رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأمم التي تملك شجاعة مواجهة النفس، أمم قادرة على البقاء ومواجهة التحديات. ومواجهة النفس بقدر ما تحمل من سمات الشجاعة، فهي لا تحتمل الخداع أو الكلمات ذات الطنين، أو الخلل في التوصيف، ويلزم الحديث والحوار خلالها بالموضوعية والصدق والتدقيق في الألفاظ التي تذهب للمعنى مباشرة وقاطعة دون أن تكون حمالة أوجه، وأي حديث تعبوي أو تحريضي يبقى تأثيره خادعا للإرادة ولا يرتقى بحالة الوعي بل يزيدها حيرة ويصبح الحديث مجرد قطع زمن أو تلوين صورة دون مضمونها الحقيقي، وكل حديث تعبوي أو تحريضي في مراحل مواجهة النفس هو تشتيت للوعي أكثر منه تعميقا للرؤية واستنزاف للجهد بديلا عن تحديد مهام اتجاه المجهود الرئيسي.
ما يدور في مصر يتسم بالاختلال في التعريفات والمعاني وحسابات الوجود والانتماء، وكأننا في استعراض بين الطاووس والحدأة، وغابت الصقور والنسور وكأنها انقرضت.
مصر بعد الثورة كأنها ريشة في مهب رياح عاتية، تقتلع الأخضر وتهدم حضارة وتطمس هوية، وكأن المصريين بلا ذاكرة وبلا عقل، ويعيد كل من شاء تعريف ما يريد حسب الأهواء، وصار الخداع والكذب والادعاء سمة اللحظة.
تعلمنا أن أي بيان من مستوى أعلى بالقوات المسلحة للمستويات التالية له هو أمر قيادة، والقيادة لا تعرف الاعتذار ولا التذلل ولا التسامح، والقيادة إن أرادت الاعتذار تتنحي عن مسؤولياتها لغيرها، أو تطلق الرصاص على نفسها للانتحار، والقيادة تعبير عن كرامة أمة، تعبر عن عزتها، ولا تتذلل لشعبها، إرضاء أو نفاقا، والقيادة التي يدخل قاموسها التذلل تفقد قدرة حماية عزة الأمة وكرامتها، والقيادة التي تجهل أبعاد ما حدث وقت أن كانت مسؤوليتها المباشرة أن تملك المعلومات وتعد للموقف، قيادة لا تستطيع مواجهة المواقف، بل هي تدخل معركتها وميدان المعركة منطقة عمياء لها.
هناك وقفات تعبوية للقوات في الحرب بين معاركها وأهدافها المتوالية، ولكن درة التكتيك العسكري هو "سرعة استغلال النجاح"، وهو أمر يحتاج إلى امتلاك دائم للقدرة على تقدير الموقف وسرعة اتخاذ القرار.
الوقفة مع النفس لا تعني تكرار الحديث عن سلطة الإخوان، وتحول مصر إلى بيئة حاضنة للإرهاب، أو غياب أهداف الثورة واعتقال وقتل ومحاكمة كل من يتحدث حولها، وتحول الشعب إلى كتل متنافرة، بين الإيمان والكفر، والاستيلاء على الدين حسب الهوى، وتفكيك الدولة ضمن إستراتيجية التفتيت للإقليم، ومما يضاعف الخطر إلى حد انتحار الدولة هو غياب مفهوم الأمن القومي واستبداله بأحاديث جوفاء لا تعني غير الجهل بشموليته وما يفرضه علي مفاهيم الديمقراطية الوليدة التي صارت "قميص عثمان" تخليا عن مسئوليات واجبة تجاه ثورة شعب.
إن الوقفة الموضوعية مع النفس تلزمنا بالحديث عن عنوانين رئيسيين:
الأول: ما يطلق عليه المعارضة.
