رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تطل مصر من بهاء ثورتها التي انطلقت في الخامس والعشرين من يناير المنصرم معلنة أنها باتت تمتلك روحا جديدة وتوهجا مغايرا عن كل أزمنتها السابقة بعد أن نجح شعبها في شطب ثلاثين عاما من حكم سعى بكل قوة خاصة خلال العقدين الأخيرين من عمره إلى الاستحواذ على عناصر القوة ومقومات الثروة مزيفا الحقائق مبعدا كل مبدع متيحا الفرص لناهبي موارد الوطن والفاسدين بعد أن أمتطى جواده نفر ممن يفتقرون إلى محددات الوطنية ويرتدون أزياء اللصوصية وهو ما يتم الكشف عنه يوما بعد يوما.
نجحت الثورة في فرض إرادتها وخرج الرئيس حسنى مبارك من كهنوت واحد من أهم معابد السلطة في الدنيا بعد أن حاول أن يوحى للعالم أن مصر من دونه مآلها إلى الفناء والفوضى وهو ما يستوجب على الثوار الجدد المحاطين بحماية وحدب القوات المسلحة وكل طوائف الشعب أن يقدموا نموذجا سياسيا جديدا للوطن يقوم على تطبيق ما دعوا إليه من عدالة وحرية واحترام للإنسان غير أن ذلك يستلزم من هؤلاء الثوار ألا ينخرطوا في العمل بعيدا عن خبرة الكبار وتجربة الشرفاء من أبناء مصر والأهم هو تجنب الدخول في منطقة الانقسام والذي بدت نذره أمس الأول بميدان التحرير مع توالي صدور بيانات المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يدير شؤون البلاد فقد رأت مجموعة من الشباب أن هذه البيانات تكفل تحقيق أهداف الثورة بشكل كامل بينما رأى آخرون أن الثورة مستمرة في الميدان لحين تحقيق الأهداف المرجوة منها، وهي إلغاء قانون الطوارئ فورا والإفراج عن جميع المواطنين ووضع دستور جديد للبلاد وتشكيل حكومة انتقالية وطنية يرتضيها الشعب وتشكيل جمعية تأسيسية لوضع دستور ديمقراطي جديد يكفل حقوق الإنسان ويتم استفتاء الشعب عليه، وإطلاق حرية تكوين الأحزاب السياسية وضمان حرية الإعلام وحرية تدفق المعلومات للصحفيين والحصول عليها وإلغاء المحاكم العسكرية.
ولاشك أن ثمة أجماعا على مشروعية هذه المطالب التي تشكل برنامج عمل الزمن الآتي في المحروسة بيد أنه في المقابل ينبغي الإدراك أن المكاسب التي حققتها ثورة الخامس والعشرين من يناير قد تجاوزت سقف التوقعات المنتظرة منها وهو ما تبلور في إجبار الرئيس مبارك على مغادرة موقعه العتيد على رأس السلطة في مصر وبالتالي فإن المطلوب هو أن ينتبه هؤلاء النفر من الشباب المخلصين الأنقياء إلى أن دوائر في الداخل وفي الخارج تتطلع إلى تمزقهم وتنافسهم خاصة في ظل غياب قيادة موحدة لهم خلال الأسابيع الثلاثة المنصرمة من عمر الثورة وفي الوقت ذاته التعامل بدرجة من الواقعية والعقلانية التي تكفل التعاون مع القوى السياسية والوطنية ومع قيادة المؤسسة العسكرية التي انحازت إلى خياراتهم في التغيير الجذري بعد أن اعتبرت أن مطالبهم مشروعة على نحو يجعلهم ضمن النخبة التي بمكن الاستعانة بها في إدارة المرحلة التي ستعقب المرحلة الانتقالية خاصة أن مجموعات سياسية مصرية نشطة أخذت تنادي باستبعاد من تجاوزا الستين من الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية وغيره من المواقع المهمة في الحكومة ومؤسسات الدولة لإعادة الحيوية إليها بعد أن أصابها الوهن والركود والترهل والشيخوخة في السنوات الأخيرة
وثمة من يدعو شباب الثورة بإلحاح في هذا السياق إلى أهمية آلا تنساق لأي صراع جانبي يفرض عليها لتفريغ طاقتها سواء كان صراعا حول الدين أو إسرائيل أو السياسة أو الأيدلوجية أو أمريكا أو الغرب أو غيرها من الصراعات الجانبية التي يمكن أن تشتت انتباه المصريين فكل هذه القضايا هامشية ولا تتعلق بجوهر الثورة وهي بناء مصر والمصريين وبالتالي فانه يتعين عليها إغلاق أي باب يفرغ طاقتها أو يشتت انتباها فمن الآن وصاعدا فإن العالم سوف يسعى لمعرفة المزيد عن تلك الثورة وسينطلق من منطلق شكي ناقد خائف متوجس فسمة الغريب الاقتراب بحرص مما يجهله ورفض الإفصاح عما بداخله أو عما يحمله من تحيزات داخلية عديدة وعميقة تخيفه وتقلقه بل وترعبه أحيانا.
