رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تمضي الاستعدادات قدما لتشكيل اللجنة التحضيرية للحوار الوطني على ضوء النتائج التي توصلت إليها لجنة الاتصال الثمانية الرئاسية التي استمر عملها لمدة شهرين وقدمت تقريرها النهائي للرئيس عبدربه منصور هادي الأسبوع قبل الماضي، وفيما يدور الكثير من النقاش حول تحديد عدد أعضاء اللجنة التحضيرية لم يكن قد تم حسمه عند كتابة هذا فإن التشكيل في أقصى الأحوال لن يزيد على خمسة وعشرين عضوا لضمان نجاح التحضير رغم نصائح الخبراء الدوليين في مجال الحوار بألا يزيد العدد عن خمسة عشر عضوا وهي نصائح ناتجة عن خبرات سابقة وعمليات حوار دارت في العديد من الدول، إلا أنه يبدو أن من الصعوبة بمكان اختصار العدد إلى ذلك الحد بسبب كثرة عدد الأطراف التي ينبغي تمثيلها، وحتى لا تحدث ردود فعل سلبية تعرقل مسار التحضير كتلك التي كادت أن تحدث عند تشكيل لجنة الاتصال الرئاسية من ثمانية أعضاء.. وعلى كل حال فإن اللجنة المزمع تشكيلها ستكون لجنة تحضيرية لا أكثر مهمتها التحضير لتشكيل لجنة موسعة للحوار الوطني هي التي سيرتكز العمل الأساسي عليها بحيث تطرح مخرجاتها التي يفترض أنه سيتم التوافق عليها على مؤتمر للحوار الوطني يعطي المشروعية الكاملة لكل ما سيتم التوافق عليه من قضايا جوهرية ترسم مستقبل اليمن وتجسد أهداف الثورة الشبابية الشعبية السلمية التي أحدثت أهم تغيير سياسي في تاريخ اليمن الحديث أنجزه معظم أبناء الشعب اليمني بمظاهراتهم واعتصاماتهم وصمودهم وتضحياتهم على امتداد عام كامل تقريبا وليس النخبة السياسية أو العسكرية كما حدث في فترات سابقة.
وبالتأكيد فلن يكون تحديد عدد أعضاء اللجنة التحضيرية فقط كبيرا كان أم محدودا هو سبب نجاح عملية التحضير من عدمها، إذ إنه لن يزيد عن كونه عاملا مساعداً فكلما قل العدد كانت النقاشات والحوارات أيسر وأقرب للتوصل إلى نقاط مشتركة وبالذات إذا كانت المصلحة العليا لليمن هي القاسم الرئيسي بين أعضاء اللجنة التحضيرية.. ومفهوم (المصلحة العليا لليمن) هنا واضح المعالم بمعنى أنها المصلحة الراجحة للبلد والشعب ككل وهذا يعني كل العوامل التي تؤدي إلى سيادته واستقراره وأمنه ورخائه وكرامة أبنائه.. ومهما تباينت الآراء في مفهوم (المصلحة العليا) فإن التوافق عليه ليس مسألة معقدة باعتبار أن أمامنا العشرات من النماذج في العالم لدول عانت من اضطرابات وعدم استقرار وتمكنت بالتوافق على المصلحة العليا أن تصل إلى بر الأمان وتستقر وتمضي مجددا في عملية البناء.. وبالمقابل من الواضح أن نجاح الحوار الوطني هو مطلب خارجي ومصلحة خارجية أيضا، بمعنى أن الحوار الوطني ينبغي أن ينجح وأن يحقق نتائج إيجابية وأن يخرج اليمن من مرحلة الثورة الشعبية إلى مرحلة بناء دولة القانون والاستقرار السياسي والاقتصادي باعتباره المنتهى الذي سعت إليه المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية من خلال المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي ومجلس الأمن الذي أصدر قرارين هامين عن اليمن العام الماضي وهذا العام وهما القرار 2014 والقرار 2051 لتأكيد الاهتمام الدولي بمسارات الحل في اليمن وتجنيبه كارثة الصراع والحرب الأهلية والتمزق والتشرذم.. ولعل هذا الأمر يجعل اليمن محظوظاً فإن لم يتحمل ممثلو الأطراف السياسية مسؤوليتهم تجاه نجاح الحوار فإن المجتمع الدولي سيجبرهم على إنجاز مثل هذا النجاح وهو ما ينبغي أن يفهموه مقدماً فيكونون أكثر فاعلية وأكثر مرونة وأكثر استعداداً لتقديم التنازلات لبعضهم البعض.
