضائية ضد الصحيفة، إلا أن القضاء الفرنسي أحجم عن إدانتها بحجة دعم حرية التعبير، لكنه لا يقر حرية التعبير في معاداة السامية، ويبدو أن ذلك شجع الصحيفة على المضي في سخريتها من محبوب المليار ونصف المليار مسلم، فكررت نشر الرسوم المسيئة، حيث نشرت في يناير 2013 صورا صادمة عن حياة الرسول الكريم. لذلك وصفت صحيفة الجارديان البريطانية أن ما جرى ناتج عن خطاب الكراهية ضد الدين الإسلامي والذي ساد في فرنسا الحديثة ويتم التلاعب به لأغراض سياسية من قبل اليمينيين واليساريين.
أما تنظيم القاعدة وتفرعاته، فإنه يعتمد على مبدأ الحرب الشاملة التي لا هوادة فيها ضد أعدائه، وبالتالي فإنه يرى جواز اللجوء إلى جميع الوسائل لبلوغ أهدافه ومنها استخدام الأسلحة غير التقليدية وقتل المدنيين بمن فيهم النساء والأطفال وينصب التنظيم نفسه للدفاع عن بيضة الإسلام إلا أن القاعدة حتى الآن لم تثبت للإنسان المسلم أنها الحل وأن لديها إستراتيجية لقضايا وهموم المسلمين دون تبني منهج العنف.. لذلك فإن المسلمين إن لم يقدموا دينهم على أنه دين القوة والتسامح والأخذ بأسباب النهوض الحضاري، فسيظلون يصارعون طواحين الهواء وتوجه معاركهم صحف صفراء عندما تشعر بعزوف قرائها وغربتها في مجتمعاتها، لكن في المقابل على الدول الغربية أن تغير من سياساتها تجاه قضايا العرب والمسلمين وأن تكف عن سياسة الكيل بمكيالين، وإلا فإن هذه الحادثة ربما لن تكون الأخيرة.
2016.. عام الطفولة المهدرة في اليمن
رغم الظروف القاسية والمجاهدة اليومية في تحصيل العلم، استيقظ الطفل محمد أمين كعادته وجهز حقيبته لينطلق في صباح... اقرأ المزيد
506
| 06 يناير 2017
هل تسير تعز على خطى حلب؟
رغم الأهمية الإستراتيجية لمحافظة تعز اليمنية إلا أنها ظلت رهنا لمؤامرات ظالمة وحصار جائر من مليشيا الحوثي وقوات... اقرأ المزيد
619
| 23 ديسمبر 2016
الطرف الثالث في اليمن !!!
صواريخ سكود، صوراريخ كاتيوشا ، صواريخ توشكا ، صواريخ غراد، صواريخ محلية الصنع من نوع بركان و صمود،... اقرأ المزيد
1205
| 24 نوفمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8706
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2550
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1473
| 25 أكتوبر 2026