رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبد الله بخيت الصعاق

Vo.v@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

330

عبد الله بخيت الصعاق

الحدث الرياضي... من صناعة للتقارب إلى بضاعة للصراع

14 سبتمبر 2026 , 12:15ص

في زمن السرعة والانفتاح، كان من المفترض أن تصبح الأحداث الرياضية أدوات للتقارب وحلقات وصل بين الدول والشعوب والثقافات. فالحدث الرياضي، كما نعرفه، صناعة متكاملة تتعدد مستوياتها، بدءًا من البطولات المحلية الصغيرة، وصولًا إلى أكبر الأحداث الرياضية العالمية.

ولا يقتصر مردود هذه الصناعة على الجانب الرياضي فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد والسياحة والثقافة وصورة الدولة المستضيفة أمام العالم. فالحدث الرياضي أشبه بنافذة يطل منها الضيف على ثقافة المستضيف، وفي الوقت نفسه يضع الدولة المستضيفة تحت مجهر ملايين الزوار والمتابعين.

ولعل كأس العالم لكرة القدم في روسيا عام 2018 مثال واضح على ذلك. فقبل البطولة، واجهت روسيا موجة من الانتقادات السياسية والإعلامية، ووصل الأمر إلى أن وافق بوريس جونسون، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، على مقارنة استخدام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمونديال لتحسين صورة بلاده باستخدام أدولف هتلر لأولمبياد برلين عام 1936.

وقد حضرتُ شخصيًا كأس العالم في روسيا، وكانت تجربتي مختلفة كثيرًا عن الصورة التي رسمتها بعض الخطابات قبل البطولة. فقد فوجئت بحفاوة استقبال الشعب الروسي، وبالتنوع الذي شاهدته، وباحترام الزوار على اختلاف ثقافاتهم وأديانهم، وكانت بالنسبة إليّ واحدة من أجمل نسخ كأس العالم التي حضرتها.

من روسيا إلى قطر

ولم يكد العالم ينتهي من مونديال روسيا حتى انتقلت موجة ضخمة من الانتقادات إلى بلدي قطر قبل استضافتها كأس العالم 2022.

على مدى سنوات، ظهرت في وسائل إعلام غربية انتقادات واسعة لاختيار قطر، تناول بعضها المناخ وطبيعة الدولة وموقعها الجغرافي، بينما تناول البعض الآخر ملفات العمال وحقوق الإنسان والحريات. ومن حق الإعلام بطبيعة الحال أن ينتقد وأن يطرح الأسئلة، ولكن السؤال الأهم هو: متى يكون النقد مهنيًا ومتى يتحول إلى أحكام مسبقة على مجتمع بأكمله؟

ثم جاءت البطولة.

واستضافت قطر نسخة استثنائية من كأس العالم، وشاهد العالم تجربة مختلفة؛ دولة صغيرة جغرافيًا استطاعت أن تجمع البطولة في نطاق متقارب، وأن تمنح المشجع فرصة حضور أكثر من مباراة في اليوم نفسه، إلى جانب تجربة ثقافية عربية غير مسبوقة في تاريخ كأس العالم.

وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن أن تتحول صناعة الحدث الرياضي، التي يفترض أن تستهدف التقارب بين الحضارات والثقافات ومد جسور المودة بين الشعوب، إلى بضاعة يستخدمها البعض لتمرير أحكامه المسبقة على الدولة المستضيفة؟

العنصرية لم تعد دائمًا مباشرة

في الماضي كانت بعض أشكال العنصرية أكثر وضوحًا ومباشرة، كما حدث خلال حقبة الفصل العنصري في الولايات المتحدة، أو من خلال جماعات عنصرية كانت تعلن أفكارها وشعاراتها بصورة صريحة.

أما اليوم، فقد أصبح الخطاب أكثر تعقيدًا.

فالعنصرية أو الاستعلاء الثقافي لا يأتيان بالضرورة في صورة هجوم مباشر على لون الإنسان أو عرقه، وإنما قد يظهران أحيانًا من خلال افتراض أن مجتمعًا معينًا غير قادر على تنظيم حدث عالمي لأنه مختلف ثقافيًا، أو أن دولة لا تستحق الاستضافة لأنها لا تتطابق بالكامل مع النموذج الاجتماعي أو السياسي لدولة أخرى.

