رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتجمع في سماء الأرض العربية غيوم يزداد لونها سوادا، تنذر بسيول حمضية ستحرق الحرث والزرع، بعض الغيم أنزل زخات حمضية، ومازالت الغيوم حبلى، ولم تصحو السماء، بينما لونها يشتد سوادا.
احتلت وقائع سوداء مشهد الانتخابات المصرية، لا يُنقِص من سوئها تصريحات هنا أو هناك، ولكن ذلك ما عشناه، ورأيناه، وأدركناه من دون نقل أو روايات منقحة أو مزودة بإضافات التشويق، الوقائع جميعها تؤكد أن جيل أكتوبر قد اندثر، وأهال عليه التراب جيل الوارثون من دون حق ولا شرعية، وأن المسألة ليست اصطياد سمكة "القرش الإخوانية" كما يدعون، فهي لا تعدو سمكة أنتجها المزارعون في أحواض خاصة، لم تتغذ غذاء طبيعيا، وصار لحمها مترهلا، لسكونها وخلودها إلى الهدوء فليس هناك ما يدفعها إلى الحركة من سعي إلى الرزق أو تعامل مع الخطر، ولم يضعوا في أحواضها كما يقول المثل الألماني "سمكة قرموط" كثيرة الحركة والصدام، مما يدفع سمك الأحواض للحركة فيتكون جسمه وينمو وتزداد حيويته، سمكة وديعة جرى اصطيادها بالمتفجرات بدلا من شباك الصيد، وأطاحت أصداء الانفجار، بمكونات الحياة الحزبية، وتداعت التوابع بانقلابات داخل الأحزاب تستهدف أشخاص قياداتها، حيث يسكن الفساد في الرأس كما هي الأسماك، ولا تعرض دون النزع من الكراسي والإحلال شيئا آخر.
مصر لا تنقسم إلى عرقيات وقبائل، وحدها النيل، وأضفى النشاط الزراعي على أهلها نوعا من الصبر والهدوء، يخاله الغريب عنهم أنه الغفلة وقد نالت منهم، أو أنه الموت، ولكنها سمة أهل الري الدائم، والزراعة الناعمة، ومصر عبر التاريخ نسيج واحد، لا يداهمها الاقتتال والفتنة إلا مصنوعاً، ومستهدفا، وحتى القتل والثأر في مجتمع الصعيد له أصوله وقوانينه، وكان أيضا مجتمع الجريمة والمطاريد في الجبال مجتمعا له قوانين تحكمه ويخيل إليك أنه مجتمع له حكماؤه.
كشفت الانتخابات الأخيرة أن الإرهاب صار منهج الدولة، وانتقلت البلطجة من الحراسات الشخصية في إطار الوجاهة، إلى تكوين الميليشيات من أدنى الأشخاص سلوكا داخل المجتمع، وانتقل الأداء الأمني للدولة من حماية المجتمع والأمن العام للمواطنين، إلى استخدام البلطجة لتنفيذ أهداف التحالف الحاكم، وباستدعاء المجرمين المحكومين من سجنهم لأداء مهام بين الناخبين والعودة بعدها مع بعض المقابل.
والتباين الحاد بين الوقائع والتفسيرات الرسمية، ينذر بأن القادم من أحداث سيشهد تجاوزات أكثر حدة، خاصة عندما يلجأ الكل إلى الميليشيات كوسيلة أكثر نجاحا من الاتصال السياسي، وليتطور الفكر البلطجي بتغيير السلاح من سلاح بدائي إلى آخر متطور، والموردون على الحدود جاهزون، فكل سلاح في غير موضعه في مصر هو سلاح لصالح إسرائيل.
أسقطت البلطجة المرشحين الذين لا يريدهم التحالف الحاكم، أسقطت المعارضة، ولكنها في الوقت ذاته أسقطت الجمهورية الثانية والتي امتدت من 1971 إلى يومنا هذا، وصارت مصر في حاجة إلى شرعية جديدة يكون الشعب قادرا على دفع ثمنها.
تتابعت الوقائع في الأحزاب الثلاثة التجمع والناصري والوفد وجماعة الإخوان، وكلها تنبئ بأن القادم تنفيس عن غضب ولا يتجاوز هذا، وخرجت دعوة لتشكيل مجلس نيابي موازٍ، بلا شرح لكيف ولا ممن ولا لماذا؟، "وعادت ريمة إلى عادتها القديمة" وخرج الخاسرون في الانتخابات بنداء لوقفه ضد التزوير، الكل فاقد لخطة أو رؤية، الكل يلهث وراء كاميرات الإعلام، دون الوعي بأنها لا تغير من الواقع شيئا، وأنه لا تغيير من دون رؤية إستراتيجية.
الحقيقة أن تحالف السلطة والثروة لم يكشف عن وجهه وبفجور فحسب بل في الوقت ذاته عرى الأحزاب والإخوان، وكشف أنهم ظواهر صوتية، لا جذور لها، ولم يدع التحالف الحاكم وسيلة قبل الانتخابات أو أثناءها أو بعدها إلا واستخدمها لتحقيق أهدافه، لأنه ليس هناك من يملك قوة يمكنها أن تردعه، فيخشاه.
