رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تمضي الاستعدادات قدما لتشكيل اللجنة التحضيرية للحوار الوطني على ضوء النتائج التي توصلت إليها لجنة الاتصال الثمانية الرئاسية التي استمر عملها لمدة شهرين وقدمت تقريرها النهائي للرئيس عبدربه منصور هادي الأسبوع قبل الماضي، وفيما يدور الكثير من النقاش حول تحديد عدد أعضاء اللجنة التحضيرية لم يكن قد تم حسمه عند كتابة هذا فإن التشكيل في أقصى الأحوال لن يزيد على خمسة وعشرين عضوا لضمان نجاح التحضير رغم نصائح الخبراء الدوليين في مجال الحوار بألا يزيد العدد عن خمسة عشر عضوا وهي نصائح ناتجة عن خبرات سابقة وعمليات حوار دارت في العديد من الدول، إلا أنه يبدو أن من الصعوبة بمكان اختصار العدد إلى ذلك الحد بسبب كثرة عدد الأطراف التي ينبغي تمثيلها، وحتى لا تحدث ردود فعل سلبية تعرقل مسار التحضير كتلك التي كادت أن تحدث عند تشكيل لجنة الاتصال الرئاسية من ثمانية أعضاء.. وعلى كل حال فإن اللجنة المزمع تشكيلها ستكون لجنة تحضيرية لا أكثر مهمتها التحضير لتشكيل لجنة موسعة للحوار الوطني هي التي سيرتكز العمل الأساسي عليها بحيث تطرح مخرجاتها التي يفترض أنه سيتم التوافق عليها على مؤتمر للحوار الوطني يعطي المشروعية الكاملة لكل ما سيتم التوافق عليه من قضايا جوهرية ترسم مستقبل اليمن وتجسد أهداف الثورة الشبابية الشعبية السلمية التي أحدثت أهم تغيير سياسي في تاريخ اليمن الحديث أنجزه معظم أبناء الشعب اليمني بمظاهراتهم واعتصاماتهم وصمودهم وتضحياتهم على امتداد عام كامل تقريبا وليس النخبة السياسية أو العسكرية كما حدث في فترات سابقة.
وبالتأكيد فلن يكون تحديد عدد أعضاء اللجنة التحضيرية فقط كبيرا كان أم محدودا هو سبب نجاح عملية التحضير من عدمها، إذ إنه لن يزيد عن كونه عاملا مساعداً فكلما قل العدد كانت النقاشات والحوارات أيسر وأقرب للتوصل إلى نقاط مشتركة وبالذات إذا كانت المصلحة العليا لليمن هي القاسم الرئيسي بين أعضاء اللجنة التحضيرية.. ومفهوم (المصلحة العليا لليمن) هنا واضح المعالم بمعنى أنها المصلحة الراجحة للبلد والشعب ككل وهذا يعني كل العوامل التي تؤدي إلى سيادته واستقراره وأمنه ورخائه وكرامة أبنائه.. ومهما تباينت الآراء في مفهوم (المصلحة العليا) فإن التوافق عليه ليس مسألة معقدة باعتبار أن أمامنا العشرات من النماذج في العالم لدول عانت من اضطرابات وعدم استقرار وتمكنت بالتوافق على المصلحة العليا أن تصل إلى بر الأمان وتستقر وتمضي مجددا في عملية البناء.. وبالمقابل من الواضح أن نجاح الحوار الوطني هو مطلب خارجي ومصلحة خارجية أيضا، بمعنى أن الحوار الوطني ينبغي أن ينجح وأن يحقق نتائج إيجابية وأن يخرج اليمن من مرحلة الثورة الشعبية إلى مرحلة بناء دولة القانون والاستقرار السياسي والاقتصادي باعتباره المنتهى الذي سعت إليه المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية من خلال المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي ومجلس الأمن الذي أصدر قرارين هامين عن اليمن العام الماضي وهذا العام وهما القرار 2014 والقرار 2051 لتأكيد الاهتمام الدولي بمسارات الحل في اليمن وتجنيبه كارثة الصراع والحرب الأهلية والتمزق والتشرذم.. ولعل هذا الأمر يجعل اليمن محظوظاً فإن لم يتحمل ممثلو الأطراف السياسية مسؤوليتهم تجاه نجاح الحوار فإن المجتمع الدولي سيجبرهم على إنجاز مثل هذا النجاح وهو ما ينبغي أن يفهموه مقدماً فيكونون أكثر فاعلية وأكثر مرونة وأكثر استعداداً لتقديم التنازلات لبعضهم البعض.
