رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من روائع القرآن الكريم، ومن قلائل السور التي تقرأها دفعة واحدة، أو بدون توقف. فيها قصة كاملة، بطلها النبي الكريم يوسف - عليه السلام – الذي يمر بمشاهد متنوعة، تدور أحداثها في منطقة جغرافية محدودة، لكنها بلا حدود من الدروس والعبر والعظات. ومهما كتبت عنها، فإنك تجد المزيد مما يمكن الحديث عنه في كل مرة تعاود الكتابة عنها.
في هذه السورة تجد نفوساً بشرية متنوعة، هي نفسها التي تتكرر منذ بدء التناسل البشري، بدءاً بقصة ابني آدم هابيل وقابيل، كنفس قابيل الحاسدة وما بعدها من نفوس أخرى، ستظهر تباعاً على مدار التاريخ إلى يوم الناس هذا.. تجد مثلاً في سورة يوسف شخصيات عديدة، كل شخصية صاحبة نفسية معينة. فهناك النفس الطيبة، والنفس الحقودة، وثالثة شريرة، ورابعة ساكنة، وأخرى قلقة، إلى آخر قائمة النفوس البشرية المختلفة.
الحسد، مثلما أنه دفع بقابيل لقتل أخيه هابيل، والسُنّة السيئة التي سنّها بداية العهد البشري وما يعني ذلك من تبعات سيحملها على ظهره يوم الدين، فإنه الحسد نفسه أو مشهد الغيرة الزائدة عن الحد، يدفع بإخوة يوسف، وهم رجال بالغون ناضجون ومدركون، للخضوع أمام أهواء ورغبات نفوسهم غير السوية في تلكم اللحظات، والتي أشعل الحسد نيران قلوبهم ليدفعهم إلى تخطيط متسرع مليء بالثغرات، لا لشيء، سوى وضع حد لميل الأب الشيخ تجاه يوسف الصغير أكثر منهم، وهم الكبار، سنده وسواعده. فلماذا كل هذا الحب والميل إليه وليس لهم بالمثل؟ هكذا حدّثتهم نفوسهم، فكان التخطيط لقتل أخيهم، من بعد أن زيّن الشيطان لهم أعمالهم، فرأوه مقنعاً صائباً !
نفسية الشيخ الكبير الوقور، نبي الله يعقوب – عليه السلام – بدا عليها الاضطراب التدريجي وهو ينصت لابنه يوسف يروي ما رآه، فشعر أنها رؤية غير عادية قد يلعب الشيطان لعبته في عائلته، ما دفعه أن يطلب من يوسف كتمان ذلك عن إخوته.
ربما دافعه إلى ذلك هو احتمالية ما لاحظه من ذي قبل من لدن أبنائه الكبار، وإبداء بعض الانزعاج والامتعاض تجاه ميله الأبوي الفطري، وهو شيخ كبير، نحو صغيره يوسف. وبالتالي ربما هذا ما دفعه ليطلب من يوسف كتم رؤيته، ولا يقصها عليهم. لكن هل ذلك الكتمان غيّر من الأمر شيئا؟ بالطبع لا، لم يتغير شيء. خطة الإخوة الكبار أمست جاهزة، والنيات قد عقدت عزمها على التنفيذ، والجميع بانتظار ساعة الصفر.
الحسد وما يفعل
كمية حسد غير مفهومة في تلك النفوس ظهرت لنا من خلال مشاهد القصة. كميةٌ تدفعهم لارتكاب جريمة قابيل تارة أخرى، وقتل أقرب الناس إليهم. لتبدأ المشاهد تترى. بدءاً من مشاهد التودد للشيخ الكبير، وطلب موافقته لاصطحاب أخيهم الصغير في رحلة صيد، ثم مشهد خشية الشيخ من الذئاب، وانتهاء بمشهد الموافقة على خروج يوسف معه، بعد أن استودعه الله.
اقتربت ساعة الجريمة وكادت تنتهي بما تم الاتفاق عليه، لولا تلك النفس القلقة عند أحدهم، والتي غيّرت في اللحظات الأخيرة جزئية مهمة في الخطة، فكان الإلقاء في الجُب أو البئر، بدلاً من القتل، كي يموت الفتى الصغير بعيداً عن أعينهم، فذلك أخف وطأة على نفوسهم، أو هكذا بدا الأمرُ، كما لو أن بعض جزيئات الرحمة والشفقة اختلطت بأرواحهم في تلك اللحظات العصيبة، فقرروا إثر ذلك إلقاءه في الجب، بدلاً من رؤية أخيهم مخنوقاً أو مذبوحاً مسفوك الدم أمام أعينهم.