يأتي السؤال الذي يفرض نفسه هنا وهو هل هناك من الأطراف المعنية اليمنية من يريد إفشال الحوار أو على الأقل لا يتمنى نجاحه.. بالتأكيد يوجد طالما كان نجاح الحوار يتعارض مع مصالحه السياسية أو رؤاه المستقبلية أو أحلامه وأمانيه أو مع ما يروج له من تصورات، وأستطيع الجزم منذ الآن أن هناك شخصيتين يفترض أنهما تاريخيتين لا يريدان لهذا الحوار أصلا أن يكون، وإن كان فإنهما لا يتمنيان له النجاح بحال من الأحوال وهما (العليان) اللذان أنجزا وحدة اليمن عام 1990م (علي عبدالله صالح وعلي سالم البيض) وتجاوز كل منهما في حينه معارضي المشروع الوحدوي في الشطر الذي كان يحكمه لينتصرا له، ولست أدري إن كان يصح أن أقول (ليتهما لم يفعلا) لأن سياساتهما بعد الوحدة دمرت المشروع ولم تبنه، وأساءت إليه ولم تحسن.. فالعليان بسياساتهما الرعناء خلال سنوات الفترة الانتقالية الأربع (1990 – 1994) وتنافسهما المحموم على شراء الذمم بالمال العام ومماطلتهما في توحيد الجيش ومكر كل منهما بالآخر أوصلا البلاد إلى طريق مسدود انتهى بالحرب التي يتحملان مسؤوليتها فكلاهما كان يستعد للحرب بل إن البيض اشترى صفقات سلاح حديثة جدا بقياس ذلك الوقت بتمويل إقليمي لإنجاز مشروع الانفصال الذي كانت بعض دول الإقليم تعتبره مصلحة لها لولا الخط الأحمر الذي وضعته الدول الكبرى باعتبار الوحدة اليمنية مصلحة يمنية وإقليمية ودولية راجحة وهي رؤية لم تتغير حتى الآن بالنسبة للدول الكبرى في العالم وانضمت دول الإقليم مؤخرا إليها بعد أن أدركت مؤخرا أن المشكلة لم تكن أصلاً في الوحدة اليمنية بل في سياسات الرجلين اللذين أنجزاها.. وقد ثبت ذلك جلياً عبر السياسات التدميرية اقتصاديا ومعيشيا وسياسيا التي انتهجها صالح عقب انتصاره في حرب 1994م تجاه الجنوب تحديدا، فهو لم يكتف من خلال الحرب بإقصاء شركائه في تحقيق الوحدة الممثلين بالحزب الاشتراكي اليمني ولكنه قام بالتدريج بتهميش شركائه في تحقيق الانتصار وهم القوى الجنوبية التي وقفت معه في تلك الحرب التي يعتبر وزير دفاعه خلالها ونائبه لاحقا عبدربه منصور هادي رمزا لها، وإقصاء الشركاء الآخرين الممثلين بحزب التجمع اليمني للإصلاح خلال أول انتخابات نيابية أعقبت حرب 1994م.. وكان آخر المهمشين كل القادة العسكريين والأمنيين الذين وقفوا معه للدفاع عن الوحدة وبعضهم من أقاربه وأبناء منطقته وقريته الذين حافظوا على حكمه طوال أكثر من ربع قرن حتى وجدوا أنفسهم يهمشون واحدا بعد الآخر ليخلو الجو للإطار العائلي الممثل بأنجال الرئيس وأخويه وأبناء إخوته.. وهكذا كان صالح يمضي في عزل نفسه بنفسه شعبيا ونخبويا في بلد كان يتدهور يوما بعد آخر دون أن يقبل أي نصح من كل الذين كانوا يحاولون إقناعه بمخاطر التفرد العائلي بالسلطة.. وفي الوقت ذاته عاد علي سالم البيض لممارسة نشاطه السياسي في العام 2008م بسياسات تدميرية مجدداً ولم تجد معه كل المحاولات التي بذلها عقلاء المعارضة الجنوبية في الخارج، ووصل به الأمر إلى مد يده لبلد كإيران لتمويل أنشطته التدميرية وقناته التلفزيونية العنصرية التي تحرض ضد كل ما هو شمالي، ناهيك عن رفضه التجاوب مع كل الدعوات التي وجهتها له لجنة الاتصال للمشاركة في الحوار الوطني.. وفي ظني فإن المصلحة الوطنية تقتضي استبعاد (العليين) وما يمثلانه من الحوار لأن مشاركة ممثلين لهما لن تكون إلا مشاركة سلبية تسعى لتدمير الحوار لتثبت للعالم نظريتيهما.. فصالح يريد أن يثبت للعالم أن اليمن لن يبقى موحدا بعده وأنه كان صمام الأمان الوحيد له متجاهلاً أنه كان يمكنه أن يظل كذلك لو قدم مصالح اليمن على مشروعه العائلي في الحكم.. كما أن البيض يريد أن يثبت للعالم أنه صاحب التأثير الأكبر في الجنوب مع استمرار التحريض على الانفصال وفك الارتباط ودعم العمل المسلح، ورغم ارتفاع هذا الصوت إعلامياً إلا أن الواقع في الجنوب يقول غير ذلك فآمال المواطنين هناك ارتفعت بإمكانية تصحيح مسار الوحدة بعد الثورة الشعبية السلمية التي شملت اليمن كاملا وثبت للمواطن الجنوبي أن أخاه المواطن في الشمال وحدوي مثله باعتباره الذي قوض حكم الرئيس الشمالي علي عبدالله صالح واندفع للتصويت بقوة للرئيس الجنوبي عبدربه منصور هادي متحررا من كل العقد المناطقية والشطرية.. ولذلك ينبغي على السياسيين وهم يديرون الحوار الوطني في المرحلة القادمة أن يحيطوا جيدا وبكل حيادية بطبيعة المصالح الوطنية التي يجتمع عليها كل اليمنيين شماليين وجنوبيين، وأن يبتعدوا قدر الإمكان عن التنظيرات الخرقاء والتصورات الكسيحة التي لا تنظر إلى أبعد من قدميها.. وعلى الرئيس هادي أن يدرك أن 50% من النجاح المنشود للحوار الوطني متوقف على إعادة النظر في الأداء الحكومي وتحسين مستواه وتحديد أولوياته.