يأتي السؤال الذي يفرض نفسه هنا وهو هل هناك من الأطراف المعنية اليمنية من يريد إفشال الحوار أو على الأقل لا يتمنى نجاحه.. بالتأكيد يوجد طالما كان نجاح الحوار يتعارض مع مصالحه السياسية أو رؤاه المستقبلية أو أحلامه وأمانيه أو مع ما يروج له من تصورات، وأستطيع الجزم منذ الآن أن هناك شخصيتين يفترض أنهما تاريخيتين لا يريدان لهذا الحوار أصلا أن يكون، وإن كان فإنهما لا يتمنيان له النجاح بحال من الأحوال وهما (العليان) اللذان أنجزا وحدة اليمن عام 1990م (علي عبدالله صالح وعلي سالم البيض) وتجاوز كل منهما في حينه معارضي المشروع الوحدوي في الشطر الذي كان يحكمه لينتصرا له، ولست أدري إن كان يصح أن أقول (ليتهما لم يفعلا) لأن سياساتهما بعد الوحدة دمرت المشروع ولم تبنه، وأساءت إليه ولم تحسن.. فالعليان بسياساتهما الرعناء خلال سنوات الفترة الانتقالية الأربع (1990 – 1994) وتنافسهما المحموم على شراء الذمم بالمال العام ومماطلتهما في توحيد الجيش ومكر كل منهما بالآخر أوصلا البلاد إلى طريق مسدود انتهى بالحرب التي يتحملان مسؤوليتها فكلاهما كان يستعد للحرب بل إن البيض اشترى صفقات سلاح حديثة جدا بقياس ذلك الوقت بتمويل إقليمي لإنجاز مشروع الانفصال الذي كانت بعض دول الإقليم تعتبره مصلحة لها لولا الخط الأحمر الذي وضعته الدول الكبرى باعتبار الوحدة اليمنية مصلحة يمنية وإقليمية ودولية راجحة وهي رؤية لم تتغير حتى الآن بالنسبة للدول الكبرى في العالم وانضمت دول الإقليم مؤخرا إليها بعد أن أدركت مؤخرا أن المشكلة لم تكن أصلاً في الوحدة اليمنية بل في سياسات الرجلين اللذين أنجزاها.. وقد ثبت ذلك جلياً عبر السياسات التدميرية اقتصاديا ومعيشيا وسياسيا التي انتهجها صالح عقب انتصاره في حرب 1994م تجاه الجنوب تحديدا، فهو لم يكتف من خلال الحرب بإقصاء شركائه في تحقيق الوحدة الممثلين بالحزب الاشتراكي اليمني ولكنه قام بالتدريج بتهميش شركائه في تحقيق الانتصار وهم القوى الجنوبية التي وقفت معه في تلك الحرب التي يعتبر وزير دفاعه خلالها ونائبه لاحقا عبدربه منصور هادي رمزا لها، وإقصاء الشركاء الآخرين الممثلين بحزب التجمع اليمني للإصلاح خلال أول انتخابات نيابية أعقبت حرب 1994م.. وكان آخر المهمشين كل القادة العسكريين والأمنيين الذين وقفوا معه للدفاع عن الوحدة وبعضهم من أقاربه وأبناء منطقته وقريته الذين حافظوا على حكمه طوال أكثر من ربع قرن حتى وجدوا أنفسهم يهمشون واحدا بعد الآخر ليخلو الجو للإطار العائلي الممثل بأنجال الرئيس وأخويه وأبناء إخوته.. وهكذا كان صالح يمضي في عزل نفسه بنفسه شعبيا ونخبويا في بلد كان يتدهور يوما بعد آخر دون أن يقبل أي نصح من كل الذين كانوا يحاولون إقناعه بمخاطر التفرد العائلي بالسلطة.. وفي الوقت ذاته عاد