رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين ينفض غبار الأزمة المالية العالمية سينكشف الغيم عن كثير من الأسرار التكنولوجية والعقول البشرية كانت مثل الكبريت تذكر ولا ترى، تبحث عمن يوفر لها المأوى وهي وحدها القادرة على تحديد معالم الخارطة الاقتصادية العالمية لعالم ما بعد الأزمة، صحيح أن ثمة أقطابا تحددت سلفا وربما يرجع لها الفضل في فك العزلة والاحتكار الذي عرفته الصناعة خلال العقود الماضية وهي الدول المعروفة بالاقتصادات الناشئة ولكن لا يعني ذلك بحال من الأحوال أن الاقتصادات النامية في حال ما إذا استفادت من مجمل الثغرات التي وقعت الدول المتقدمة ضحيتها سترقى إلى رتبة النامية أو المتقدمة أو على الأقل ستدرج ضمن لائحة الانتظار.
أما إذا عملت تلك الدول على التسويف والانتظار حتى تعود الأمور إلى مجاريها وتشتري تلك الأسرار أو تتبخر وتتشكل الخارطة الاقتصادية لعالم ما بعد الأزمة حينها تتحول الدول التي فاتها الركب نامية كانت أو ناشئة إلى سلة لتسويق منتجات اللاعبين الجدد ويتحول الحصول على مقدار ذرة من مركب صناعي إلى أمر من الصعوبة بمكان وذلك بدليل أن الثورة الصناعية التي عرفتها أوروبا خلال القرنين الثامن والتاسع عشر والتي عرفت قدرا كبيرا من التكتم والاحتكار ورغم ذلك فقد هاجر المئات من العمال المهرة والمصنِّعين، مصطحبين معهم المعارف الجديدة عن الصناعة آن ذاك حين تقلص الدور الأوروبي لتحتضنهم الولايات المتحدة وغيرها من الدول لتطوير اقتصادها واستغلال مواردها لتتمكن في ما بعد من لعب دور المحرك الذي يوفر النمو للاقتصاد العالمي كما استوعبت اليابان من جانبها منجزات الغرب العلمية، محققة بذلك ثورتها الصناعية والفتاة الذي بقي هو ما تغذت عليه الاقتصادات الناشة لتصل الكرة عليها حاليا فتنضاف ضمن اللاعبين الجدد، فلو دامت لأوروبا لما وصلت إلى الولايات المتحدة وهكذا دواليك، فدوام الحال من المحال.
وإذا كان الوهم الذي راود المستثمرين في العالم أجمع خلال العقود الماضية من وجود لأماكن تدر عليهم إيرادات كبيرة خارج القطاع الصناعي، ووجدوها في أسواق المال وهو مجال اقتصادي وهمي افتراضي في جانب كبير منه، قد تبدد إلى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء بعد انفجار الفقاقيع المالية، فإن انتشال الاقتصاد العالمي من الوحل مجددا قد يتطلب قاطرة جديدة تعيده إلى سكة التقدم ثانية وما من شك في أن عرباتها ستكون صناعية بامتياز.
يقودنا هذا إلى التساؤل عن الدور المستقبلي الذي ستلعبه دول مجلس التعاون الخليجي في ظل نظام دولي متذبذب يتأرجح بين الصعود والهبوط وفي ظل الطفرة التي تشهدها نتيجة تراكم مداخيل النفط والشوائب التي أصبحت تتخلل الاستثمار في المال والعقار، هل ستتحرك بديناميكية متسارعة مدعومة بالبنى التحتية التي تمتلكها واتفاقيات التكامل الموقعة بينها للارتقاء بالأداء الصناعي وجذب المزيد من الاستثمارات إلى هذا القطاع الواعد لتنال نصيبها من الكعكة الضائعة بالقدر الذي يمكنها من حصول تنمية مستدامة فتكون بالتالي إما مشاركة في معالجة ما يعنيها من الأزمة بدلا من أن تصبح من ضحاياها أو حاصدة النتيجة المرجوة والتي تناسب حجمها ومكانتها وما هي الخطوات الجوهرية المطلوبة بشكل ملح في الوقت الراهن؟
وإذا كان كل ما يخطر على بال الكتاب والقراء وصناع القرار والمبدعين والمفكرين أفكارا تستحق أن تأخذ بعين الاعتبار قد تبلور في المستقبل إلى خطوات عملية فإنه في وقتنا الحاضر يجب أن نلعب دورين متزامنين يرجع الفضل فيهما إلى صعود من قبلنا ولن نتبوأ المكانة اللائقة بنا قبل الانطلاقة منهما وهما صناعة المعرفة والإعلام.
