رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قال لي أحد الصناعيين الكبار إنه قرر أن يستغنى خلال الأشهر الستة المقبلة عن نصف العاملين في مصنع النسيج الذي يملكه ليصل إلى ألفي عامل بدلا من أربعة آلاف، وقد أبلغ الإدارة بتلك الخطوة التي اعتبرها تمهيدا لتصفية نشاطه والخروج من السوق بعد كفاح استمر ربع قرن.
أعرف مستثمرا آخر بدأ مشروعا يستوعب خمسة آلاف عامل، وقرر تعيين 1500 عامل في المرحلة الأولى، ولكن الصعوبات والعقبات التي صادفها دفعته إلى إيقاف مراحله التالية حتى تتجلى الأمور وتتوافر ظروف تشجعه على الاستمرار. وحدثوني عن أكثر من مستثمر آخر انتهوا من إغلاق مصانعهم وتسريح عمالهم، وقرروا بيع أصولهم بأي سعر، وإيداع حصيلة البيع في البنوك التي تعطيهم فوائد تصل إلى 12%، معتبرين أن ذلك يوقف استنزافهم وينقذهم من ارتفاع ضغط الدم الذي بات يهددهم.
سألت فقالوا إنهم يقرأون في الصحف عن تمنيات طيبة وتفاؤل مبالغ فيه بالمستقبل، لكن ما يشهدونه على أرض الواقع يعطيهم انطباعا معاكسا ويجعلهم يقتنعون يوما بعد يوم بأن الانسحاب هو الحل.
عدت إلى التساؤل فقال لي أحد الصناعيين الكبار إن المسألة ليست لغزا، وأن أي اقتصاد في الكرة الأرضية لا ينمو إلا بتوافر شرطين أساسيين هما: عنصر بشري كفء وقادر، وتمويل يغذي وتكلفة تشجع. والحاصل في مصر الآن أن الشرطين لم يعودا متوافرين، الأمر الذي يحبط أي مستثمر ويدفعه إلى المسارعة بالهروب من السوق، فرارا بماله ورعاية لصحته.
الشكوى من العنصر البشري تنصب على انعدام الكفاءة وانهيار قيم العمل المتمثلة في الانتظام والانضباط والإتقان، الأمر الذي يؤثر على مستوى الإنتاجية فضلا عن تراجع كمياتها. وقد أضيفت إلى هذه العوامل الإضرابات والاعتصامات التي أصبحت تنزل خسائر فادحة بالمنتجين. وفي غياب قواعد متفق عليها سواء لتنمية المهارات أو لعرض المطالب وإيصال رسائل الاحتجاج فإن القطاع الصناعي أصبح يواجه حالة من الفوضى التي لا تسمح بالتفاؤل بالمستقبل.
سمعت قصصا عن عمال حطموا بعض الماكينات التي يعملون عليها. وعن متظاهرين منعوا زملاءهم من العمل لأنهم تعرضوا لجزاءات جراء تقصيرهم أو تغيبهم. وآخرون طالبوا إدارة أحد المصانع بضم الأجور الإضافية إلى أجورهم الثابتة بحيث تمنح لهم حتى إذا لم يشتغلوا أوقاتا إضافية... إلخ.
حدثني أحد الصناعيين عن قانون العمل التركي الذي يتعامل بحزم وشدة مع أي محاولة لتعطيل الإنتاج، ويحمي حقوق العمال بقدر ما يحمي صاحب رأس المال. وسمعت من أكثر من واحد أنهم يئسوا من ضبط العمل في مصانعهم، وقرروا أخيرا أن يستوردوا عمالا من بنجلاديش أكثر انضباطا ومهارة وأكثر احتراما لمقتضيات الإنتاج ومسؤوليات العمل.
خلاصة الكلام أن العنصر البشري على وفرته في مصر ليس مؤهلا بشكل كاف للإسهام بشكل جاد في العملية الإنتاجية، وليس هناك جهد يبذل لتطوير مهاراته، كما لا توجد أطر قانونية تحمي العملية الإنتاجية. الأمر الذي يعني أن ثمة ثغرة في بنيان تلك العملية ينبغي الانتباه إليها ليس فقط لمصلحة المستثمرين ولكن لمصلحة استمرار الإنتاج وتمكينه من الوفاء بالتزاماته خصوصا ما كان منها متعلقا بالتصدير للخارج.
الشق الثاني المتعلق بالتمويل والتكلفة يمثل مشكلة كبرى تسبب إحباطا للمنتج وتدفعه دفعا إلى تقليص أنشطته وربما الخروج من السوق في نهاية المطاف. فالجهاز المصرفي الذي يفترض أن يقوم بدور الممول للنشاط الصناعي أصبح يؤدي دورا سلبيا من ناحيتين، من ناحية لأنه توقف عن منح أي ائتمان لتمكين المنتجين من مواصلة أعمالهم واستيراد ما يحتاجونه من خامات أو آلات، ومن ناحية ثانية لأنه أصبح يضغط بقسوة وعنف على الشركات لسداد ديونها، دون النظر إلى أوضاع البلاد أو تطورات السوق العالمية، كما أن نسب الفائدة التي جاوزت 15٪، والمصروفات والعمولات التي لا معايير لها ولا رقابة عليها تؤدي إلى تعثر وإغلاق العديد من الشركات. كانت النتيجة، كما ذكر أحد الصناعيين، أن الجهاز المصرفي الذي يفترض أن يكون رافعة وعونا للعملية الإنتاجية تحول إلى قوة قمع تنهش في لحم الاقتصاد المصري.
الذي لا يقل غرابة عن ذلك أن البنك المركزي الذي يفترض أن يقوم بدور المنسق والمدبر والمراقب في أوقات الأزمات انسحب من المشهد ولم يعد يتدخل في ضبط علاقة البنوك بالمنتجين، مكتفيا بالجهد الذي يبذله في إدارة الاحتياطي النقدي ومتابعة سعر الصرف، وكانت النتيجة أن البنوك استفردت بالمنتجين، وتحولت إلى خصم لهم وحكم في ذات الوقت، وسمحت لنفسها بأن تمارس بحقهم كافة صور الابتزاز والقمع، الأمر الذي صار عنصرا فاعلا في طردهم من السوق وإقناعهم بشعار الانسحاب هو الحل.
هذا الكلام الذي سمعته يحتاج إلى تحقيق ليس فقط لإزالة المعوقات التي تعطل العملية الإنتاجية، ولكن أيضا لمحاسبة الذين تفننوا في حشد تلك المعوقات مكررين بذلك دور الدبة في القصة الرمزية، حين قتلت صاحبها وهي تدفع عنه الذباب بمظنة أنها تحميه. لا أستطيع أن أقول إننا بصدد مؤامرة على الإنتاج الصناعي، لكنني أزعم بأن ما يحدث عندنا يحقق للمتآمرين إن وجدوا مرادهم وزيادة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3159
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026