رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يحتاج المرء إلى كل سذاجته ليصدّق أن كل هذا السجال، بعد صدور التقرير الجديد عن النشاط النووي الإيراني، تتحدث فيه الدول فعلاً عما تعتقده، فالأزمة بدأت رسمياً قبل سبعة أعوام، أما أسبابها فتتفاعل منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، والأرجح أننا أمام تمديد آخر لها، وإذا صحّت المزايدات الحربية الراهنة بشأنها فلن يعني ذلك سوى الاندفاع إلى أزمة طويلة ومفتوحة لن تحقق سوى دمار كبير.
ورغم تغيّر الإدارات في واشنطن والحكومات في أوروبا لم يظهر على الساحة من يريد حل هذه الأزمة بأطروحات خلاقة. في المقابل، رغم التكاليف الباهظة والمرهقة التي يتحملها الشعب والاقتصاد في إيران يبدو أن الأزمة تحقق مكاسب للنظام قد يخسرها في حال وجد حل لائق ومشرف ومجزٍ.
فور صدور تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا جديد فيه سوى أنه يبرز هذه المرة فرضية سعي إيران إلى امتلاك سلاح نووي، رددت العواصم المختلفة نداءها إلى مزيد من العقوبات (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، الولايات المتحدة)، أو ضد العقوبات (روسيا والصين)، وهناك من رأى كالعادة ضرورة دعوة إيران إلى جولة مفاوضات حاسمة وبناءة، كجسر مرور لابد منه قبل التوجه إلى مجلس الأمن لفرض حزمة أخرى من العقوبات، وهناك أيضاً من لم يستبعد الخيار العسكري، فاللافت حالياً أن بريطانيا ديفيد كاميرون تبدو متحمسة للعربدات الإسرائيلية بشأن حرب ممكنة خلال الشتاء المقبل، وكأن هوس توني بلير هو كل ما تعلمه زعيم المحافظين من الإرث التعيس لسلفه الأسبق.
هل قال تقرير الوكالة شيئاً مفاجئاً كانت أجهزة الاستخبارات تجهله؟ طبعاً لا، فمعلوماته من تلك الأجهزة، وهذه لم تلقمه على الأرجح بكل ما لديها بل بالقليل منه، لذلك جاء التقرير بقرائن لا بأدلة، ما يبقيه أضعف من أن يطرح التحدي على الدول الكبرى التي أكدت دائماً أنها ترفض أن تصبح إيران دولة نووية, بل قيل إن هذا الرفض هو الشيء الوحيد الذي يوحد مواقفها، فلا خلاف عليه بين واشنطن وموسكو وبكين، إلا أن هذا التوافق لم يختبر، ربما لأن طهران لم تحصل بعد على كمية من اليورانيوم عالي التخصيب كافية لأن تثير القلق وتدفع هذه الدول إلى حسم مواقفها.
ليس النظام الإيراني وحده المستفيد من الأزمة، إذ تظهره عنيداً وممانعاً وغير مستعد للمساومة على حقه في الحصول على الطاقة النووية (للاستخدامات المدنية والبحثية!)، بل ان العقوبات المتزايدة وقفت عند قطاع النفط والغاز، كخط أحمر، وبالتالي واصلت طهران الحصول على مداخيلها، التي وجدت الصين وروسيا ودول أخرى قنوات لامتصاص معظمها، وكما أن حرمان إيران من دخلها الرئيسي يعني دفعها دفعاً إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي، كما يعني أسعاراً بالغة الارتفاع للنفط في ظل أزمة اقتصادية عالمية، فإنه يعني أيضاً قطع هذا المورد عن الدول المستفيدة، وبالتالي وجوب تعويضها عنه لتوافق على قطعه بغية "شل" إيران، وفقاً لتعبير الوزير الإسرائيلي الأرعن أفيغدور ليبرمان.
ما الذي يجعل أربع دول نووية قريبة من إيران، هي الصين وروسيا والهند وباكستان، متعايشة مع جارتها المرشحة للنادي النووي، وغير موتورة مثل إسرائيل، وغير متحجرة في مواقفها مثل الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية؟ هناك ثلاثة أسباب. الأول، أن هذه الدول تعتبر أن تسلحها النووي ضمن لها معادلة الردع المتبادل.
والثاني، أنها لا تضع في أولوياتها تغيير النظام في إيران حتى لو لم تكن معجبة به أو متوافقة معه في كل المجالات، والثالث، أن هذه الدول لا تعتبر نفسها معنية بالنفوذ الإقليمي الذي تسعى إليه طهران طالما أنه يصطدم بالنفوذ الأمريكي ويشكل تحدياً له، وفي الوقت نفسه لا ترى خطراً "وجودياً"، على إسرائيل بل أن هذا الخطر يستخدم فقط للمزايدات وبسبب تدخل إيران في قضايا الشرق الأوسط، وباستثناء باكستان التي تهتم بمخاوف دول الخليج من الخطر الإيراني، فإن الدول الأخرى المجاورة تعتبر أن الوجود الأمريكي في منطقة الخليج يتمتع بميزات استراتيجية لن تجازف إيران بمحاولة تغييرها إلا إذا وضعت هي نفسها تحت خطر وجودي.
