رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهد يوم 30 يونيوعام 1989 انقلابا عسكريا بقيادة الرئيس السوداني عمر البشير، وبمساعدة الدكتور حسن الترابي، وتم فرض النظام الإسلامي وإعلان الهوية الإسلامية للسودان مما ترتب عليه تغييرات جذرية في الموقف الاستراتيجي السوداني ومنذئذ والولايات المتحدة لم يهدأ لها بال وهي تحاول بشتى الطرق، إقحام نفسها في القضايا الداخلية للسودان؛ حيث أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بياناً تأسف فيه للإطاحة بحكومة منتخبة انتخاباً ديمقراطياً في إشارة إلى حكومة الصادق المهدي.
وخلال شهري أغسطس وديسمبر من العام 1989 أجريت مباحثات في كل من أديس أبابا ونيروبي بهدف وضع حدّ للحرب الأهلية والصراعات في السودان تحت رعاية أمريكية في عهد الرئيس "كارتر"، ولكن هذه المباحثات باءت بالفشل بسبب تمسك الخرطوم بتطبيق الشريعة. ويرى أشرف راضي (السياسة الدولية ع 128–أبريل 1997) أن التوتر في العلاقات السودانية الأمريكية ازداد كثيراً بعد اللقاء الذي تم بين الرئيس البشير وهريمان كوهين مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الخارجية، وفي8 مارس1990 أوقفت الحكومة الأمريكية المساعدات العسكرية والاقتصادية للسودان وذلك تنفيذاً للقرار الذي ينص على عدم تقديم مساعدات للنظم العسكرية التي وصلت إلى الحكم من خلال الانقلابات، ما لم تبد استعدادها لإعادة النظام الديمقراطي خلال ثمانية أشهر.
ثم جاءت حرب الخليج وضاعت معها آخر فرصة للتقارب بين الخرطوم وواشنطن حيث أعلن النظام الجديد في السودان انحيازه الواضح للرئيس العراقي السابق صدام حسين، وفي منتصف فبراير 1991 أغلقت الولايات المتحدة سفارتها في الخرطوم، وبررت هذه الخطوة بالخوف من تعرضها لهجوم إرهابي بسبب حرب الخليج، ثم يأتي العام 1993 وتضع الولايات المتحدة، السودان على رأس قائمة الدول التي تنتهك فيها حقوق الإنسان وأدارت الولايات المتحدة هذه القضية من خلال منظمة الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، والكنيسة، ورغم محاولة السودان تطبيق إستراتيجية مضادة للحملة على انتهاكات حقوق الإنسان والتي تنظمها الولايات المتحدة وأوروبا والأمم المتحدة، إلا أنه لم يفلُح في منع مفوضية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة من اتخاذ قرار في 10 مارس 1993 بتعيين مراقب لحقوق الإنسان في السودان وظل السودان موضع انتقاد للجلسات التي تناقش فيها انتهاكات حقوق الإنسان في المفوضية.
ومنذ شهر أغسطس 1993 تضع الولايات المتحدة السودان على رأس قائمتها السوداء للدول التي ترعى الإرهاب، وبالتالي فهو غير مؤهل للحصول على مساعدات إنسانية أمريكية. وفي الأول من يوليو عام 1999 في ظل إدارة الرئيس كلينتون أصدر الكونجرس الأمريكي قراراً يدين فيه الحكومة السودانية، بل إنه دعا مجلس الأمن لإدانة ما أسماه بغارات اصطياد العبيد وبفرض حظر جوي كامل على جنوب السودان. وقد طالب الكونجرس إدارة الرئيس كلينتون بدعم التنظيمات التي تعمل خارج نطاق الأمم المتحدة من أجل التنسيق في مجهودات الإغاثة ودعم الديمقراطية والإدارة المدنية والبنية الأساسية في المناطق السودانية التي تخضع لسيطرة المعارضة.
ويرى د. حمدي عبد الرحمن حسن (السياسة الدولية-ع147- يناير 2002) أن الهدف من هذه الضغوط الأمريكية هو تدويل المسألة السودانية، مما أثار المخاوف من جانب النظام السوداني من محاولة تطبيق النموذج الدولي في أزمة كوسوفا على الوضع في السودان في الوقت الذي خضعت فيه إدارة الرئيس بوش لضغوط من بعض قادة الكونجرس المعنيين بالشأن السوداني والذين يخضعون لنفوذ بعض المنظمات الكنسية الإنجيليكية وإرسالياتها التبشيرية، حيث يتم تصوير الوضع في السودان بعيداً عن حقائق الواقع على أنه صراع أيديولوجي له طابع ديني بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي.