مجرد القبول بصفة المعارضة، هو قبول بأنهم طرف في نظام، وقبول بدستور جري صناعته بعيدا عن التوافق. ومؤدي ذلك هو القبول بلعبة الانتخابات، وبالاحتكام إلى صندوق التصويت، هو ذات منهج المعارضة مع النظام السابق، القبول بالنظام والصراع داخله علي السلطة وفقط، دون وجود نقاط تمايز في الرؤية السياسية أو الارتباط الشعبي. وصار الصراع علي السلطة يركن إلى توصيف لأطرافه بأسماء الأشخاص، وصارت السياسة تجريف للثورة ولمعني التغيير. ولم تفقد الحالة السياسية في مصر معارك الوهم، وأحاديث تسقط من حسابها ما يجري علي الأرض من إهدار للأهداف وللهوية والزمن، لصالح الاقتتال إمام عدسات التصوير، وصارت عجلة القضم والهضم لوجود الوطن أكثر إنتاجا من المقاومة، وتساوت جماعة الإخوان مع المعارضة في تقدير الشعب وتوصيفه، وإذا خسرت الإخوان وجودها بين الناس، فهو أمر مرده ما تؤتيه الجماعة من أفعال وانكشاف أمرها أمام الشعب، وهو معامل لا يمكن الارتكان عليه، ودلالة ذلك أن سؤالا جوهريا يطلقه المواطنون عما يمكن أن يكون بديلا للإخوان، يرفضونهم نعم، ويسألون باستنكار لغيرهم عن البديل. وصار المواطن مطالب بالمقارنة بين حالة السكون والجهالة لدي المعارضة وبين حالة الاستحواذ والسيطرة من جماعة الإخوان، مقارنة بين سكون وفعل وليس بين فعل للثورة وفعل مضاد لها.
لم تنتج الثورة قوي اجتماعية تتحالف لصالحها، ولكنها أنتجت أسماء أشخاص تحمل ختم ميدان التحرير وعرقه ومواقف جرت حينها، وورثت بذلك مستقبل الوطن.
ويستخدم التعامل الأمني تارة لوأد عناصر مقاومة، وتارة أخرى لصناعة نجوم سياسية جديدة دون سند لها من الواقع.
غابت مهام المرحلة الانتقالية، وصارت العشوائية هي سمة الأداء العام، ويدفع الشعب الثمن مرة تلو أخرى، ويتحمل هو أعباء الحياة اليومية وألم ضياع الحلم المحتمل.
الثاني: الجيش والدولة.
كتبت من قبل حول أمر العلاقة بين الجيش والدولة ما أرى انه من المفيد تذكره "العلاقة بوجه عام بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية علاقة معقدة وبالغة الأهمية خاصة في البلاد النامية التي تحدث فيها التغييرات الداخلية عادة باستخدام القوات المسلحة والتي لا يتحدد فيها أسلوب نقل السلطة بطريقة تمنع الهزات والرجات. إن اختلال التوازن في العلاقة بين القيادتين يتسبب في مخاطر كثيرة تؤثر على الأمن القومي للبلاد مما يحتم معالجة الموضوع معالجة حاسمة وحكيمة وواضحة.
تشير دراسات متعددة إلى أن العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية ترتبط بمدي التوازن في القوة والسلطة بينهما.
وأن هناك مهمة داخلية يراها الخبراء في العالم هي دفاع عن النظام السياسي (الدستور) القائم ويبقي السؤال: ما إذا كانت ستتدخل؟ ومتى وكيف؟ مكملا لمنظومة العلاقة بينهما".
الفارق بين جوهر العلاقة علميا وبين ما يجري في مصر يعود إلى ما يلي:
1. إن الجيش لم ينقلب علي النظام السابق، ولكنه استلم سلطة الإدارة بعد ثورة الشعب.
2. إن المجلس العسكري الذي تسلم السلطة، أدارها بأسلوب يتنافى والمنطق ومجريات الأمور خلال المراحل الانتقالية، وصار أداء المجلس العسكري مشوبا بالانحياز إلى جماعة الإخوان وتمكينهم، وفتح الباب على مصراعية للتنظيمات الدينية للظهور متجاوزا واقع المجتمع السياسي، بل وفتح باب الدخول إلى مصر لجماعات كانت تمارس القتال خارج مصر.
3. إن هناك وقائع جرت مازالت دون التحقيق استشهد فيها شباب وتعرضوا للاعتقال والمحاكمات العسكرية، ولم يجر أي تحقيق في هذا الشأن، واستطاب الطرفان الانقسام بين من يهتفون بسقوط حكم العسكر، والمجلس العسكري الجديد يعتب إنهم تحملوا في هذا إذا كبيرا، وصار تبويس اللحي بعد رحيل المجلس القديم وقدوم الجديد، بديلا عن المواجهة الموضوعية.
