رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الكثيرون يعتقدون أن الانقسام الفلسطيني صار أثبت في الوجدان الفصائلي وعلى أرض الواقع من الاحتلال نفسه ، وأن إنهاء الانقسام صار أبعد وأعسر وأوعر من إنهاء الاحتلال .. ذلك الاعتقاد توطد وتدعم في ظل عدم القدرة على إنهاء الانقسام الفلسطيني دون إلغاء أحد الطرفين – حماس وفتح - لبرنامج الآخر أو للآخر ذاته ، وفي ظل عدم وجود الظروف الموضوعية لفرض جهة ما فلسطينية أو عربية أو غيرها بالقوة إنهاء لهذا الانقسام ، وفي ظل وجود هوة حقيقية بين الطرفين تتسع باستمرار وتمتلئ – للأسف – بعدم الثقة والتعديات ، والعدو يستغل وإلى المدى الأبعد كل ذلك ويوظفه عبر أدوات كثيرة في إضعاف وهدر كل مكونات القضية من شعب وحقوق ومشروع تحرير ..
في ظل كل ذلك يتطلع الشعب الفلسطيني وقواه السياسية ( ومن كل الأطياف والألوان والاختيارات ) إلى كل دعوة لإنهاء الانقسام على أنها بارقة أمل جدية .. لكنها – للأسف - سرعان ما تتبدد عندما يتدخل شيطان التفاصيل وسوء الظن والاشتراطات بعد أول تصريح مؤمل لكل طرف فيعود التصعيد والتوتير من جديد .. وثمة أشخاص بأعيانهم يتحركون دائما في مثل هذا الوقت ( وهم في فتح وفي أجهزة أمنها تحديدا ) للقيام بالعمل البائس ذاته .. ذلك يعني أن يبحث الجميع ( الطرفان ) عن مخرج لن ينجح ما لم تتوفر فيه جملة اعتبارات .. يجب أن تكون إبداعية وفيها من اعتراف كل طرف بالآخر بقدر ما في الانقسام من دهاء وخبث وقدرة نوعية للعدو على صنعه وإدامته واستغلاله وتوظيفه .. وأقول :
حتى ينجح مشروع إنهاء الانقسام وحتى يبقى لابد أن تتوفر فيه جملة أسس لابد أن تتقرر بكل موضوعية وبالتساوي في تحميل المسؤولية بين الطرفين ( مع أن الوقائع والحقائق تثبت أنهما ليسا متساويين سواء في التسبب بالانقسام وفي السعي لإنهائه .. لكن لنتجاوز ما قد يفهم انحيازا مخلا بأصل الفكرة ) وأقول : إن أهم هذه الأسس التي يجب أن يقوم عليها مشروع إنهاء الانقسام هي : 1- قناعة كل طرف بحاجته هو لإنهاء الانقسام ؛ وعدم قصر النظر على حاجة الآخرين له ، بعيدا عن أوهام الاستغناء والاستقواء وبعيدا عن المغامرة وعن سياسة عض الأصابع ، وفي هذه الحالة يجدر بكا طرف أن يسترجع إخفاقات مشروعه أولا وتضرره من الانقسام ثانيا ثم قدرته بالوحدة على تجاوز كل هذه التعثرات ثالثا وتاليا 2- استعادة وبناء ثقة حقيقية ومتصاعدة يوما بيوم وساعة بساعة بين الطرفين وأن يغرس كل طرف في وجدان الآخر أنه حريص على المصالحة بعيدا عن المناورات والرسائل البعيدة والقريبة والدورانات خارج فلك الوحدة الوطنية ، وفي هذه الحالة لا يعود للاعتقالات السياسية وعزل الآخر والدس عليه والطعن تحت الحزام والتآمر ضده والتحالف مع خصومه وتوظيف الإعلام في الحرب عليه إلا معنى واحد هو تخريب الثقة ، وفي هذه الحالة أيضا يصير تقديم فعل إيجابي ومتسامح مع الطرف الآخر أولوية ويصبح رهن ذلك بخطوات مقابلة ليس أولوية بل ليس مقبولا ، وفي هذه الحالة أيضا يحسن بكل فريق أن يعلي خطاب الوحدة بقدر ما يعلي خطاب الثبات على الثوابت وحماية الأوابد الوطنية 3- اعتراف كل فريق بالآخر وببرنامجه وبظروفه والتزاماته ومتطلبات جمهوره ، وتوفير مساحة مناسبة لتحركه ضمن هذا الإطار ، وفي هذه الحالة يجدر فسح المجال الإعلامي والسياسي له بقدر ما على الآخر أن لا يستغل المساحات والفسح الزمانية والمكانية والموضوعية في تعلية برنامجه على الآخر .. وليس يمنع هنا أن يستمر في قناعاته ودعاياته لنفسه ولبرنامجه .. 