قلوب لا تصلح إلّا للحبّ!
في كل دعوة أو مناسبة يحضر فيها زملاؤك في العمل أو أقاربك أو أصدقاؤك المقرّبون ستشعر بالاحترام الكبير... اقرأ المزيد
282
| 29 مايو 2026
مقهى الرواق
رنّ المنبه كعادته في السادسة صباحًا، فأوقف جاسم المنبه ونهض مسرعًا استعدادًا للذهاب إلى الجامعة كان جاسم طالبًا... اقرأ المزيد
96
| 29 مايو 2026
شغف القراءة بين الأمس واليوم
لم يعد شغف القراءة موجودًا إلا عند قلة قليلة من الناس، بينما كان الناس قبل عشرين أو خمسٍ... اقرأ المزيد
78
| 29 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
2565
| 23 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
969
| 29 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ الغربة من أقرب المسافات… من داخل المنزل نفسه. من تلك اللحظة التي يجلس فيها الجميع معًا، لكن دون حديث حقيقي، ودون شعور حقيقي بالحضور. أصبحنا نعيش حياة سريعة لدرجة أننا فقدنا التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع دفء العائلة. كل شخص يحمل همومه الخاصة، وضغوطه، وعالمه المغلق، حتى تحوّلت البيوت تدريجيًا إلى أماكن للراحة الجسدية فقط، لا للاحتواء النفسي. الأب يعود متعبًا من مسؤوليات الحياة، والأم تُرهقها الضغوط اليومية دون أن تجد من يسألها عن تعبها، والأبناء يعيشون داخل عوالم رقمية طويلة، يهربون إليها أكثر مما يقتربون من أسرهم. ومع الوقت، أصبح الحوار أقل، والمشاركة أضعف، والمشاعر مؤجلة دائمًا إلى وقت لا يأتي. المشكلة ليست في قلة الحب، فالكثير من العائلات تحب بعضها بصدق، لكن التعب غلب التعبير، والانشغال سرق التفاصيل، والاعتياد جعل الجميع يظن أن وجود الآخر أمر مضمون لا يحتاج إلى اهتمام أو احتواء. نحن لا ننتبه عادةً إلى أن العلاقات لا تنهار فجأة، بل تبهت بصمت. تبدأ بتأجيل الجلسات العائلية، ثم يتحول السؤال عن الحال إلى مجرد عادة سريعة، ثم يعتاد كل شخص على وحدته داخل البيت نفسه. حتى المناسبات العائلية لم تعد كما كانت، أصبحت الهواتف حاضرة أكثر من الأحاديث، والصور أكثر من المشاعر، والوجود الشكلي أكثر من التواصل الحقيقي. المؤلم أن بعض الأشخاص لا يشعرون بالوحدة خارج المنزل… بل داخله. يشعرون أنهم غير مفهومين، أو أن أحدًا لا يلاحظ صمتهم، أو تغيرهم، أو حتى تعبهم النفسي. وهذا النوع من الوحدة من أكثر المشاعر قسوة، لأن الإنسان يتوقع من منزله أن يكون مساحة أمانه الأولى. هناك شعور قاسٍ لا يستطيع الإنسان شرحه بسهولة… أن يعود إلى منزله، إلى المكان الذي يفترض أن يحتويه، ثم يشعر وكأنه لا ينتمي إليه. لا بسبب خلاف كبير، ولا قسوة واضحة، بل بسبب ذلك الفراغ الصامت الذي يكبر يومًا بعد يوم بين أفراد الأسرة الواحدة. أن تكون حاضرًا بجسدك، لكن غائبًا شعوريًا. أن تتحدث ولا يشعر أحد بما خلف كلماتك. أن تتعب بصمت، وتبتسم بصمت، وتنهار داخليًا دون أن يلاحظك أحد، الأسرة لا تحتاج إلى الكمال، ولا إلى حياة مثالية، بل تحتاج إلى إنصات، واهتمام، وحديث صادق، ووقت حقيقي يشعر فيه كل فرد أنه ليس مجرد شخص يعيش في المكان… بل روح لها قيمة ومكانة. فالإنسان قد يتحمل قسوة الحياة كلها، لكنه يضعف حين يشعر أنه وحيد بين أهله.
786
| 24 مايو 2026