4. عندما حاول المجلس العسكري السابق مراجعة أمر تشكيل اللجنة التأسيسية عبر إعلان دستوري مكمل، تجاهل المجلس العسكري الجديد ما ترتب على أداءات سابقه من اختطاف الدستور وصياغته ومضمونه. وتصور المجلس العسكري الجديد انه يبدأ من أول السطر، بينما ذاكرة الشعب لم تنسي مسئوليته عما جري، وللمرة الثانية يجري الحديث العاطفي ولا يجري التقييم الموضوعي ولكن هذه المرة يكون الواقع قد تغير إلى بيئة حاضنة للإرهاب، ويتبدى أن هناك تدخلا أمريكيا يوجه أو يستحسن، وصار الخطر يحيط بالأمن القومي ووجود الدولة.
5. صمت عناصر كانت تحسب على الثورة عن الهتاف ضد المجلس العسكري، كشف واقع أن الخصومة الحقيقية بين الجيش والسلطة وموالوها. لم يسلموا من التوصيفات او الحصار بالقرارات أو حتى الاتهام بالتآمر، لم يعترفوا بحقيقة أنهم جاءوا بكل هذا وهم مسؤولون عنه، بل ادعوا وللمرة الثانية أن الصندوق هو الحل.
6. اختلت العلاقة بين الجيش والشعب من جديد، وكأن الشعب مطالب أن يكون أكثر رجاحة في العقل من السلطة والمؤسسة العسكرية، وهو الذي يدفع ثمن الغلاء والانفلات الأمني، وتحرق التصريحات بالتهديد والوعيد من التنظيمات الدينية كل أمل لديه في استعادة المسار الصحيح للثورة التي أراد منها هدف "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية".
7. ووجد الشعب نفسه بين شقي رحى الجماعات والمجلس العسكري الجديد، وكثرت التأويلات، خاصة أن المناورة بالشعب أو علي الشعب هي مغامرة وليست تكتيكا يؤدي لتوازن القوي، أو إعادة الأمل للشعب.
8. إن حديثا لا يحمل أي منطق يقول بان الجيش المصري فقد خلال الفترة الانتقالية قدرته القتالية وحالة الانضباط داخلة، خاصة وان بناء جيش فوي وتنوع مصادر السلاح كان حديث الثورة، ولم يتعرض الجيش لغير عدوان رفح، ولم يحقق الجيش سيطرة علي ارض سيناء، بل إنه يقوم بهدم الأنفاق بينما التوصيف انه في هدم الأنفاق يدخل صراعا مع سلطة الاخوان، وان القرار السياسي يغل يده عن التعامل مع الجماعات الإرهابية، فهل يتحمل الأمن القومي هذا الانقسام.
المعارضة والجيش هما مبحث اللحظة بالكلام، والضحية وطن وامن وحلم المستقبل.
يقول البعض بأن الجيش إذا وضع في اختيار حقيقي بين وطن ولا وطن لكان واضحا أمامه الانحياز، ولكن الدعاة إلى موقف يتخذه الجيش من السلطة القائمة تحكمهم الأهواء، وهذه المقولة بقدر محاولتها لرأب الصدع بين الشعب والجيش بقيادته الحالية، فهي تنطوي على اتهام ضمني أن فقدان الأمن القومي واستباحة مصر وأرضها من جماعات الإرهاب لم يصل إلي إدراك ووعي القيادة العسكرية.
الأمر ليس اتهاما هنا أو هناك، ولكن الأمر أن العقل والفكر يجب أن يسبق تحول الخطر إلى واقع، فهل تترك قيادة الجيش الكلام لغيرها وتحول دون إهدار أمن مصر القومي الذي يبدأ من لقمة العيش إلى حق الحياة وفق دستور توافقي؟ هل تنحي قيادة الجيش جانبا الحديث عن حماية صناديق الانتخاب؟ هل تكتشف قيادة الجيش لنفسها سبيلا صحيحا لأعمال إرادة الشعب؟ قال وزير الداخلية إن محمد مرسي غير مسجل بسجن وادي النطرون الذي هرب منه، ويقول قائد الجيش بعد عام كامل إنه لا يعرف من قتل الجنود في رفح، فكيف سيحمون صناديق الانتخاب؟.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
7281
| 11 أغسطس 2026
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
5577
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
2484
| 16 أغسطس 2026