الخطر يتصاعد ويقترب من مصر، ومصر مشغولة في غيوم الردة السوداء، سرقوا نتائج أكتوبر 73، وسرقوا ناتج عرق الشعب على مدى عشرات السنين، ويسعون إلى وأد الإرادة، ولم يعد أمام الشعب إلا أن يشق لنفسه طريقا واضعا في اعتباره أن الدولة تملك سلاح البلطجة وفقدت واجب الالتزام الدستوري تجاه الشعب وأمنه ومستقبله، وغير هذا هو خداع للنفس.
الأحزاب الثلاثة والجماعة شاركوا في مسرحية الانتخابات الأخيرة، شاركوا عن طبيعة تجمعهم مع التحالف الحاكم، فالجماعة لم تعرض مشروعا وطنيا، ولكنها تحمل مشروعها الخاص الذي لا يعدو مجرد التواجد، وكذلك هي الأحزاب التي تصورت أنها بعد أن يؤكل الثور الأبيض سترث عرش الطاووس الذي عاش عليه الثور الأبيض ثمانين عاما، نصفها في أحضان الجمهورية الثانية.
في الحزب الناصري تكرس الانقسام الحادث بين جبهتين، الأولى أطلقت على نفسها "جبهة الإصلاح والتغيير" والأخرى جبهة الأمين العام الحالي، وصار لما يسمى جبهة الإصلاح والتغيير متحدثا رسميا، وأعلنت أنها تملك تفويضا من رئيس الحزب لنائبه، وأنها تملك توقيعات 224 عضوا من المؤتمر العام وهي نسبه 45% من أعضائه، وأطلقت على الطرف الآخر لقب "عميد الفاشلين"، الذي اتهمهم بدوره أنهم مزورون.
كلاهما إذا شاء صدق من صديق لهما، لا يصلح أن يبقى، كلاهما وبمكوناته السياسية والجماهيرية، خارج أي وجود شعبي أو قيمة سياسية، ووجب أن يخلي مكانه، فالفشل ليس في انتخابات مجلس الشعب، ولكن الفشل في ثمانية عشر عاما مضت من عمر الحزب، تآكل خلالها دور ورثة من حركة التأسيس التي قادها المرحوم فريد عبد الكريم، كانت تتجاوز بحيويتها الأحزاب القائمة، ليصبح على أيديهم شريكا في جريمة الحكم في مصر، وتآكلت رؤية إستراتيجية وتصور سياسي كان يمثل ركيزة لحركة المقاومة في مواجهة حركة الانقلاب والردة في مصر، وكما ورث الصامتون حركة التأسيس ووأدوها، يسعى 224 عضوا لوراثة الحزب الناصري في مشهد لا يقل عبثية عن مشاهد البلطجة في الانتخابات.
تكاد الصورة في حزب التجمع تتكرر، صراع بين رئيس الحزب، وممثلي 20 محافظة، وأيضا الصراع يشتد أواره بعد أن تآكل الوجود الجماهيري للحزب، واستمرأت قياداته، الشكوى من حصار السلطة للأحزاب، ولم يتبق لها من الفكر اليساري إلا العداء لجماعة الإخوان.
وتبقى الخديعتان القادمتان من مجتمع ما قبل الثورة، حزب الوفد وجماعة الإخوان، لا يحمل أي منهما مشروعا وطنيا، وإن كانت الرطانة بما يسمى الليبرالية والديمقراطية، أو الالتحاف بالدين، هي حيثيات الوجود، وكلاهما شريكان مع التحالف الحاكم في جريمة البلطجة الانتخابية بعد أن استدرج كل منهما الآخر إلى المشاركة في الانتخابات، ونجح التحالف الحاكم في الإيقاع بهما.
شارك الوفد التحالف الحاكم في معركة وأد الإعلام المعارض، وصارت تجربة الدستور هي رأس الذئب الطائر التي أودت بالإعلام إلى غياهب "الكلام الأخرس" من باب التنفيس لأي احتقان يمكن أن يتولد.
وتكاد الجماعة تؤدي دور الترابي وجماعته في السودان، وكأنها ستؤدي بنا إلى التقسيم، وضياع الجنوب، وهي بذاتها لا تحمل مشروعا اجتماعيا وسياسيا واضح المعالم. ويخطئ البرادعي وهو يتوجه بحركته إلى الجماعة كي يمنحها قبلة الحياة، فهي في حاجة إلى تقييم للذات ومراجعة واجبه، وإلا فهو يهدر دروس الأيام الماضية، ويجمع المتناقضات، ولن يجني إلا محصلة العجز.
