رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأحداث التي أعقبت مباراة كرة قدم بين نادٍ إسرائيلي وآخر هولندي في أمستردام قبل أيام عدة مضت، كشفت للعالم مرة أخرى وليست أخيرة، كم صار الصهاينة منبوذين حول العالم، وكيف يحاول الإعلام الغربي المنافق مرة أخرى، خلق سردية متناقضة لما عايشه ورأه الآلاف على أرض الواقع، قبل أن تنتشر المقاطع حول العالم وتفضحه.
موقعة أمستردام، إن صح وجاز لنا التعبير، تنضم لمواقع وأحداث كثيرة منذ بدء طوفان الأقصى، لتكشف مدى رداءة تلك الحثالة الصهيونية التي تستوطن فلسطين، بعد أن سرقت وقتلت وبغت في الأرض سنين عديدة. كشفت الموقعة الأمستردامية رداءة هذه النوعية من البشر، وكيف أن العالم خلال عام واحد انكشفت له الألاعيب الصهيونية التي انخدع بها بصورة وأخرى، فكان من نتائج ذلك الانكشاف، ما يحدث الآن في كثير من دول العالم من تغير في المواقف والاتجاهات ضد الصهاينة، لم نكن لنحلم بها نحن العرب والمسلمين قبل عام واحد فقط أن تقع أو تنتشر في دور الفرنجة والغرب، الذين كانوا سبباً في صناعة هذا الكيان المسخ في زمن مضى.
كشفت لنا موقعة أمستردام كذلك كيف أن الإعلام الغربي المداهن، لازال ينافق ويجامل الكيان المسخ، ولا زال على غيه وفساده. لم يتعلم من دروس طوفان الأقصى الماضية. إنه بهذا يدمر نفسه بنفسه، ولا يهمنا ذلك بقدر ما يهمنا أن نعرف بأن هذا الحاصل هو أحد وجوه النصر لطوفان الأقصى غير الملحوظ تماماً.
إعلام لا يتعلم
إذن هذا الإعلام الجبار النافذ، الذي كان له دوره المؤثر على كثير من مجريات الأحداث حول العالم لعقود طويلة، ما كان أحدنا يتصور أنه سيقع في شر أعماله يوماً ما بالطريقة التي نراها الآن، بعد أن ساد في العالم أنه أصدق إعلام، وأكثر إعلام صاحب مبادئ وقيم وأخلاقيات، فإذا به ينكشف مع هزة حقيقية واقعية مع أحداث الطوفان التي فاقت قوتها أحداث تدمير أبراج نيويورك المفتعلة، التي قسمت يوماً ما العالم إلى فسطاطين. فسطاط حق وفسطاط باطل، أو كما جاء في التصور الأمريكي وروجت له الولايات المتحدة تحت مفهوم الإرهاب. فإما أن تكون مع الإرهاب أو مع المعسكر المناهض له، الذي هو بالطبع معسكر الأمريكان وحلفائهم !
طوفان الأقصى رج الأرض رجاً من تحت أقدام الإعلام الغربي، الذي سقط القناع عنه، وبدا ذا وجه بشع قبيح، يعمل بلا أخلاق أو ضمير، ولا قيم أو مبادئ، كما كان يروج لنفسه عقوداً من الزمن، وخدع العالم بها. أراد هذا الإعلام المنافق مرة أخرى أن يعيد سيناريو السابع من أكتوبر مع ما جرى في أمستردام، وإظهار الصهاينة في صورة الضحية، وإن كنت لا أستبعد أن تلك الأحداث كانت مفتعلة، بقصد استثمارها إعلامياً وتحسين صورة الصهاينة، وتشويه صورة العرب بشكل عام، وتبرير ما يجري في غزة منذ عام.
ويمكرون ويمكر الله
مهما مكروا وما زالوا يمكرون، إلا أن الله خير الماكرين. إذ بعد الأحداث، طار الإعلام الصهيوني ومعه الغربي ببعض المشاهد، محاولين إظهار الغوغاء الإسرائيليين في صورة " يهود ضحايا " وأنهم يتعرضون مرة أخرى لحدث لا يختلف مغزاه عما جرى لهم مع النازيين ! بمعنى آخر، أرادوا صناعة صورة ذهنية مطورة لليهود المضطهدين على يد أعداء البشرية، وهم حالياً العرب والمسلمون. أرادوا لعب دور الضحية من جديد، وللمرة الألف. الدور الذي أتقنه شذاذ الآفاق على مر العصور. لكن فاتهم أن الواقع الآن اختلف تماماً، وسيختلف بعد حين من الدهر قليل، ويتعمق أكثر فأكثر لصالح الضحايا الحقيقيين في هذه الأحداث المستمرة منذ أكثر من سبعين عاما.
