رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فضَّل الله تعالى الإنسان على كثير ممن خلق تفضيلا، وكل الحيوانات التي فُضِّل الإنسان عليها تدرك قدر نفسها حتى الخيل التي شرفها الله وبين فضلها، لكن يوما قرر اثنان منها وهما المسخان اللذان مسخهما الله أن يصطفا على قارعة طريق ينتظران مرور الإنسان ليصفانه بأنه حيوان بشري في محاولة لرميه بدائهما. بيد أن ذلك لم يغير من حقيقة أنهما أدنى الحيوانات درجة كما لم يغير بالضرورة حقيقة الإنسان الذي فضله الله على كثير ممن خلق تفضيلا. على وقع جحافل المقاومة المنتفضة في فلسطين على ظلم الاحتلال الذي طال وتمادى ظلما وتقتيلا وارتكنوا لأرض احتلوها، أفاضت عليهم بنعم طيبة وفرحوا بها، جاءتهم ريحٌ عاصفٌ وجاءهم الموج من كُلِ مكان، فقاموا مذعورين مرعوبين يبحثون عن الجيش (الذي لا يقهر) فما وجدوه يقينا. إزاء تلك الحالة الهستيرية انتزع وزير دفاع الجيش المقهور من قلبه كل خالجة تشير إلى إنسانيته ليصف الشعب الفلسطيني ومقاومته بأنهم (حيوانات بشرية).
لأول مرة تستفيق دولة الاحتلال الإسرائيلي على تهديد وجودي وتذكير قوي بحقيقة أن لا استمرارية لدولة تحتل شعبا وتغتصب أرضه. العقلاء من المحتلين ظلوا ينوهون ويحذرون من هذا المآل غير أن العزة بالإثم ظلت تأخذ معظمهم لهثا وراء سراب الدولة اليهودية الثيوقراطية. في مقالة للكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي كتب يقول: «إنّنا نُواجه أصعب شعب في التّاريخ، وعمليّة التدمير الذاتي والمرض السرطاني الإسرائيلي بلغا مراحلهما النهائيّة، ولا سبيل للعِلاج بالقبب الحديديّة، ولا بالأسوار، ولا بالقنابل النوويّة”.
اليوم المقاومة الفلسطينية بكل طيفها تواجه عارية أكبر طاغوت إقليمي مدعوما بأكبر طاغوت دولي، ومع ذلك أثبتت أنها قادرة على إحراج الاحتلال والإمساك بتلابيبه وهزه هزا. لقد كان المطلوب من المقاومين الصمت، على اعتبار أن مجرد رفع الصوت في مواجهة آلة الطاغوت موت وأن الصمت حياة. أي إياك أيها المقاوم أن تتخذ قرارك، وأن ترفع صوتك، وأن تعلي صرختك، وأن تعلن موقفك، وأن تمارس إنسانيتك، فقط اصمت وإلى الأبد. لقد خلص تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن «السلطات الإسرائيلية تسعى من خلال التمييز العنصري للحفاظ على هيمنة ممنهجة من اليهود الإسرائيليين على الفلسطينيين»، وذلك التمييز العنصري أسست له وكرّسته سياسات وممارسات وتصريحات قادة الاحتلال الإسرائيليين.
دروس المقاومة تقول إن المقاومة فعل مستمر ولا بديل له في ظل الظلم الغاشم، والدليل فشل محاولات الفصل بين المقاومين وعامة الشعب. لقد أثبت طوفانها أنها مقاومة مشرفة في واقع سياسي بئيس. من وسط ركام الأبنية المدمرة نظمت أنات الأطفال وهمسات الكبار ألحان المقاومة ولا ألحان دونها، ألحان ازدادت توثّبا واضطرمت رغبة وعزما، حتى غدا ظلام العالم كله يعجز عن إطفاء قناديلها المتقدة. لقد أعلنوا حرب الفرح وديمومة الحياة في مواجهة العدو والجرح، سيظل كبرياء الجرح عيدا. لقد حولت عزيمة المقاومة (الجيش الذي لا يقهر) إلى نعامة فتخاء. فنحن إذن في حاجة إلى عزيمة وإيمان لتعادل أضعافا من رؤوس إسرائيل النووية المحزنة بعلم الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إن العدو لا ترهبه القوة المادية بقدر ما ترهبه العزيمة وقوة الإيمان بحق العيش بكرامة وعزة، ولذلك فإن كل مقاومة بهذه الصفات فهي موسومة بالضرورة بفرية الإرهاب، فهي تخيفهم وتذهب بعقولهم وتذكرهم بضعفهم.