نجحت جماهير الشعب المصري في ثورة 1919، لأنها كانت حركة للأمة، وهي خاصية جرى ضربها بالتكتلات التالية تحت مسميات حزبية، ولم يبق الوفد مجرد حزب، ولكنه بقي شاهدا على خاصية الأمة التي يتسم بها الشعب، حتى بعد أن أصبح حزبا لكبار الملاك، وليس حزب الجلاليب الزرقاء، وهكذا صار الاحتياج إلى قيادة تستطيع استدعاء الأمة، وسط طبول وصخب "معارضة السلالم الرخامية". طرحنا من قبل بديل التنادي بين قامات قادرة على الحوار وجمع الأمة، وكل الرجاء إلى أصحاب دعوات ما بعد الانتخابات أن يلتقطوا أنفاسهم، ويصمتوا لبعض الوقت، ولعل الشعب يبدأ العصيان، بالخروج من الأحزاب والجماعات، فهي أضغاث أحلام ليس لها وجود حي.
في حوار مع صديق بالسودان حول أزمة الجنوب والدور المصري قال لي: "الإشكالية أن مصر في صراع على مدار الساعة، والكيد الإسرائيلي من الداخل والخارج، والكانتونات اللاوطنية في داخل مصر تصعب المسألة، والرأسماليون الجشعون في مصر يكادون هم والحكومة المختلة أن يطيحوا بالنظام"، ولم يكد ينتهي الحوار بيننا إلا ونقلت وكالات الأنباء تصريحات لمسعود البرزاني عن حق تقرير المصير للأكراد في العراق، إسرائيل تجد لنفسها وجوداً في جنوب السودان، وفي شمال العراق، بينما مصر تحاول درء الحرب الأهلية عن نفسها، وتجاهد أن تسترد الإرادة الوطنية.
لماذا تأخر المسلمون؟
لماذا تأخر المسلمون علمياً وحضارياً واقتصادياً، وتقدم غيرهم؟ سؤال مهم وعميق حاول الكثير الإجابة عنه، بعضهم بحيادية والبعض... اقرأ المزيد
33
| 27 يوليو 2026
الخليج بين مطامع القوى الكبرى ووحدة المصير
لا تُقاس الحروب بنتائجها العسكرية فقط، بل بما تتركه من آثار سياسية واستراتيجية تمتد لسنوات طويلة. والحرب التي... اقرأ المزيد
30
| 27 يوليو 2026
إلى وزارة الثقافة... مع التحية
حين تستثمر الدول في الكتاب، فهي لا تستثمر في الورق والحبر، بل تستثمر في الإنسان. ومن هذا المنطلق،... اقرأ المزيد
33
| 27 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1365
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
753
| 23 يوليو 2026
كل حضارة عظيمة بدأت بفكرة لم يكن لها نموذج سابق. لكن ماذا يحدث عندما يعيش الإنسان في زمن يرى فيه آلاف النماذج قبل أن يمنح فكرته فرصة لتولد؟ قد يبدو السؤال غريبًا، فالمعرفة كانت دائمًا طريقًا للتقدم، والتعلم من الآخرين هو أحد أسرار تطور الحضارات. لكن ما تغيّر في عصرنا ليس المعرفة، بل حجم ما نتعرض له من أفكار جاهزة كل يوم. لم يعد الإنسان يبحث عن فكرة، بل أصبحت الأفكار تبحث عنه أينما ذهب. وهنا يراودني سؤال لا يفارقني: هل يمكن أن يصبح فيض الإلهام نفسه عائقًا أمام الإبداع؟ كلما أصبحنا نرى آلاف الأفكار كل يوم، أصبح من الصعب أن نسمع فكرتنا نحن. الفكرة الجديدة لا تولد مكتملة، بل تبدأ هادئة، مترددة، وتحتاج إلى وقت حتى تنضج. لكنها اليوم تدخل في مقارنة غير عادلة منذ لحظتها الأولى، فتقيس نفسها بأعمال مكتملة استغرقت سنوات حتى وصلت إلى صورتها النهائية، فتتراجع قبل أن تمنح نفسها فرصة للحياة. أتساءل أحيانًا: لو أن بناة الأهرامات كانوا يستيقظون كل صباح أمام آلاف النماذج المعمارية الجاهزة، هل كانوا سيملكون الجرأة نفسها ليبتكروا ما لم يكن موجودًا؟ ليس المقصود إعادة قراءة التاريخ، بل إعادة قراءة حاضرنا. فكم فكرة لم تولد، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها خافت أن تكون أقل من أفكار الآخرين؟ ربما لم يبنِ الإنسان أعظم منجزاته لأنه رأى كل ما بناه الآخرون، بل لأنه وقف أمام مساحة لم يملأها أحد قبله، فقرر أن يملأها بفكرته. الإبداع لا يبدأ بما نراه... بل بما لا نجده. لا أدعو إلى أن نغلق نوافذنا على العالم، فالحضارات لم تتقدم يومًا في عزلة، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يكون إبداع الآخرين مصدر إلهام، وبين أن يصبح المعيار الذي نحاكم به أفكارنا قبل أن تولد. وربما يكون التحدي الحقيقي في عصر المعرفة ليس أن نصل إلى مزيد من الأفكار، بل أن نحافظ، وسط هذا الضجيج، على شجاعة أن نفكر بأصواتنا نحن.
645
| 23 يوليو 2026