وهنا فإنني أتفق مع الباحث السياسي المصري علاء بيومي بضرورة أن يتسم ثوار الخامس والعشرين من يناير في نظرهم للخارج بقدر من التواضع فثورتهم لن تغير العالم ولن تغير الشرق الأوسط، وسوف تحتاج لسنوات وربما لعقود لإعادة بناء مصر، كما أن العالم مليء بالقوى الأخرى القلقة والمتحفزة وهي لا تبحث عن دولة شابة جديدة صاعدة تريد أن تغير كل ما حوله فالسياسات الدولية والإعلام والفكر السائد بطبيعته محافظ جبان يخشى القفزات السريعة ومن ثم فانه يستوجب عليها – أي الثورة - التركيز على الداخل فأمامها مهمة شاقة لإعادة بناء مصر من ثقافة وتعليم وصناعة واقتصاد وهوية ومؤسسات سياسية وبعد ذلك ووفقا لمدى نجاح مصر في صناعة مستقبلها سوف يتحكم في سياستها الخارجية والتي يجب أن تقوم على السلام والعدل والحرية للجميع الأمر الذي سيتطلب منها أن تستعد للحديث للعالم وتوعيته بصورتها الصحيحة وتزويده بمعلومات كافية عنها، لذا فإن المأمول من الثورة وكل المسؤولين عنها أن تكتب عن نفسها وتحدد رسالتها الإعلامية وأن تبني صورتها قبل أن يبنيها لهم الآخرون.
وثورة مصر مطالبة في المرحلة القادمة من خلال تفاعلها مع القوى الحية بالمجتمع المصري بالتركيز - كما فعلت بنجاح على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية - على مفاهيم الوحدة والتسامح والسليمة واللاعنف والبناء والمستقبل والتعليم والثقافة والحرية والكرامة والمساواة والسلام وأن تدرك أن الوقت الحالي ليس وقت تصفية الحسابات،أو الحديث عما عانه المصريون أو عن مخاوفهم وإنما التأكيد دوما على أن المصريين هم وحدهم القادرون على بناء مستقبلهم، وأن العمل أهم من الكلمات، وأن الكلمة الطيبة هي الحوار الوحيد مع الأخر وأن تنظر في الآن ذاته إلى أن بناء مصر قوية في هدوء وتدريج وسلام وإيجابية هو أكبر نصرة لمصر والمصريين ولكل من ينتظر مصر قوية عزيزة وشامخة.
وإذا كان ثمة من يتخوف من المؤسسة العسكرية خلال فترة توليها إدارة شؤون البلاد فإن قيادتها عبر العديد من البيانات التي تتسم بالصياغات الواضحة والمحددة والعبارات المفهومة الغير قابلة للتأويل على أكثر من وجه قدمت ما يمكن اعتباره مرتكزات تطمين للشعب ونخبه السياسية المتطلعة إلى زمن الحرية والعدالة الاجتماعية وذلك بتأكيدها على أنها لن تكون بديلا عن الشرعية التي يرتضيها الشعب وإصرارها على تحقيق الانتقال السلمي للسلطة في إطار النظام الديمقراطي الحر، الذي يسمح بتولي سلطة مدنية منتخبة لحكم البلاد لبناء الدولة الديمقراطية الحرة. ولعل حرصها على تجنب استخدام القوة ضد المتظاهرين خلال فترة الاحتجاجات التي طالت بأكثر مما تتحمله بحكم طبيعة أدوارها ووظائفها التي ترتكز على حماية حدود الوطن الخارجية بالدرجة الأولى يؤشر إلى قدرتها على تطبيق وعودها بالعودة سريعا إلى ثكناتها وترك الأمر للساسة بعد أن تكون قد حددت خارطة طريق للزمن الآتي في مصر الجديدة.
والشاهد أن المؤسسة الدينية - وأقصد بها الأزهر الشريف - قد عبرت دخلت على هذا الخط وذلك من خلال تعبيرها في بيان أصدره شيخها فضيلة الدكتور أحمد الطيب عن ثقتها في أن ما وعد به المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورجاله الشرفاء بمصر من أنه لا بديل عن الشرعية هو وعد الأحرار الأوفياء الذين يرعون هذه القيم والمبادئ بكل إخلاص وتقدير، معربة في الوقت نفسه عن أملها في أن تتم الإجراءات المؤدية إلى الانتقال السلمي لسلطة منتخبة وإلى إلغاء كل الإجراءات الاستثنائية في أقرب وقت ممكن بإذن اللـه تعالى. وذلك يبعث على المزيد من الاطمئنان في أداء المؤسسة العسكرية خلال الأشهر الستة القادمة وهي عمر الفترة الانتقالية قبل الولوج في بناء النظام السياسي المدني الجديد في المحروسة.
السطر الأخير:
لمن تدق أجراس الثورة
معلنة وأد الصمت والعتمة؟
معالم من بدر
إنها معركة بدر، إنها معركة الفرقان، إنها فاتحة معارك النصر والعزة في الإسلام، قائدها رسول الله صلى الله... اقرأ المزيد
150
| 05 مارس 2026
الدبلوماسية الخليجية خط الدفاع الأول في زمن الحرب
تشهد منطقة الخليج تصاعدًا ملحوظًا في حدة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة؛ فلم يعد المشهد مجرد توتر سياسي... اقرأ المزيد
135
| 05 مارس 2026
الكلمة دائما لـ «صحاب الأرض»
منذ أسابيع أصابتني قفلة من القراءة. تركت نفسي للأفلام والمسلسلات. سأقف عند مسلسل واحد هو «صحاب الأرض». حقق... اقرأ المزيد
153
| 05 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2883
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2817
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1062
| 26 فبراير 2026