رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما يجري في سوريا من ثورة شعب وأزمة نظام وتدخلات خارجية وانعدام أفق لإيقاف الدماء ومواصلة النظام قصف المدن ومحاصرتها وتجويع الناس وانتهاك الأعراض وتخريب اللحمة الوطنية وتهديم البنية المؤسسية ونفاذ محاولات النظام الالتفاف على الثورة بالانتخابات والإصلاحات.. وفي مقابل ذلك صمود الناس واتساع نطاق الثورة وسخونة أكثر من 650 نقطة تماس بين الدولة والشعب من شمال سوريا إلى جنوبها رغم كل الخسائر.. كل ذلك قد وصل حدا يؤشر الوصول إليه على حقيقتين اثنتين قادمتين بالتطور التلقائي والتراتب الزمني لا محالة ؛ الحقيقة الأولى: أن النظام أصبح أسير منطق الدم وعاجزا عن اجتراح الحلول وعن إيجاد هوامش مناورة لاحتواء الأزمة.. والثانية: أن الشعب السوري لن يعود إلى الهدوء قبل أن يحقق ما خرج قبل سنة ونصف ثائرا لأجله..
في ظل هذه الحقائق فإن سوريا تحيق بها الخطورة من كل جانب.. تحيق بها كدولة وكمجتمع وكخط أول في جبهة المواجهة مع العدو بما يوجب على طرفين أن يتحركا لرتق الخرق وإنقاذ الموقف.. الطرفان هما: الثوار وقياداتهم ورموز المعارضة من جهة، ثم الوسطاء وبعض أنصار النظام بالأخص الذين يتقاربون معه على أساس مصلحتهم في سوريا الوطن والموقف والممانعة أكثر من سوريا النظام والعائلة الحاكمة والفساد والاستبداد..
أما الثوار وقادتهم فما يؤدونه لا يمكن اتهامه أو التقليل من قيمته إذا أخذنا بنظر الاعتبار نوعية النظام ودمويته وأنه لم يكن يسمح ببذرة معارضة أن تنبت أو ترتفع عن وجه الأرض.. من هذه الزاوية فإن ما قدمته وتقدمه الثورة السورية وما وصلت إليه حتى الآن يعتبر إنجازا كبيرا.. لكن السؤال: هل هو كاف لتجنيب سوريا منزلق الحرب الأهلية وفخاخ الخارج لها؟ وإذا تطورت الأحداث لهذين المنزلقين فهل تعذر الثورة السورية وهل هي بعيدة عن المسؤولية مهما كانت نياتها طيبة؟
على الثورة السورية أن تنجز وعاجلا مهمتين استراتيجيتين توقيا لذلك ، الأولى: تتعلق بقيادتها والثانية تتعلق بطروحاتها وتكتيكاتها.. أما ما يتعلق بقيادة الثورة ؛ فالضرورة تقضي أن تكون مقتدرة وفاعلة وموحدة تملأ الوجدان الثوري والوطني ثقة وأملا، وهو ما - للأسف - لم تتمكن منه حتى الآن.. فكل يغني على ليلاه ولا يسمع إلا نفسه ولغة الحوار بينها هي حتى الآن – وللأسف مرة أخرى – هي لغة التناقضات والمحاصصات وحسابات الربح والخسارة على الصعيد الشخصي والحزبي والاتجاهي.. مطلوب هنا أن يكون جامع قيادة الثورة وقاسمها المشترك القناعة بأن المفسدة كل المفسدة في بقاء نظام عائلة الأسد المتسلطة على رقبة سوريا وفي إزهاق الدماء وأرواح الأبرياء كل صباح ومساء.. وأن الخسارة من جراء تدخل خارجي عسكري ضد الجيش السوري ومعسكراته ومفاصله وأن تخرج سوريا بذلك من التاريخ لعشرات وربما لمئات السنين هي أكبر الخسائر.. قيادة الثورة يجب أن تبني تواصلات حقيقية مع الداخل والخارج، وأن تكون إرادتها حقيقية وأن تكون رؤيتها منطقية وواقعية، وأن تكون ممثلة لأكبر قطاع من الثوار مهما تباينت الرؤى والأيديولوجيات.. هذه القيادة وبهذا المنطق ستقطع حجة النظام ووسطائه الذين يتذرعون بعدم وجود قيادة للثورة يمكن التفاهم معها، وستشكل رافعة للثورة وستزرع في وجدان كل ثائر رؤية وأملا واستمرارية وتراكما لا بد منها جميعا للصمود ثم للوصول إلى الإنجازات..
أما المهمة الثانية التي على الثورة أن تنجزها فهي: أن تمتلك في المجال السياسي والدبلوماسي من المواقف والعروض والتكتيكات ما تحرج به النظام وأنصاره وما تحشد معها الدعوم.. لا بد أن تمتلك الثورة أدوات اللعبة السياسية، وأن لا ترتكن إلى" الهلوكوست " الدموي.. وعليها أن تتجاوز المواقف المغلقة والتواري خلف التعنت ورفض كل شيء.. على الثورة أن تكون أكثر من " مفعول به منصوب للاستهداف الدموي " وعليها أن تجترح طروحات وحوافز وأن تستثمر نقاط قوتها وأن تكون لها مساوماتها مع أنصار وأعوان النظام وحتى مع أطراف داخله أو حتى معه ذاته في لحظة ما وأن تكون لها مخارج وعلاقات وحلول وسط وتجزيئية وترحيلية وتدريجية.. فالعمل السياسي والدبلوماسي ليس مجرد كلمة تقال ثم ظهر يدار..
البعض يظن أن الطروحات والتكتيكات تفقد الثورة الزمام وتفتت موقفها السياسي.. وهذا غير صحيح إذا أردنا أن نتحدث باللغة التي يفهمها العالم وتقوم عليها الدبلوماسية.. فهذه حماس تفعل الشيء ذاته مع العدو كعدو ومع نديدتها فتح كمنافس مناكف.. ما جعلها في نظر العدو وفي نظر شعوب العالم أكبر من مجرد حركة أصولية دينية وأكثر من آلة قتل.. إلى أن تكون حركة مقاومة تملك رؤية منطقية بمسؤولية وطنية ويمكن التواصل معها والاعتراف بها..
وأما الوسطاء وأنصار النظام والمتعاطفون معه والمدافعون عنه فعليهم أن يروا المصير الذي ينتظره إن استمر متلبسا بالدم والموت والتدهور الأخلاقي والدبلوماسي الذي يتلبس ويتلبك به.. هؤلاء يجب أن يروا سوريا الدولة والثورة والشعب والمستقبل أهم وأغلى وأعظم من سوريا النظام بأشخاصه وبالعائلة التي تحكمه.. هؤلاء عليهم أن يروا الفرق بين موقف النظام في ملف الممانعة وموقفه من شعبه ومعارضيه وجرائمه بحقهم.. هؤلاء عليهم أن يغيروا باكرا وقبل فوات الأوان نظرتهم للأمور وتحركهم فيها كما فعلت روسيا أخيرا..
آخر القول: على قيادة الثورة السورية أن تتوحد، وأن تكون على قدر قداسة الدم الذي يقدمه شعبها، وعليها أن تغادر لغة الإجماليات والارتكاز على الخارج، وعليها أن تطرح كيفيات سياسية تفصيلية تحاصر بها النظام.. وعلى الوسطاء الإقليميين والدوليين أن لا يتكئ بعضهم على بعض، وأن لا يتواروا خلف التصريحات الكلامية واللغة الإنشائية والمبادرات غير الفاعلة..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3321
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026