رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حوالي 335 مليون دولار هي حصيلة التعهدات التي خرجت بها جلسة يوم الإثنين الماضي من مؤتمر المنظمات غير الحكومية لدعم الوضع الإنساني في العراق، وذلك لتنفيذ برامج إنسانية وتنموية في العراق، خصوصاً في المناطق التي ألحق بها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أضراراً جسيمة ودمّر البنى التحتية بأسرها، (تعهدت مؤسسة التعليم فوق الجميع القطرية بتقدم 13.430 مليون دولار، ومؤسسة قطر الخيرية بتقديم 3 ملايين ريال)، فيما يبدو أنه توجّهٌ كويتي لدعم العراق، ولتضميد جراحه، بعد أن تمزّق هذا البلد على أسس عرقية ومذهبية بعد زوال نظام صدام حسين. ثم حلّ به تنظيم (داعش) وزادهُ غصةً على غصاته، وأوصى المشاركون في ختام المؤتمر بتنفيذ برامج في مجالات الصحة والإيواء والتعليم والتأهيل، وغيرها من البرامج الإنسانية التي يحتاجها العراق، كما شدد المشاركون على وضع آلية لمتابعة تنفيذ نتائج المؤتمر، وكان رئيس الهيئة الإسلامية الخيرية العالمية والمستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة د. عبدالله المعتوق قد أكد وجود آلية واضحة تضمن وصول التبرعات لمستحقيها في العراق، ولفت النظر إلى أن المؤتمر سيتّبع نفس آلية الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، تجنباً لأية شبهات في إيصال التبرعات لمستحقيها.
وكان هذا الموضوع مثار نقاش كبير في بعض (الديوانيات) الكويتية التي حضرتها، حيث أكد بعض روادها على ألا تكون التبرعات في شكل أموال نقدية يتسلمها طرف حكومي في العراق، وهو أمر مشروع في هذه المرحلة. وتساءل بعضهم: ماهي الشركات التي سوف تتولى عمليات الإعمار ومن يمتلكها؟ وكان مسؤول عراقي (المدير العام في وزارة التخطيط العراقية (قصي عبدالفتاح) قد قدّر تكاليف إعادة إعمار العراق وتحقيق الانتعاش فيه بحوالي 88 مليار دولار، وهو رقم مازال بعيداً عن الرقم الذي تحقق في جلسة منظمات المجتمع المدني، والأمل أن يتم رفع هذا الرقم في الجلسات المقبلة التي ستُعقد يوم الثلاثاء (أمس)، لأن تبرعات الدول بلاشك ستكون أعلى من تبرعات منظمات المجتمع المدني.
وكان سمو أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح قد أكد "ضرورة تفويت الفرصة على مثيري الفتن والتصدي لها بجميع الوسائل" وتمنى أن يعم الأمن والسلام والاستقرار على العراق الشقيق وعلى المنطقة، وذلك خلال استقباله لوفد الصحفيين العراقيين يوم الإثنين الماضي.
ولقد أشاد مسؤولون عراقيون ودوليون بدور دولة الكويت في دعم إعمار العراق، معتبرين أن دولة الكويت أصبحت منصة لدعم العمل الإنساني. وقال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشراكة مع الشرق الأوسط ووسط آسيا (رشيد خاليكوف): إن عقد هذا المؤتمر دليل على القيادة الإنسانية لسمو أمير دولة الكويت، ويعكس دور الكويت البارز في توفير المساعدات الإنسانية، انطلاقًا من مبادئ الإسلام النبيلة.
وكان متحدث باسم مكتب رئيس الوزراء العراقي (حيدر العبادي) قد اعتبر مؤتمر الكويت لإعادة إعمار العراق فرصة لتأكيد التزام المجتمع الدولي تجاه دعم العراق، وأن هذا المؤتمر فرصة أساسية لهذا الالتزام، بعد أن تحقق النصر على الإرهاب، ولتفعيل الشراكة الدولية مع العراق.
وكانت الجلسة الثانية والثالثة من أعمال مؤتمر منظمات المجتمع المدني قد شهدتا عرض أفلام وتعليقات لحالات الدمار الفيزيائي والدمار النفسي الذي لحق بفئات كبيرة من الشعب العراقي ممن وقعت مناطقهم في يد (داعش)، الأمر الذي يستلزم جهوداً جبارةً لإعادة تأهيل الحجر والبشر. ولقد رُويت حالات لمشاهد عنف وقتل وإهانة للإنسانية لحقت بالأطفال والنساء، بل إن أحدهم روى أن الأطفال العراقيين يحتاجون لتأهيل نفسي متخصص، بعد أن شوهد حالة إعدام عراقي وهو ممسك بيد طفله الصغير! ناهيك عن حالات اغتصاب النساء أو بيعهن في الأسواق ( كما تم ذلك مع الطائفة الإيزيدية العراقية).
واعتبر خبراء أوروبيون أن دعم العمل الإنساني لن يقتصر على إعادة البناء وإعمار المناطق المتضررة من الحرب على الإرهاب، وإنما يمتد لمساعدة النازحين الذين يُقدر عددهم بحوالي أربعة ملايين نازح، وتوفير الملجأ والتعليم والتطبيب لهم.
