رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعد المعوقون سمعياً – بعد المكفوفين – هم الفئة الثانية التي عانت وما زالت تعافي الحرمان من التمتع بالحياة مع الأسوياء، وذلك لأن حاسة البصر وسيلة لكي يتعرف بها الإنسان على بيئته المادية، أما حاسة السمع فهي وسيلته للتعرف على بيئته الاجتماعية، أي أنهم فئة تتطور حياتها من دون التمتع إما بالاتصال أو بالتعامل الكامل مع البيئة على أساس سمعي.
والطفل الأصم تعرفه الصحة العالمية للطفولة بأنه "الطفل الذي ولد فاقداً لحاسة السمع إلى درجة تجعل الكلام المنطوق مستحيلا - مع أو من دون - المعينات السمعية".
ويعتمد تصنيف هذه الفئة منن المعاقين على أساس التصنيف الوظيفي للسمع، والذي يمكن توقعه على مستويات مختلفة من الفقدان كلما قيست بوحدات الديسبل وهي تصنيفات تستند على متوسطات النغمة الصافية، إذ تعتمد على كمية السمع للذبذبات 500، 1000، 2000 وحدة صوتية (MZ) وهي مدى ذبذبات الكلام، وتبعاً لذلك يضم هذا المنظور التصنيفي فئتين هما: الأصم، وضعيف السمع.
فالطفل الأصم – بناء على ما سبق - هو الطفل الذي فقد القدرة السمعية قبل تعلم الكلام أو الذي فقدها بمجرد أن تعلم لدرجة أن آثار التعليم فُقدت بسرعة فهو يعاني عجزاً أو اختلالاً يحول بينه وبني الاستفادة من حاسة المسع لأنها معطلة لديه، ولذلك فهو لا يستطيع اكتساب اللغة بالطريقة العادية.
وهناك فرق بين الطفل الأصم والطفل ضعيف السمع، وهذا الفرق هو فرق في الدرجة، وذلك نظراً لأن الطفل الأصم يتعذر عليه الاستجابة التي تدل على فهم الكلام المسموع، أما الطفل ضعيف السمع فهو قادر على استخدام حاسة السمع لديه في اكتساب القدرة على فهم الكلام.
أنواع الصمم وأسبابه:
ويجدر بنا في هذا المقام حتى يمكن تحديد السمات البارزة للطفل الأصم – أن نذكر أنواع الصمم وأسبابه، فهناك صمم ولادي تبلغ نسبته حوالي 15% من مجموع حالات الصمم، وهي أكثر شيوعاً في البنين عن البنات، مما يعطل نمو اللغة عندهم، حيث يولدون بإصابة في الأذن الداخلية، خاصة العصب السمعي بأمراض تتلفها أو تعطلها عن العمل، وهناك النوع الثاني من الصمم وهو الصمم المكتسب ويكون نتيجة الإصابة بأحد الأمراض التي تسبب نسيان الطفل المحصول الكلامي الذي اكتسبه في الفترة التي سبقت الإصابة مثل الإصابة بالحصبة الألمانية والتي تسبب ما يقرب من %10 من حالات صمم الأطفال، وكذلك الالتهاب السحائي والإصابة في الأغشية الواقية بالمخ والنخاع الشوكي وهذه الأمراض وراء مايقارب من 3 إلى 5% من المصابين بالصمم. وقد يكون عرضاً من الأعراض المصاحبة لفصام الطفولة إذ إنه لم يعد يجد ضرورة للاتصال بالغير عن طريق التنبيه الكلامي أو أي وسيلة أخرى كما قد يكون عرضاً هستيرياً ولكنه في هذه الحالة يكون صمما وقتيا.