4- قناعة كل فريق بأن برنامجه ( التسوية بالنسبة لفتح ، والمقاومة بالنسبة لحماس ) لا يستطيع أن ينجز التحرير الوطني منفردا ولا يستطيع السداد مبتعدا عن الآخر .. يؤكد ذلك الواقع الفلسطينيي والعربي والدولي والحقائق على الأرض ومسيرة تسوية عمرها عشرون سنة فوق الأرض وعشرون أخرى مثلها تحت الأرض ، كما يؤكده الموقف الأخير للمقاومة التي طرحت شعار تهدئة مقابل تهدئة ( وليس لهذا تقوم المقاومات ولا به ينجز التحرير !! ) هذا لا يعني تمييع القناعات ولا التخلي عن المحددات ولكن يعني الاعتراف بالآخر الوطني وبحقه في تثبيت رؤيته بالتساوي والتوازي مع الذات ويعني أن يرضى كل طرف للآخر ما يرضاه لنفسه .. وهذا قمة الإنصاف من الذات وليس هو من التردد أو التميع في شيء 5- تحويل الخلاف بين الطرفين من تناقضي إلى تنوعي وتكاملي ، بمعنى أن تتيقن فتح من حاجتها لحماس وللمقاومة ولسقوفها العالية ، وأن تتيقن حماس كذلك من عدم قدرتها منفردة على تسيير الحياة اليومية للشعب الفلسطيني الذي تحت يدها ولا على إطلاق مقاومة للشعب الفلسطيني الذي تحت يد فتح والاحتلال المباشر في الضفة ، هنا الكلام والأفكار لابد أن تتجاوز الشعارات وهنا أيضا يتطلب قيادات فذة وكاريزمية تبرر ما سيبدو تحولات ، وهنا أيضا تطلب الحصافة من الطرفين لتصدير المواقف ( التكاملية ) على أنها اعتراف بالآخر واحترام للقيم الوطنية وللديموقراطية .. ليس مطلوبا بهذا الصدد من فتح ولا من حماس أن تخسر إحداهما المساحات التي تملكها أو تجيد العمل فيها فلحركة فتح ما تجيده ولها قنواتها ولها ما تحتاج فيه لحماس وما توفره المقاومة لها من هوامش مناورة وضغط على العدو ومن خطوط رجعة عند اللزوم .. كذا لحماس مصلحة في تواصلات حركة فتح وزخمها الرسمي وما تملكه من قدرة على تخفيض وتيرة العدوان عند اللزوم وعندما تريد ذلك فعليا .. وكل ما تريده فتح وحماس يجب أن يبقى فقط في إطار دعم هذا المشروع الوحدوي الذي أسميناه ( الخلاف التكاملي ) .
بقى أن نقول : إن كلا من فتح وحماس - من وجهة نظري الاستقرائية والتحليلية على الأقل - لديه الاستعداد للانخراط في مشروع من هذا القبيل أو لنقل لديه الوعي بقيمته وهو أمر مفهوم في العمل السياسي والوطني وهم يرون العدو كيف استطاع ( منذ أنشئ كيانه الإرهابي ) الجمع بين الديموقراطية والإرهاب ، وبين اليهودية والعلمانية ، وبين مشروع التسوية والعدوان العسكري الدموي .. فلماذا يمكن ذلك لدى اليهود والصهاينة شذاذ الآفاق ؛ ولا يمكن بين الذين قال الله تعالى فيهم ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) والذين تقرر في قرآنهم قوله تعالى ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) ؟ قلت : كلتا الحركتين تؤمن بما أقول وإن لم تفصح عنه .. ربما لأن الطروحات غير جدية ولأن الثقة بينهما مهتزة بل مهدمة : وهذه فتح التقت مع اليسار الفلسطيني - وإن على عوائد مختلفة - وتلك حماس أعطت لمنظمة التحرير بل لعباس شخصيا تفويضا بالتفاوض وإبرام الاتفاقيات - وإن بقيود وشروط - .
جدير التذكير والتأكيد على أن الانتخابات الفلسطينية التي يدعو إليها عباس ليست هي الحل حتى لو كانت مثالا في النزاهة والشفافية – وهو أمر مستبعد بل مقطوع باستحالته – والسبب بسيط هو : أن الخلاف لم يبدأ بالانتخابات السابقة وبالتالي فلن ينتهي بها ، فكيف إذا كانت انتخابات تقوم على التوريط والاستئثار ؛ بمعنى أن من يفوز سيأخذ الجمل بما حمل ، فإن فازت حماس تورطت بحمل أكبر من كل قدراتها وتكبدت حصارا أعمق وأشد فتكا من كل ما مرت به ، وإن فازت فتح استأثرت بالحكم كله وعزلت حماس وقهرتها وأوقفت المقاومة وكشفت ظهر حماس ، أيضا ليس الحل وإنهاء الانقسام بتوحيد المشروعين لا على المقاومة كما تطلب حماس وهو ليس بمقدور فتح ، ولا على التسوية ووضع الشعب الفلسطيني كله رهين المراد الصهيوني كما تطلب فتح أو يطلب منها العالم ..
آخر القول : هي إذن سياسة أو اتفاق لتوزيع الأدوار ، وهي محاولة للجمع المنطقي بين موقفي كل من حماس وفتح دون خسارة مميزات أحدهما ، وهي إذن قتال على جبهة التسوية ومن ورائها عالم طاغ لا يقبل بغير التسوية ، وجبهة المقاومة ومن ورائها منجزات وميراث عز وقانون إلهي وإنساني ودولي يبررها ومن ورائها أيضا تغيرات كثيرة جارية من حول فلسطين ومقاومتها تؤمل بمستقبل كبير وواعد .. فهل سنمسك لمرة وللأبد بزمام الأمور أم سنبقى ندور في اجترار التمنيات كما يدور .. بالرحى ؟
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
664
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
967
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
603
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4281
| 23 سبتمبر 2026