وكانت قد انطلقت مساء أمس (الثلاثاء) جلسات الاجتماع الوزاري للتحالف الدولي ضد تنظيم (داعش) بحضور 74 عضواً من الدول والمنظمات الدولية في إطار مؤتمر الكويت الدولي لإعادة إعمار العراق، ويشارك في هذا المؤتمر وزير الخارجية الأمريكي (ريكس تيلرسون)؛ الذي سوف يعقد مؤتمراً صحفياً بعد الجلسة الأولى للمؤتمر.
وكانت المُمثلة العليا للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي (فيديريكا موغريني) قد أكدت وقوف الاتحاد الأوروبي إلى جانب دولة الكويت لإنجاح المؤتمر، مشيدة بدور أمير دولة الكويت ورئاسته للمؤتمر. وأكدت وقوف الاتحاد الأوروبي مع دولة الكويت لدعم العراق، كما أشارت إلى أن هزيمة ( داعش) تعتبر نقطة تحوّل في تاريخ العراق، ويمكن أن تُعطي الأمل للمنطقة بأكملها، واعتبرت أن دولة الكويت تمثل "قوة الحوار والاعتدال في المنطقة".
وكان معالي الشيخ صباح الخالد الصباح نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الكويتي قد أكد لدى افتتاحه المركز الإعلامي المصاحب للمؤتمر أن مؤتمري الأمس يمثلان رسالة بشأن التزام المجتمع الدولي باستقرار العراق، ومواصلة الجهود الدولية للحفاظ على أمن المنطقة من خلال مواجهة تنظيم (داعش)، وأن المؤتمرَين جاءا ترجمة لتوجيهات سمو أمير دولة الكويت بالعمل على دعم العراق. كما أثنى (الخالد) على جهود الحكومة العراقية بانتصاراتها على (داعش) الإرهابي وتحرير أراضي العراق منه.
ولاحظ مراقبون ممن حضروا المؤتمر الصحفي لـ (الخالد) أن الخطاب الكويتي تجاه العراق يتّسم بالدفء والمودة، كما أن المسؤولين والإعلاميين العراقيين أبدوا – خلال كلماتهم – ودّاً واضحاً وكبيراً تجاه إخوانهم الكويتيين، وقد خص أمير دولة الكويت الصحفيين العراقيين – دون غيرهم – بلقاء خاص.
وبانتظار عقد جلسات اليوم، والبيان الختامي المرتقب، فإن أسئلة مشروعة تدور في أذهان العديد من المراقبين، فهل خرج العراق من أزمته "الدهرية" المتمثلة في الانشطار العرقي والمذهبي؟ وهل يوجد ضمانٌ بعد ظهور تيارات ومنظمات إرهابية مثل (داعش)؟ بل ومن أظهر (داعش) للوجود بعد القضاء على (القاعدة)؟ وهل سيتم إعمار كل مناطق العراق، بغض النظر عن غالبية سكان مناطقه؟ حيث أشارت صحفية كردية – خلال المؤتمر الصحفي لوزير الخارجية الكويتي – إلى أن الاهتمام بالمناطق الكردية ضعيف ومعدوم مقارنة بالمناطق الأخرى، وأن المناطق الكردية هي الأكثر تضرراً من (داعش)، مثل نينوى، جلولاء، تلعفر، ودهوك.. وغيرها، التي جرت فيها عمليات تعذيب واغتصاب رهيبة، وأن أهلها يحتاجون لتأهيل سريع. ناهيك عن أن الآلة الإعلامية لـ (داعش) قد مسحت عقول الأطفال وغيّرت المناهج كي تتواءم مع الأفكار الداعشة، وأبرز مثال أورده أحد المتحدثين، أنه حتى في العمليات الحسابية يتم استخدام فكرة العنف مثل (رصاصة + رصاصة = ؟؟) ناهيك عن وعود الشباب الغضّ بحوريات الجنة، وأن هذه الحياة لا تستحق العيش.. إلخ.
الأمل معقود على الآلية التي سيتم تطبيقها في توزيع المساعدات ومشاريع الإعمار، وبما يضمن إخراج العراق من أزمته.
الفريج القطري
تعد الأحياء السكنية في قطر (الفرجان) رمزاً للهدوء والخصوصية، حيث تمتاز المناطق التي تقطنها العائلات القطرية والمقيمون القدامى... اقرأ المزيد
234
| 03 أغسطس 2026
عندما يغادر الأعزاء .. لا يغادرون تمامًا
هناك أوجاع لا تُسمع، لأنها لا تخرج على هيئة صراخ، بل تعيش في التفاصيل الصغيرة. في المقعد الذي... اقرأ المزيد
213
| 03 أغسطس 2026
تنسيق ومشاورات مكثفة لدعم الحلول السلمية
انطلاقا من موقف دولة قطر الداعم لجميع المساعي الرامية إلى نزع فتيل التوتر، والتوصل إلى اتفاق شامل يحقق... اقرأ المزيد
132
| 02 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
12834
| 27 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2007
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1884
| 29 يوليو 2026