هذه المقاومة لم تقم بأي عمليات خارج نطاق فلسطين ولا حتى تنسق أو تتلقى أي توجيهات خارجية فقد كشف مسؤولون أمريكيون لصحيفة «نيويورك تايمز» أنّ الإدارة الأمريكية جمعت معلومات استخبارية متعدّدة تدلّ على أنّ قيادات دولة متهمة بدعم طيف من المقاومة الفلسطينية قد تفاجأت بالهجوم السبت الماضي. ومع ذلك يحاول الاحتلال عبثا ربطها بالإرهاب أو تشبيهها بداعش استدرارا للعطف وتغطية لإرهابه الحقيقي الماثل. صور الأطفال المرعوبين والرضع المقتولين وفرق المسعفين التي لم تستثنها طائرات الاحتلال، ذلك هو الإرهاب الحقيقي. لأول مرة يشاهد العالم فريق إسعاف يهرع لإسعاف فريق آخر وانتشال أشلاء زملائهم من بين سيارة إسعاف دمرتها طائرات الاحتلال تدميرا، وليس منبع الدهشة أنها مميزة بعلاماتها وهيئتها التي لا تخطئها عين ولكن الدهشة أنها سارت لإنجاز مهمتها بعد تنسيق تم عبر الصليب الأحمر الدولي الذي أبلغ الاحتلال بمهمة الإسعاف.
لقد أثبتت الأمم المتحدة وموظفوها وتقاريرها وما شابهها من منظمات وظيفية، لاسيما حين يقع الحدث في فضاء الهامش الدولي، أنها لا تعدو في مجملها صناعة بيروقراطية يصعب عليها أن تتوشح بالموضعية والصدقية. اليوم العالم يتابع ما يحدث في غزة جراء العدوان الإسرائيلي تجاه المدنيين دون أن يحرك ساكنا، ولم يستطع جيش الاحتلال إثبات إصابته لأي أهداف عسكرية في غزة وإنما ظل القصف الغادر موجها إلى المدنيين ومنازلهم والمستشفيات واستكمل القصف المدمر المستمر بقطع خدمات المياه والكهرباء ومنع دخول الإمدادات الطبية العاجلة.
لن يقف ما يسمى بالمجتمع الدولي في وجه الصلف الإسرائيلي إن لم يشجعه ويدعمه، هكذا تشير الوقائع والتجارب. من قبل أعلنت دولة الاحتلال رسميا أنها لن تتعاون مع تحقيق تجريه المحكمة الجنائية الدولية بشأن جرائم حرب قد تكون ارتكبت في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقال رئيس الحكومة إن إسرائيل ستبلغ المحكمة الجنائية الدولية بأنها لا تعترف بسلطة المحكمة، التي تعتزم التحقيق في جرائم حرب في فلسطين. وهذه وزيرة الثقافة البريطانية في بلاد تتغنى بأنها واحة الحريات لاسيما الحرية الإعلامية تطالب المدير العام لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بتعديل الدليل التحريري لديها لوصف إحدى حركات المقاومة بالإرهاب، وذلك على خلفية العمليات الفدائية الأخيرة في العمق الإسرائيلي.
فمن يحدّث الفلسطينيين بعد هذا بأن يتركوا المقاومة ويدفعهم إلى الاستسلام؟.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
987
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
801
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1203
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4677
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026