في ذلك إشارة مهمة لنا خلاصتها أن الخير لا يختفي أبداً، وإن تعمْلق وتعاظم الشر، بل إن الخير ليخرج من رحم الشر أيضاً. هذا ما حدث مع إخوة يوسف لحظة تغيير بعض تفصيلات الخطة، وليس إلغاءها. فالنية والعزم هو التخلص من أخيهم وإزهاق روحه، لكن أسلوب الخلاص تغير، وبهذا التغيير الذي هو لطفٌ من الله ربما بسبب دعوات الأب، تغير القدر أيضاً، ليعيش يوسف – عليه السلام – أعواماً مديدة، ستتغير أثناءها أمور أكثر، وتقع أحداث أ كبر.
محنة تحمل منحة
يخرج الصغير يوسف من كيد أو محنة الإخوة، ليدخل في محنة الرق وما سيتعرض له من بائعي الرقيق في مصر. حتى إذا خرج من محنة البيع في سوق الرقيق بعد حين من الدهر لم يطل، وجدته يدخل أجواء محنة جديدة هي العبودية، وإن كانت راقية، لكنها ضمن نطاق ليست لك حرية التصرف فيه كما لو كنت حراً طليقاً.
عاش في بيئة فاخرة مرفهة لكن بنفسية المغترب، التي تتطلب الكثير من الحذر والأدب والأخلاق الراقية في التعامل، لاسيما أنه بدأ يخدم في قصر عزيز مصر، أو رئيس الوزراء حينذاك، حيث الأجواء المخملية الغالبة على القصور بشكل عام. فيعيش يوسف سنوات شبابه ما بين أوامر: افعل ولا تفعل، وهات وخذ. ونفسه حزينة قلقة. حزينةٌ على ما كان من إخوته، وفراقه عن أبيه. وقلقةٌ مما ينتظره في قادم الأيام وهو بعيد عن أهله ووطنه، وهو لا يدري أن القادم أعظم وأشد على نفسه مما مضى.
تبدأ بعد ذلك محنة كيد النساء في مشاهدها المختلفة، ليعيش أوقاتاً صعبة وجدها لا تنتهي إلا بما هو أصعب. ليخرج من حياة القصور بتهمة باطلة، يعاني على إثرها آلام الظلم ويدخل حياة السجون، التي بدت له أجمل وأحب مما كان فيه. لكن المدة تطول عليه وقد تأمّل ألا تطول، ليعيش محنة السجن فعلياً، ومحنة الابتعاد عن الحياة ومعاملاتها، والناس وعلاقاتها، والتي مهما تبلغ من السوء وبشكل عام وبعيداً عن قصة يوسف، إلا أنها تبقى رغم ذلك، أفضل من حياة السجون والمعتقلات.
مكث ما شاء الله له أن يمكث بالسجن، حتى بدأت مشاهد الانشراح والانفتاح والكرم الإلهي. بدأت تتضح له ملامح المنح التي بدأت تخرج تباعاً من المحن. حيث يخرج من السجن بعد سنين عدة وبأمر مباشر من الملك، بعد أن تمت تبرئته من التهم الباطلة، وظهرت الحقيقة. ليتولى منصباً رفيعاً في الدولة، ويتحول بقدرة قادر إلى شخص يأمر وينهى، بعد أن كان يؤمر ويُنهى. وصار علماً ورمزاً للدولة، أو بطلاً قومياً بمصطلحاتنا الحديثة، فقد أنقذ الدولة من خطر مجاعة وإفلاس.. لتتوالى بعدها سريعاً المشاهد في القصة، لتدفع ظروف الحياة القاسية والمجاعة في فلسطين بإخوته، لطلب الاستغاثة من دولة الجوار في مصر، أو من القائم على أمر الاقتصاد هناك والمتحكم فيه، والذي لم يكن هذا الشخص سوى من ألقوه قبل سنوات ماضيات في الجب، حسداً من عند أنفسهم. فصاروا اليوم يطلبون معاونته وقت ضيقهم وشدة حاجتهم.
فهل ينتقم منهم ويحاسبهم على جريمتهم القديمة، وهو حق خالص له؟
تبرز في تلك الأثناء، أخلاق النبوة وأخلاق الفرسان. وبها يتعرف عليه إخوته، فصاروا في مشهد لا يمكن وصفه. عاشوا حينذاك لحظات ما بين رجاء وحياء. رجاء أن يعفو عما صدر عنهم تجاهه، وحياء شديد من فعلتهم التي لا يفعلها إلا من اتبع شهواته وانقاد لشيطانه.
يعفو يوسف الصديق عنهم ويصفح، ويُكرم نزلهم، ويدعو والديه للهجرة إليه والإقامة معه، لتتجسد رؤيته القديمة، بعد أن رأى والديه وإخوته الأحد عشر أمامه يسجدون سجدة تقدير واحترام، ليتردد قوله تعالى في وجدانك، وأنت تتخيل مشهد السجود (إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)، وليبعث في نفسك يقيناً تاماً، وتأكيداً جازماً على أن الخير باق إلى يوم القيامة، وأن الحق غالبٌ والباطل زاهقٌ لا محالة، والمكرُ السيئ لا يحيق إلا بأهله.. (لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب. ما كان حديثاً يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيءٍ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4494
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4245
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
3069
| 07 مايو 2026