مع كل ذلك الجهد الإعلامي وبعض الرسمي الغربي الجبان في دعم وترويج ذلكم العمل المفتعل أو المخطط له، وتصويره على أنه وقع بدوافع " كراهية اليهود " أو " ضد السامية "، كان الله لهم بالمرصاد. حيث خرج هولنديون شرفاء وآخرون من دول أوروبية أخرى، كانوا ضمن ميدان الحدث، فكان لهم رأيهم غير المدفوع له، واستطاعوا بهواتفهم تصوير التطورات قبل يوم وأثناء المعركة. كشفوا الزيف الإعلامي الغربي والحقائق التي أراده ذلك الإعلام المنافق أن يخفيها، فرأى العالم الجوانب الخفية، أو الصورة الكاملة لتطورات الأحداث، فزاد العالم مقته وكراهيته للغرب بشكل عام.
طوفان الأقصى يثمر
نعود مرة أخرى لما بدأنا به الحديث، ونقول إن موقعة أمستردام، مثلما كشفت رداءة هذه الحثالة المهيمنة على فلسطين، فإنها كشفت أيضاً أن طوفان الأقصى لا يزال يثمر الجديد والجميل كل يوم، وموقعة أمستردام أحسبها ثمرة من ثمرات هذا الطوفان، حيث إن تغيير صورة ذهنية مصنوعة بمليارات الدولارات خلال عقود عديدة، ومن ثم إخراجها من عقول وألباب العالمين خلال سنة واحدة فقط، لا يمكن وصفه سوى بالإنجاز الأسطوري، إن صح وجاز لنا الوصف.
وبالطبع مثل هذه الثمرات لا يمكن أن يتذوقها ويشعر بها إلا كل صاحب ذوق رفيع، يرى الأمور بقلب مؤمن سليم، ونظرته للأمور والوقائع دقيقة وبعيدة عن حسابات الربح والخسارة المادية، المتمثلة في خسائر الحروب الطبيعية من الأرواح والممتلكات، مهما كانت تلك الأرواح غالية وثمينة، لكن من المؤكد أنها ليست أغلى من الجزاء الموعود بالآخرة، أو هكذا يفهم المؤمنون.
إنه كما يخسر الجانب المؤمن في هذه المعركة، يخسر كذلك الجانب الكافر. وكما يتألم معسكر الإيمان، يتألم معسكر الكفر، وهو ما يدعو المعسكر الأول إلى الاستمرار وعدم التردد أو التوقف ( ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ).
الآلام كبيرة وكثيرة وموجعة، لكن الفارق أن آلام أو خسائر المعسكر الإيماني تصب في صالح بناء مستقبل واعد مشرق بإذن الله، دنيا وآخرة ( وترجون من الله ما لا يرجون ) على عكس آلام وخسائر المعسكر الشيطاني الكافر، التي تعني خسارة ما أنفقوا عليه من جهود وأموال وأوقات، ثم يرونها تذهب سدى وهباء منثورا، وتذهب نفوسهم عليها حسرات، تجعلهم بعد حين من الدهر قصير، لا يرون مستقبلاً آمنا مطمئناً، لا دنيا ولا آخرة، وهذا أقل جزاء قبل يوم الحساب ( وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) أعاذنا الله وإياكم منها.
الخروج من النفق القديم
«كيف حقاً خلت هذه المدينة من النساء؟ هذه مدينة عجيبة يا سيدي. طلبت كل امرأة من زوجها أن... اقرأ المزيد
204
| 29 يناير 2026
إنجاز قطري أولمبي لا مثيل له
اختارت آسيا مرشحها سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني رئيساً للمجلس الأولمبي الآسيوي لتبدأ مسيرة المجلس نحو... اقرأ المزيد
114
| 29 يناير 2026
غبقات تسرق الروح
• أسابيع وأيام قليلة تفصلنا عن قدوم شهر رمضان المبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر... اقرأ المزيد
132
| 29 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2193
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1284
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
708
| 25 يناير 2026