رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

240

د. أحمد المحمدي

بين سلطان الإرادة وسكينة الرضا

16 أكتوبر 2026 , 12:00ص

للإنسان سلطان على اختياره، لا سيادة على أقداره؛ يملك أن يعزم ويسعى ويحسن التدبير، لكنه لا يملك أن يلزم الحياة بالصورة التي رسمها لنفسه. فبين ما نريد وما يقع مسافة تتداخل فيها إرادات الآخرين، وحدود الأسباب، وحكمة الله التي لا يحيط بها علمنا. ولهذا كانت مسؤوليتنا متعلقة بما نستطيعه، لا بكل ما نتمناه؛ إذ لا يستقيم عدل التكليف إلا مع حدود القدرة.

ومنشأ كثير من العناء أن تتحول الرغبة في النفس إلى استحقاق متوهم؛ فيرى الإنسان أن صدق نيته يوجب تحقق أمنيته، وأن طول سعيه يمنحه حق الوصول. فإذا تأخرت الثمرة، لم يشعر بأنه فقد مطلوبا فحسب، بل كأن الحياة نقضت عهدا معه. وهنا يتضاعف الألم: ألم الفقد، وألم الاعتراض على وقوعه؛ ويحمل القلب عبء الحادثة وعبء مطالبته الوجود بأن يكون على غير ما كان.

والعبودية تحرر الإنسان من هذا الوهم؛ فتضعه بين مسؤولية الاختيار وحدود الاقتدار. قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. فالعزم قيام بحق القدرة، والتوكل معرفة بمن وهبها، وبأن الأسباب لا تستقل بإيجاد نتائجها. يعمل المؤمن لأن السعي مأمور به، ويرجو لأن رحمة الله واسعة، ويسلم لأن علمه بالخير أضيق من أن يجعل رغبته ميزانا لحكمة ربه.

ولهذا لا يكون الرضا إلغاء للإرادة، ولا يكون التسليم تبريرا للتقصير. فما بقي قابلا للإصلاح فهو ميدان للعمل، وما انقضى وتعذر تغييره فهو ميدان للاعتبار. وقد يجتمع في الواقعة الواحدة رضا بما قدره الله، وسعي إلى رفع ضررها؛ فالمريض يرضى ويطلب العلاج، والمظلوم يصبر ويطالب بحقه. إنما يستقيم القلب حين يميز بين الاعتراض على الله، والاعتراض على ظلم الإنسان.

والماضي مغلق من جهة استعادته، مفتوح من جهة ثماره فينا؛ نستطيع أن نستخرج منه معرفة، وأن نصحح به اختيارا، وأن نتوب من خطأ، لكننا لا نستطيع أن نسترد الزمن بمحاكمة النفس إلى ما لا نهاية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجِزْ». فهذا توجيه للإرادة نحو الممكن النافع؛ أما الاسترسال في تخيل ماض بديل، فقد يستهلك القدرة التي يحتاج إليها الحاضر.

ولا تشترط سكينة الرضا أن يختفي الحزن؛ فقد يتألم القلب وهو مسلم، وتدمع العين وصاحبها حسن الظن بالله. وإنما النضج أن يبقى الألم في حدود البشرية، فلا يتحول إلى اتهام للحكمة، ولا إلى حكم نهائي على قيمة النفس ومستقبلها.

والطمأنينة ثمرة انتقال الإنسان من طلب ضمان المآل إلى إحسان ما بين يديه. فقد لا يبلغ غايته، لكنه يبلغ صدق العبودية في طريقه؛ وقد يخسر ما أراد، ويحتفظ بقلبه من أن يصير أسيرا لما فقد. وتلك حريته: أن يبذل إرادته في موضع التكليف، ويستودع ما وراء قدرته عند الله؛ فلا يفسد سعيه بالاستسلام، ولا يفسد روحه بالخصومة مع القدر.

مساحة إعلانية