على الجانب الغربي نجد كل ما هو عكس "البراغماتية" التي تنتهجها روسيا والصين والدول الأخرى، ثمة دوافع أيديولوجية وهيمنية تتحكم بالمواقف الأمريكية والأوروبية، فهي تنطلق من رغبة واضحة في تغيير النظام، وتعتقد أن تشديد العقوبات يمهد لإسقاطه. كما أنها لا تزال مسكونة بمطامح استعادة إيران كأداة للنفوذ الغربي، ولو توافر لها ذلك لما مانعت تسلحها النووي، الذي سيكون عندئذ لمصلحة تفوقها الاستراتيجي، ولعل هذين الاعتبارين كفيلان وحدهما بإيضاح فشل جولات التفاوض، كما هي الحال مع كوريا الشمالية، إذ لا يمكن تقديم حوافز اقتصادية وعسكرية ومالية لاستمالة نظام يراد التخلص منه, يضاف إلى ذلك وسواس غربي آخر اسمه إسرائيل التي تواجه تحدياً إيرانياً لمكانتها الإقليمية. لكن الدول الغربية التي أدركت أسباب الاختلاف الإيراني للشرق الأوسط، لا تبدو مستعدة لمعالجتها حتى لو كان في ذلك مصلحة للدول العربية المعتدلة والصديقة، فإيران دخلت الشرق الأوسط من ثغرة فشل "عملية السلام" التي تعاون الإسرائيليون والأمريكيون على تدميرها. وعلى قاعدة هذا الفشل أعادت إيران إحياء خيار الحرب والمقاومة، بل على قاعدة هذا الخيار عرضت على الدول الغربية الاعتراف لها بنفوذ إقليمي، ودعمت ذلك بتأكيد نفوذها في العراق ولبنان وسوريا، وقد استطاعت أن تحقق هذا التوسع حتى قبل أن تحصل على سلاح نووي.
بدل أن تتجه الدول الغربية وإسرائيل إلى معالجة المسار السلمي لمواجهة التمدد الإيراني، تركته على العكس يتعفن وينهار وكأنها تتقصد تقديم هدية إلى طهران، بل أنها تغازل فكرة الحرب على إيران ولا تجرّب الضغط على إسرائيل للحد من أطماعها. مثل هذه السياسة لا يمكن أن تعني رغبة أمريكية في حل للأزمة مع إيران، فواشنطن وحليفاتها تستفيد على طريقتها من هذه الأزمة في جانبها الآخر، الخليجي تحديداً، وإلا لكانت غيرّت مقاربتها لها منذ زمن سواء بالدبلوماسية أو بالوسائل العسكرية. وأكثر ما يخشى أن تستمر الإدارة الحالية الفاشلة للأزمة إلى اليوم الذي تجري فيه إيران تفجيرها النووي الأول.
عندئذ سيجري التظاهر بأن نهاية العالم باتت وشيكة، ثم يصار إلى التعايش مع الواقع الجديد والضغط على الحلفاء والأصدقاء للتكيّف معه بكل ما يعنيه ذلك من صعوبات وتحديات، لم تكن هناك حاجة لانتظار التقرير الأخير للوكالة الذرية للتكهن عما تخطط له إيران. فهي بكل تأكيد تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، ولذلك تتحمل المخاطر والتهديدات والتكاليف. أما هل أنها تريد هذا السلاح لضرب إسرائيل، فهذه مسألة أخرى، بالأحرى كذبة أخرى.
عبدالوهاب بدرخان
يستطيع الفلسطينيون أن يدهشوا أنفسهم، وأن يقدموا أحياناً على ما لا يتوقع منهم، لكن الآخرين ولا سيما العرب... اقرأ المزيد
1042
| 07 يناير 2013
المالكي ومخاطر التلاعب بالسلطة
آخر حجة يريد العراقيون سماعها من رئيس الوزراء نوري المالكي أن استهدافه وزير المال رافع العيساوي، وقبله نائب... اقرأ المزيد
632
| 31 ديسمبر 2012
سقوط "الممانعة" في مخيم اليرموك
كانت صدمة مروّعة لفلسطينيي مخيم اليرموك أن تُقصف "عاصمة الشتات" – كما كرّسوا مخيمهم – بطائرات "نظام الممانعة"،... اقرأ المزيد
547
| 24 ديسمبر 2012
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4302
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2568
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1170
| 28 سبتمبر 2026