خصائص الطفل الأصم:
إن الطفل الأصم يملك كل أجهزة الاستقبال ما عدا السمع فهو يشعر كما يشعر الطفل العادي، ويتأثر بما يتأثر به غيره من الأطفال العاديين، غير أن الإعاقة السمعية وما يتبعها من مشكلات عدم التوافق مع مجتمع السامعين تفرض على الأصم أنواعاً معينة من ردود الأفعال، وتُشعرهم بيئاتهم الأسرية - مع الأسف - بأن الأسرة فاشلة في إشباع حاجاتهم.
كما أن الطفل الأصم يحس بأنه أقل من زميله عادي السمع نتيجة لقصور لديه يؤدي إلى شعوره بالنقص والدونية مما يولد لديه إحساساً مؤلماً بقسوة في الظروف، وقلة في الحظ، ومرارة في النفس، وأن العالم الخالي من الحركة الذي يعيش فيه يؤدي إلى حالة من الاكتئاب والحزن والتشاؤم تميزه من الطفل العادي، هذا إلى جانب الانسحاب من المجتمع والانزواء، ويزداد هذا الميل الانطوائي وضوحاً كلما كانت الإصابة مبكرة.
وهناك خصائص أخرى للطفل الأصم منها أن الطفل الأصم غير ناضج اجتماعياً بدرجة كافية وأن الأطفال الصم لديهم مشكلات خاصة بالسلوك مثل العدوان والسرقة والرغبة في التنكيل والكيد للآخرين وأنهم يميلون إلى الإشباع المباشر لحاجاتهم.
وأما عن استجابات الطفل الأصم لاختيارات الذكاء فهو لا يختلف عن الطفل العادي، أيضا لا يستطيع الطفل الأصم تحمل المسؤولية وأنه يخاف من المستقبل لكنه لا يختلف عن الطفل العادي في شيء من الخصائص الجسمية، كما تتسبب عاهة الصمم في سوء التحصيل وعدم التركيز مما يسبب التأخر الدراسي، وهو أميل إلى الانطواء وأقل حبا للسيطرة من الطفل العادي.
كيف نربي الطفل الأصم؟:
التربية والاتصال الاجتماعي من أهم عوامل البناء الحضاري والثقافي للمجتمع وتؤديان دوراً بارزاً في التنشئة الاجتماعية والسياسية لأفراد المجتمع، فالأهداف المرتبطة بتحديث بنية المعرفة أساس لاستقامة الحياة الاجتماعية في الإطار الحضاري المعاصر، بما يتيح للأجيال الصاعدة استيعاب هذه المعرفة والوعي بأساليب استخدامها في ترقية واقع حياة مجمعاتها، وتتمثل في تثبيت موقع المعرفة الدينية بين أنواع المعرفة الأخرى التي يتداولها المجتمع، والوعي بالتراث والإفادة منه في الإضافة للمعرفة الراهنة، وتقدير الفكر الإنساني دون تعصب، وتنمية قدرات التعلم الذاتي، وتنمية القدرة على الاتصال.
والتواصل الثقافي مع الثقافة العالمية والوعي بمصادر المعرفة والحكم على مدى موثوقيتها وتبسيط المعرفة تبعا للمراحل ومستويات نمو الشخصية والقدرة على توظيف لمعرفة في واقع الحياة والوعي بمفهوم التخصص في إطار وحدة المعرفة هذا ويعد الاتصال أساساً لحياة الجماعة والفرد لأن الاتصال نشاط قائم على ترجمة الرسالة الموجهة إلى رموز ويجرى نقلها للآخرين لذلك فإن عبء الاتصال بالمعاقين سمعياً لا يقع على بعد الرسالة الاتصالية أو القناة الحاملة أو على مضمون الرسالة وشكلها فحسب، بل إن المتلقي ينبغي أن بعد هو الآخر، إعداداً يجعله قادراً وميالاً أيضا إلى فك رموز الرسالة.