علي سالم البيض لممارسة نشاطه السياسي في العام 2008م بسياسات تدميرية مجدداً ولم تجد معه كل المحاولات التي بذلها عقلاء المعارضة الجنوبية في الخارج، ووصل به الأمر إلى مد يده لبلد كإيران لتمويل أنشطته التدميرية وقناته التلفزيونية العنصرية التي تحرض ضد كل ما هو شمالي، ناهيك عن رفضه التجاوب مع كل الدعوات التي وجهتها له لجنة الاتصال للمشاركة في الحوار الوطني.. وفي ظني فإن المصلحة الوطنية تقتضي استبعاد (العليين) وما يمثلانه من الحوار لأن مشاركة ممثلين لهما لن تكون إلا مشاركة سلبية تسعى لتدمير الحوار لتثبت للعالم نظريتيهما.. فصالح يريد أن يثبت للعالم أن اليمن لن يبقى موحدا بعده وأنه كان صمام الأمان الوحيد له متجاهلاً أنه كان يمكنه أن يظل كذلك لو قدم مصالح اليمن على مشروعه العائلي في الحكم.. كما أن البيض يريد أن يثبت للعالم أنه صاحب التأثير الأكبر في الجنوب مع استمرار التحريض على الانفصال وفك الارتباط ودعم العمل المسلح، ورغم ارتفاع هذا الصوت إعلامياً إلا أن الواقع في الجنوب يقول غير ذلك فآمال المواطنين هناك ارتفعت بإمكانية تصحيح مسار الوحدة بعد الثورة الشعبية السلمية التي شملت اليمن كاملا وثبت للمواطن الجنوبي أن أخاه المواطن في الشمال وحدوي مثله باعتباره الذي قوض حكم الرئيس الشمالي علي عبدالله صالح واندفع للتصويت بقوة للرئيس الجنوبي عبدربه منصور هادي متحررا من كل العقد المناطقية والشطرية.. ولذلك ينبغي على السياسيين وهم يديرون الحوار الوطني في المرحلة القادمة أن يحيطوا جيدا وبكل حيادية بطبيعة المصالح الوطنية التي يجتمع عليها كل اليمنيين شماليين وجنوبيين، وأن يبتعدوا قدر الإمكان عن التنظيرات الخرقاء والتصورات الكسيحة التي لا تنظر إلى أبعد من قدميها.. وعلى الرئيس هادي أن يدرك أن 50% من النجاح المنشود للحوار الوطني متوقف على إعادة النظر في الأداء الحكومي وتحسين مستواه وتحديد أولوياته.
لا أحد سيبدأ عنك
كثيرون ينتظرون أن تبدأ حياتهم المهنية بفرصة جاهزة أو دعوة مفاجئة، لكن الحقيقة أن المسارات لا تُمنح بل... اقرأ المزيد
237
| 25 مايو 2026
الشركات التجارية ذات المسؤولية المحدودة (ذ م م )
على غرار التشريعات المقارنة، سمح المشرع القطري بتأسيس شركات تجارية تتخذ شكل شركة ذات مسؤولية محدودة، يكون عدد... اقرأ المزيد
123
| 24 مايو 2026
حين تتحول الثقافة إلى ألفة وطنية
مع إسدال الستار على فعاليات معرض الدوحة الدولي للكتاب، لا يمكن النظر إلى هذا الحدث بوصفه معرضًا للكتب... اقرأ المزيد
126
| 24 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1464
| 18 مايو 2026
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1362
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1311
| 19 مايو 2026