ويعتبر اتفاق "مشاكوس" (20يوليو2002)هو أحدث الصور التي تبرهن على التدخل الأمريكي السافر في الشؤون السودانية؛ حيث نص على عدة نقاط بالغة الأهمية بالنسبة للجنوب، لعل من أبرزها عدم تطبيق الشريعة الإسلامية والنص على حق تقرير المصير لهؤلاء بعد فترة انتقالية مدتها ست سنوات، وتضمن الاتفاق بعد الأطروحات من جانب حركة "قرنق" في أن يتم التناوب بين قرنق والبشير على حكم البلاد خلال الفترة الانتقالية بحيث يتولى قرنق الحكم في الفترة الأولى ومدتها ثلاث سنوات ثم البشير بعد ذلك. وعندما لاقت الفكرة اعتراضاً من الحكومة السودانية تم اقتراح فكرة الرئيس ونائب الرئيس بحيث يتولى قرنق منصب نائب الرئيس على أن يكون له الحق في الاعتراض على القرارات الرئاسية الخاصة بالجنوب، وبالطبع تولى الحكم في حالة غياب الرئيس أو وفاته، ولكن تم العدول عن هذا الاقتراح أيضاً بعد اعتراض الحكومة. وتم الاتفاق على أن يتولى قرنق منصب نائب الرئيس وفي حالة غياب الرئيس يتم اختيار رئيس من خلال المؤتمر الوطني الحاكم، ورغم أن هذا الاقتراح لا يتماشى مع طموحات قرنق إلا أنه يعدّ مكسباً كبيراً إذ صار لا ينظر إليه على أنه قائد تمرد أو أنه يمثل الجنوبيين فقط، بل صار جزءاً هاماً في الكيان السوداني.
ورغم هذه السياسة الجارحة من قبل الإدارة الأمريكية تجاه النظام السوداني إلا أن الواضح أن واشنطن تسعى نحو تحسين علاقاتها مع السودان بعد سنوات من التوتر، حيث اتضح أن السلطات السودانية ساعدت المحققين الأمريكيين بعد أحداث 11 سبتمبر، بل إن التعاون الأمني بين البلدين قد بدأ منذ أكثر من عامين تقريباً حيث إن السودان يمثل هدفاً استخباراتياً مهماً للولايات المتحدة؛ لأن أسامة بن لادن قد عاش فيه خلال الفترة من 1991 و1996، وتفيد بعض المصادر أن السلطات السودانية قامت بتسليم الفرق الأمنية الأمريكية مجموعة كبيرة من الوثائق والخرائط عن أسامة بن لادن وعن تنظيم القاعدة الذي أسسه في بداية التسعينيات. بالإضافة لما سبق يرى "بدر حسن شافعي" (السياسة الدولية –ع153-يوليو2003) أن اهتمام الإدارة الأمريكية بالسودان يرجع لأسباب أخرى أهمها:
النفط، حيث تؤكد الإدارة الأمريكية أن لها حقاً في بترول السودان على خلفية أن أول شركة اكتشفته كانت شركة أمريكية، ثم عندما دبّ الخلاف بين واشنطن والخرطوم بسبب توجهات النظام الإسلامية قام الأخير بإعطاء حق التنقيب لشركات أخرى منافسة ماليزية– صينية مما سبب إزعاجاً لواشنطن وهي ترغب في الحصول على مزايا اقتصادية لشركاتها خاصة أن السودان تعدّ من الدول البكر في مجال الإنتاج النفطي ولديها احتياطات لا بأس بها، وإن كان هناك اتجاه آخر يقلل من احتمال التدخل لأسباب نفطية بعد الإطاحة بنظام صدام حسين؛ حيث سيتم توجيه الشركات الأمريكية العاملة في مجال النفط صوب العراق.
ورقة الرق وحقوق الإنسان وهي ورقة ضغط هامة في أيدي الحكومة الأمريكية ضد أي دولة خارجة عن القانون الأمريكي، وقد وضع السودان ضمن قائمة الدول التي يتصدرها التقرير السنوي للخارجية الأمريكية بشأن حقوق الإنسان على مستوى العالم؛ وكان آخرها التقرير الذي صدر أوائل أبريل من العام الحالي، حيث اتهم الخرطوم بارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان.
العامل الاقتصادي، حيث تشكل السودان مورداً هاماً للموارد الطبيعية – بخلاف البترول- حيث تزخر الأراضي السودانية بالخامات المعدنية (النحاس، الذهب، الخامات المشعة)، هذا فضلاً عن الأراضي الزراعية الخصبة والمترامية الأطراف والتي جعلت خبراء الزراعة يطلقون على السودان اسم "سلة غلال الدول العربية"، فوجود الأراضي الزراعية وما يترتب عليه من المنتجات الغذائية الوفيرة يمكن أن يشكل عاملاً هاماً في الصراع العالمي القادم الذي يصفه البعض بأنه سيكون صراعاً على الطعام.
مياه النيل، وهي مرتبطة بالنقطة السابقة، حيث إن أي حرب قادمة قد تكون بسبب مصادر المياه.
فلنبدأ بتربية المعلم قبل التلميذ!!
إن عملية بناء الفرد في أي مجتمع من المجتمعات ليست بالعملية السهلة المُيسرة ولا تقوم بها جهة واحدة... اقرأ المزيد
1340
| 08 يناير 2016
التربية الثقافية للطفل
تخضع شخصية الإنسان خلال مراحل نموها المتعاقبة لعدد كبير من العوامل الوراثية والبيئية، وتبدأ هذه العوامل تأثيرها من... اقرأ المزيد
7919
| 28 ديسمبر 2015
التخطيط لبرنامج تدريبي ناجح
لكي نخطط لوضع وتنفيذ برنامج تدريبي ناجح ، يجب أن نبدأ بتحديد دقيق لأهداف هذا البرنامج بتغطية الجوانب... اقرأ المزيد
4224
| 30 نوفمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4287
| 23 سبتمبر 2026