وهذا لا يتأتى إلا من خلال تدريب المتلقي ذي الإعاقة السمعية على فهم الدلالات والرموز والسياقات النفسية والاجتماعية التي تقدم من خلالها الرسالة الاتصالية، وهي تأخذ أشكالاً متعددة منها الاتصال الشخصي. والاتصال الجمعي والاتصال الجماهيري. والاتصال الذاتي وهو الاتصال بين الفرد وذاته والاتصال بين الفرد وآله وهو ما قدمته ثورة تكنولوجيا الاتصالات الحديثة للمعاقين من برامج لتعليم الأطفال الصم الكلام بواسطة الحاسب الآلي.
إن التأثير المهم للعجز عن الكلام يؤدي بالطفل إلى العزلة في وقت مبكر يدفع إلى التنبيه الداخلي بإحساسه بالفشل، وهذا بالتالي يكثف حالة الإحباط والاكتئاب عنده.. تصبح هذه العزلة عموماً أقل وطأة عندما يكون الطفل بعض المفردات اللغوية، إلا أنه توجد ثغرة تتسع بسرعة بين الطفل النامي وبين المطالب الاجتماعية والنفسية والجنسية التي توضع على كاهله في مراحل نموه المستقبلة.
و... كيف نعلم الأصم؟:
إن الطفل الأصم إذا لم يتعلم فإنه يحيا حياة مغلفة لا تعرف معنى التواصل أو التفاهم مع الآخرين، حياة خامدة هامدة جامدة يصنعها بنفسه لنفسه، إلا أن الوضع يختلف تماما في حالة تصميم ورسم برامج أكثر تناسباً وأكثر إحكاماً لهؤلاء الأطفال إذا وفرنا لهم التعليم بالطريقة الشفوية الإشارية المشتركة أو النظام الكامل وفيه تضم لغة الهجاء الأصبعي إلى الطريقة الشفاهية والإرشادية المشتركة. فهناك الطريقة الشفوية وهي تعتمد على معرفة أفكار المتعلم بملاحظة حركات فمه فالأساس فيها هو الكلام وقراءته أي قراءة حركة الشفتين، ومن أهم معوقات هذه الطريقة أن ما يقرب من 40 – 60 % من الأصوات والكلمات الإنجليزية متشابهة في النطق، وكذلك العديد من الكلمات في اللغة العربية مما يصعب تشكيلها على الشفاه لمطابقتها الأصوات أخرى، وبالتالي فبدون أسس لغوية مناسبة لا يستطيع الطفل الأصم أن يصل إلى التفهم الحقيقي للكلمات والأصوات، كما أن الطفل الأصم عندما ينضج ويعرف أن المحادثة الشفوية والقراءة هي وسيلة الاتصال والتعليم الأساسية فإن ذلك سيزيد ميله للعزلة، إذ يجب عليه أن يلجأ إلى الفعل والإشارة ليوصل رغباته.
وهناك أيضا الإشارات والحركات الصامتة: وهي وسيلة طبيعية للتخاطب والاتصال بين المعاقين سمعياً وهو نظام يقترن فيه المنبه البصري بالمعني وهي غما إشارات وصفية وهي اليدوية التلقائية التي تصف فكرة معينة مثل رفع اليد للتعبير عن الطول، فتح الذراعين للتعبير عن الكثرة وهكذا وهناك الإشارات غير الوصفية وهي إشارات ذات دلالة خاصة تكون بمثابة لغة متداولة بين الصم، وتسمى الهجاء الأصبعي حيث يقف المعلم أمام الطفل الأصم مكونا الجمل والعبارات وتلاقي هذه الطريقة قبولا أكثر.
إلا أن هذه الطريقة لا تصلح للأطفال الصغار في سن مبكر، حيث يجهل الطفل لغة الرموز –والتي لا يستطيع فهمها، والتعامل بها– وبالتالي فإن هذه الطريقة بمفردها لا تزيد عن تنمية اللغة بالنسبة للطفل الذي يرقد في سريره.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4761
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4518
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3207
| 01 يوليو 2026