الدور الأول المرتبط بالمعرفة كون دول المجلس لم تعتمد الصناعة من قبل كأحد القطاعات الرئيسية في الاقتصاد وإذا أرادت مسايرة التوجه العالمي الجديد فإن ذلك يتطلب منها إعادة توجيه سياسات التعليم والتدريب، بتنمية القدرة على التصميم، المرتبطة بالقدرة على الابتكار، وعلى "البحث والتطوير وليس فقط نسخ التكنولوجيا وبالتالي فميلاد جيل صناعي قادر على مواكبة التطور المطرد باستمرار يتطلب الاستفادة بأعلى قدر ممكن من الثغرات الحالية سواء من خلال استقطاب العقول البشرية من أجل تطوير قطاع الصناعة والعمل على وضع نواة تقوم تلك العقول من خلالها بخلق جيل من المبدعين في المجال الصناعي أو من خلال شراء أصول بعض الشركات التي تعاني حاليا بسبب الأزمة، فعلى سبيل المثال نجاح شركة شنغهاي إلكتريك جروب الصينية في الاستحواذ على شركة أكياما اليابانية لإنتاج الطابعات عالية التكنولوجيا. صفقة كان هدف الصينيين منها هو الحصول على مصنع الشركة اليابانية، حيث كانت مصانع الشركة الصينية متخلفة تكنولوجيا عن نظيرتها اليابانية بأكثر من ثلاثين عاما. وعندما نجحت الشركة الصينية في شراء نظيرتها اليابانية تمكنت من طرح طابعات متقدمة بأسعار رخيصة حققت شهرة كبيرة في الصين وخارجها، هذه الصفقة وغيرها أصبحت في ما بعد شائعة أمام الشركات الصينية لتحديث التكنولوجيا لديها وتقليص الفجوة التقنية إلى حد بعيد والوصول إلى أسواق جديدة في الوقت نفسه.
أما الدور الإعلامي فبقدرته على تذييل الصعوبات أمام تحقيق الإنجازات تنبع قدرته على تبديد مخاوف المستثمر وتشجيعه واستدراجه إلى الميدان وبقدرته على ألا تبقى الاتفاقيات والمشاريع حليفة النسيان يشحن الشارع ويعتبر المسألة هما أسريا ينبغي أن يشارك فيه كل بيت وبالتالي إقناع أفراد المجتمع بأن المسألة تخصه باعتباره المتضرر الأول والمستهدف بالإصلاح في النهاية أمر في غاية الأهمية، فعلى سبيل المثال حين لاحظ الأمريكيون تدني التحصيل والاستيعاب لطلاب المدارس الأمريكية مقارنة بنظرائهم، قامت الدنيا ولم تقعد في المجتمع الأمريكي، وأصبحت المسألة قضية أمن قومي، وعقد لها مؤتمر بعنوان «أمة في خطر»، وانبرت وسائل الإعلام تناقش مستقبل التعليم الأمريكي حتى غدت القضية حديث كل بيت.
من هذا المنطلق فإن الفرصة المتاحة حاليا بسبب تداعيات الأزمة ومد الدول المتقدمة اليد لطلب العون من بلداننا فرصة قد لا تعوض بثمن وهي نفسها الفرصة التي أتيحت للبلدان الناشئة حين تداعى القطب السوفيتي، كما أسهمت في نهضة الأمريكيين بتقلص الدور الأوروبي، فهل نجيد نحن استخدامها لنتحول من حال إلى حال؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2514
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2283
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1185
| 11 أكتوبر 2026