وهنا تكمن الخطورة.

فالانتقاد المبني على وقائع وأرقام وأدلة حق مشروع، بل هو ضرورة. لكن تعميم الأحكام على الشعوب، أو افتراض أن نموذجًا ثقافيًا واحدًا هو المعيار الوحيد الذي يجب أن تقاس عليه بقية المجتمعات، أمر مختلف تمامًا.

والآن… كأس العالم لكرة السلة 2027

اليوم تستعد قطر لاستضافة كأس العالم لكرة السلة 2027، في حدث سيكون تاريخيًا باعتباره أول نسخة من البطولة تقام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ولا يأتي اختيار قطر من فراغ؛ فقد راكمت الدولة خبرة كبيرة في تنظيم الأحداث الرياضية الدولية، كما أن جميع المنشآت المطلوبة للبطولة موجودة بالفعل، وستقام جميع المباريات في الدوحة، بما يمنح الجماهير والمنتخبات تجربة استثنائية من حيث سهولة التنقل وتقارب المنشآت.

ومع ذلك، من المتوقع أن تستمر الأسئلة والانتقادات حول استضافة قطر للأحداث الرياضية الكبرى. وهنا يجب ألا يكون الرد على كل انتقاد بالرفض، بل بالتمييز بين النقد الموضوعي الذي يستحق النقاش، والخطاب الذي يبدأ من حكم مسبق ثم يبحث بعد ذلك عما يبرره.

وماذا عن المرأة القطرية؟

من أكثر الملفات التي تثار عند الحديث عن قطر ملف حقوق المرأة. وهنا من الضروري أن تكون المناقشة مبنية على الأرقام والواقع، لا على الصور النمطية.

فوفق بيانات البنك الدولي، بلغت نسبة مشاركة النساء في قوة العمل في قطر نحو 62% في عام 2025، وهي نسبة تستحق أن توضع ضمن سياقها عند الحديث عن واقع المرأة في الدولة.

ولا تتوقف الصورة عند الأرقام فقط؛ فالمرأة القطرية حاضرة في التعليم والطب والهندسة والبحث العلمي والإدارة وريادة الأعمال ومواقع صنع القرار.

ولعل من أبرز الأمثلة صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، التي ارتبط اسمها على مدى عقود بمشروعات التعليم والبحث العلمي والتنمية البشرية في قطر وعلى المستوى الدولي.

هذا لا يعني أن أي مجتمع وصل إلى الكمال، ولا يعني أن النقد غير مسموح به، ولكن العدالة تقتضي أن يكون التقييم قائمًا على الواقع والتطور والإنجازات، لا على صورة نمطية جاهزة.

الرياضة يجب أن تبقى جسرًا بين الشعوب

في الختام، علينا أن ندرك أن استضافة الأحداث الرياضية الكبرى قد تكون مصدرًا للتطوير الاقتصادي والاجتماعي والسياحي، وفرصة للدول كي تقدم ثقافتها وهويتها إلى العالم.

وفي المقابل، يجب أن نتقبل النقد الموضوعي عندما يستند إلى حقائق، لأن النقد جزء من أي حدث عالمي.

لكن علينا أيضًا أن نكون أكثر وعيًا بالخط الفاصل بين النقد وبين الاستعلاء الثقافي، وبين الدفاع عن القيم وبين استخدام القيم ذريعة لإصدار أحكام مسبقة على الشعوب.

فالرياضة في جوهرها لم تُخلق لكي تجعل العالم أكثر انقسامًا، بل لكي تجمع أشخاصًا قد يختلفون في اللغة والدين والثقافة والسياسة حول ملعب واحد ولحظة واحدة.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه مع كل بطولة عالمية ليس فقط: من يستحق الاستضافة؟

بل أيضًا:

هل ما زلنا ننظر إلى الحدث الرياضي باعتباره جسرًا بين الشعوب… أم أننا سمحنا له بأن يتحول من صناعة للتقارب إلى بضاعة للصراع؟

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية