رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يقتصر العجز عن استلهام قيم الإسلام الأصيلة وتنزيلها على الواقع، فقط على الإسلاميين السوريين العاملين في مسار السياسة، وإنما امتدت المشكلة، وآثارُها، لتشمل الغالبية العظمى من العاملين في المسارين الآخرين من المسارات الثلاثة التي تصدى أهلها لقيادة الثورة، باسم الإسلام، بشكلٍ أو بآخر.
ثمة حاجة للتذكير أن المُراد لا يكمن في (نقد) من نتحدث عنهم في هذه السلسة من المقالات، وإن كان هذا طبيعياً، بل ومطلوباً، في مقامات أخرى. كما ينبغي التأكيد، مرةً أخرى، أننا أبعدُ ما نكون عن الحكم على النيات، فهذا مجال خارج إطار العلم البشري، بالنسبة لنا، ونتركه للعليم به، الخبير بمكنوناته.
وإنما المطلوبُ، بناءً على منهج البحث في الموضوع، استخدامُ المثال العملي الصارخ لتبيان إشكالية الفهم السائد للإسلام، في سوريا تحديداً، وبالتالي، لإظهار المشكلات الكبرى التي تتشكلُ، وتصبح جزءاً من الأزمة، بدل أن تكون جزءاً من الحل. وذلك حين يحاول الناطقون باسم هذا الإسلام تنزيل الفهم المذكور على واقع سوريا في ميدان السياسة، كما عرَضنا في الحلقة الماضية، أو في ميداني العمل العسكري والشرعي كما سيتلو في هذا المقال والذي يليه، ولو باختصارٍ سيجري تفصيله لاحقاً في كتاب.
تكثرُ، في الحقيقة، المشكلات التي نتحدث عنها في الميدان العسكري، لكننا سنكتفي بظاهرتين من أخطر الظواهر، وأسوئها تأثيراً في الثورة السورية، فضلاً عن دلالاتها في إيضاح التشويه العميق في فقه الدين، بغض النظر عن النيات والمُبررات.
فمنذ بداية غلبة المظاهر الإسلامية على العمل المقاوم المُسلح، كان مُعبِّراً ولادةُ مئات الفصائل العسكرية التي تندرج في خانة الوصف بأنها إسلامية. والأغرب أن الظاهرة استمرت من تلك الأيام المبكرة إلى نهاية عام 2013م تقريباً، حين دخلت (داعش) على الخط وأكلت معظم الفصائل الصغيرة أو شتتتها، لكن الغريب أنه حتى هذا الحدَث لم يدفع الفصائل الكبيرة للوحدة.
هل غفل الإسلاميون المقاتلون أن الفرقة والتنازع سيؤديان إلى (الفشل وذهاب الريح)؟ هذه مصيبةٌ تُلقي ظلالاً كبيرةً من الشك على فهمهم للإسلام في مجالٍ يتعلق بنشاطهم تحديداً، ولا يمتلكُ أهليةَ العمل فيه من تُوجد فيه مظنةُ الجهل بتلك القاعدة.
لا داعي للحديث هنا، فيما نحسب عن (التجارب) التي صاحبها ضجيجٌ إعلامي وشعاراتٌ كبيرة، ولا عن الخيبات التي نتجت عن فَشَلها المتكرر، بين السوريين، وعن الآثار المدمرة المعنوية والنفسية والعملياتية التي سبَّبَها ذلك الفشل، وهي آثار سلبيةٌ جداً بمقاييس العلوم الاجتماعية والإنسانية، ولها نتائجُ ليست فقط أَمنيةً قصيرة المدى على المجتمع حولها، بل ومستتبعات إستراتيجية تؤثر في مصير سوريا، بحيث لا يمكن أن نتجاهل وجودها، ولا نحسب أن أهل (التجارب) في وارد التفكير بها للأسف.
يتوزع تفسير هذه الظاهرة بين التنافس على المواقع والنفوذ والقوة، أو الطاعة العمياء لمصادر التمويل، أو في احتكار كلٍ من هذه الفصائل لـ"إسلامٍ" يختلف عن الإسلام الذي ينطلق منه الآخر، وكل منها يحسبُ أن (إسلامه) هو الإسلام الصحيح دون غيره.
والتفسيراتُ الثلاثة المطروحة أعلاه تقذف، مُنفردةً أو مجتمعة، في وجوهنا جميعاً، أسئلةً تُعيد إحالتنا إلى الأزمة التي نتحدث عنها فيما يتعلق بفهم الإسلام.
في جميع الأحوال، يبدو واضحاً أننا أمام حالة، إما أنها لا تُدرك ترتيب الأولويات في مجالات العلاقة بين المصالح العامة المتعلقة بالبلاد والعباد، والمصالح الخاصة المتعلقة بالفصيل وقياداته. أو أنها تُدرك ضرورةَ تغليب معاني التجرد والإخلاص في هذا المجال الحساس تحديداً، لكنها لا ترتقي إلى مستوى المسؤولية من خلال العمل بمقتضى تلك المعاني بدرجاتٍ عالية من الجدية والصدق والعزيمة.
أما الظاهرة الثانية في مجال فقه الإسلام وتنزيله على واقع سوريا، وثورتها، فيتمثل فيما مارسه غالبية العاملين في الميدان العسكري، باسم الإسلام، من زراعة البذور المبكرة لـ(دَعشَنة) أجواء الثورة، ثم أشخاصها وأحداثها. حصلَ هذا بدرجات متفاوتة، والمؤكد أنه بدأ عند الكثيرين بـ (نيةٍ طيبة)، لكن جزءاً كبيراً من المشكلة يتمثل في هذا الأمر، لأنه يعني (الإخلاص) في تنزيل الإسلام، غير أن الحديث هو عن (إسلامِ) مَن يُطبِّقُهُ، وهؤلاء كُثر، واختلافهم أكثر.
هنا اختلط الحابل بالنابل، فإما أن يحصل التطبيق في كثيرٍ من الأحيان على يد من يفتقرون لأي درجةٍ من العلم، وأحياناً الالتزام، بالإسلام. أو أن يكون على يد (هيئات شرعية) بدأت تظهر بعد ذلك، لكنها تحملُ رؤيةً حرفية تقليديةً للدين، هي في كثيرٍ من ملامحها (مستوردة) من بيئاتٍ أخرى، كان تأثيرها واضحاً ومعروفاً جداً في أوساط المطلعين في البداية، ثم لدى أغلب السوريين بعد ذلك.
نعم، أفلحت جهاتٌ معدودة في ضبط الأمن ومحاربة المجرمين والمتسلقين على الثورة في بعض المناطق، وعملت على تقديم بعض الخدمات للسكان هنا وهناك، لكننا لم نقل أبداً إن كل ما صدر عن الإسلاميين السوريين شرٌ مُطلق ليست فيه بقعةٌ بيضاء (وقد سبق أن تحدثنا عن إيجابيات بعض الفصائل في مقالات سابقة).
رغم هذا، لا يمكن التعامل مع مثل هذه الظواهر الاجتماعية والثقافية الكبرى إلا بحسابات كبرى بِدَورِها، تتعلق بمصالح الناس وبلدهم على المستوى الإستراتيجي، وبصورةٍ أكثر تعقيداً من أن يمكن اختزالها في تلك الممارسات (الجيدة).
من هنا، تمثلت المشكلات الكبرى التي نتحدث عنها في مظاهر كثيرة، بدءاً من الانتشار التدريجي لممارسات التحريم والمنع والإجبار وملاحقة الناس وضمائرهم ومصادرة حقوقهم. وتمّت محاصرة معاني الحرية شيئاً فشيئاً. وجرى تضييق معاني الاستقلالية والاختيار الشخصي، وحورب الإبداع في مجالات الفكر والثقافة والأدب والفن، حتى لو كان لخدمة الثورة.
فوق هذا، تصاعد الحديث عن دويلات وإمارات إسلامية، وساد (تطبيق الشريعة) في مناطقَ مقطعة الأوصال بشكلٍ عشوائي، وفي ظروف استثنائية غلبَ فيها، فوق الفوضى الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، الفوضى العلمية والشرعية، التي لا يمكن لها أن تُعتبر بمجملها ظروفاً تسمح بذلك التطبيق حتى بمقاييس الشريعة السائدة نفسها. وغُيبت معاني الوطن والمواطنة، أحياناً إلى درجة التحريم. وتم تكفير المعارضين الآخرين من السياسيين وغيرهم، أفراداً ومنظمات، أو مقاطَعتُهم بالكامل، في أحسن تقدير، بدعاوى التخوين والعمالة.
بعدها، جاءت (داعش)، فهادَنتها كل الفصائل في البداية باسم (أُخُوَّة المنهج)، وكان هذا طبيعياً جداً، لأن كل ما سبق كان فعلاً، منهجاً مُشتركاً. لكن (داعش) بادرت في سحب الممارسات السابقة إلى نهايتها الطبيعية، ثم كان ما كان بعد ذلك على الأرض السورية.
يؤلمُ هذا التحليلُ الكثيرين، ويمكن أن يتعاملوا معه بالقفز على منطقه المحدد إلى الحديث عن تضحيات بعض الفصائل وزهد بعض قياداتها، ووجود معاني التجرد والإخلاص فيها، لكن هذا لا يغير، للأسف، شيئاً من الحقائق المذكورة أعلاه، والتي تصرخ بالحاجة إلى مراجعاتٍ جذرية، وإلى فهمٍ جديدٍ للإسلام في سوريا الثورة.
كيف نتعامل مع حوادث الانتحار
مع ولادة الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت المجتمعات مكشوفة، وما كان يحدث في السابق دون ضوضاء ودون... اقرأ المزيد
42
| 31 مايو 2026
وإني والله لأحذركم
اعذروني إن كنت أبدأ معكم الحديث عن هذا الموضوع تحديدا ونحن الذين قد خرجنا للتو من أيام عيد... اقرأ المزيد
54
| 31 مايو 2026
مواد البناء في قطر.. دروس من أزمة المضيق
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد... اقرأ المزيد
624
| 31 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1503
| 29 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ الغربة من أقرب المسافات… من داخل المنزل نفسه. من تلك اللحظة التي يجلس فيها الجميع معًا، لكن دون حديث حقيقي، ودون شعور حقيقي بالحضور. أصبحنا نعيش حياة سريعة لدرجة أننا فقدنا التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع دفء العائلة. كل شخص يحمل همومه الخاصة، وضغوطه، وعالمه المغلق، حتى تحوّلت البيوت تدريجيًا إلى أماكن للراحة الجسدية فقط، لا للاحتواء النفسي. الأب يعود متعبًا من مسؤوليات الحياة، والأم تُرهقها الضغوط اليومية دون أن تجد من يسألها عن تعبها، والأبناء يعيشون داخل عوالم رقمية طويلة، يهربون إليها أكثر مما يقتربون من أسرهم. ومع الوقت، أصبح الحوار أقل، والمشاركة أضعف، والمشاعر مؤجلة دائمًا إلى وقت لا يأتي. المشكلة ليست في قلة الحب، فالكثير من العائلات تحب بعضها بصدق، لكن التعب غلب التعبير، والانشغال سرق التفاصيل، والاعتياد جعل الجميع يظن أن وجود الآخر أمر مضمون لا يحتاج إلى اهتمام أو احتواء. نحن لا ننتبه عادةً إلى أن العلاقات لا تنهار فجأة، بل تبهت بصمت. تبدأ بتأجيل الجلسات العائلية، ثم يتحول السؤال عن الحال إلى مجرد عادة سريعة، ثم يعتاد كل شخص على وحدته داخل البيت نفسه. حتى المناسبات العائلية لم تعد كما كانت، أصبحت الهواتف حاضرة أكثر من الأحاديث، والصور أكثر من المشاعر، والوجود الشكلي أكثر من التواصل الحقيقي. المؤلم أن بعض الأشخاص لا يشعرون بالوحدة خارج المنزل… بل داخله. يشعرون أنهم غير مفهومين، أو أن أحدًا لا يلاحظ صمتهم، أو تغيرهم، أو حتى تعبهم النفسي. وهذا النوع من الوحدة من أكثر المشاعر قسوة، لأن الإنسان يتوقع من منزله أن يكون مساحة أمانه الأولى. هناك شعور قاسٍ لا يستطيع الإنسان شرحه بسهولة… أن يعود إلى منزله، إلى المكان الذي يفترض أن يحتويه، ثم يشعر وكأنه لا ينتمي إليه. لا بسبب خلاف كبير، ولا قسوة واضحة، بل بسبب ذلك الفراغ الصامت الذي يكبر يومًا بعد يوم بين أفراد الأسرة الواحدة. أن تكون حاضرًا بجسدك، لكن غائبًا شعوريًا. أن تتحدث ولا يشعر أحد بما خلف كلماتك. أن تتعب بصمت، وتبتسم بصمت، وتنهار داخليًا دون أن يلاحظك أحد، الأسرة لا تحتاج إلى الكمال، ولا إلى حياة مثالية، بل تحتاج إلى إنصات، واهتمام، وحديث صادق، ووقت حقيقي يشعر فيه كل فرد أنه ليس مجرد شخص يعيش في المكان… بل روح لها قيمة ومكانة. فالإنسان قد يتحمل قسوة الحياة كلها، لكنه يضعف حين يشعر أنه وحيد بين أهله.
792
| 24 مايو 2026
في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد الاتحاد الأوروبي أول قمة مع أرمينيا وصفتها الصحف العالمية بالقمة التاريخية، والقفزة التاريخية لما تمخض عنها من نتائج من شراكة اقتصادية وأمنية، ومساعدات عسكرية كبيرة لأرمينيا، وضوء أخضر للانضمام للاتحاد، وبذلك نجح الاتحاد في اختراق القوقاز، أو بصريح العبارة ضرب النفوذ الروسي هناك، وهو ما منح لتلك القمة تحديداً صفة التاريخية. وتتأتى تاريخيتها أيضا من مناقشة الاتحاد مسألة الاستقلالية بصورة أكبر وأكثر جرأة وتوسعاً، كرد فعل على قرار ترامب سحب قواته من ألمانيا، تمهيدا لمزيد من الانسحابات من أوروبا، وتقليص الدور الأمريكي في الناتو بعد موقفه من أزمة مضيق هرمز. في القمة صرح أكثر من زعيم أوروبي ومن بينهم ماكرون حول مفترق الطرق الذي تعيشه أوروبا، واستمرار التحدي الروسي الخطير، وموقف الولايات المتحدة المتذبذب، مع الحث على ضرورة تقوية أوروبا عسكريا وتعزيز تضامنها. لكن اللافت أيضا أن الزعماء الأوروبيين وزعماء الاتحاد قد أشاروا إلى واقع "التعددية القطبية" الذي يعشه العالم الآن، مما يفرض على أوروبا تعزيز استقلالها لتصبح أحد أهم أقطاب ذلك النظام المتعدد. ولعل المغزى الأكبر يكمن في إقرار الاتحاد بأن زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة قد ولى، ومن ثم قد ولى أيضا زمن الاعتماد التام على الحماية الأمريكية، ناهيك عن أن الحماية الأمريكية لأوروبا تمر بمرحلة تحول إثر الانشغال بالصين والشعبوية الترامبية. وربما هنالك مغزى آخر يرمي إليه الأوروبيون وهو ضرورة الانفتاح على شراكات شاملة جديدة لاسيما أمنية. وهو ما تبدى بوضوح في استضافة كندا للقمة في واقعة نادرة الحدوث عامة، إذ نادرا ما يتم استضافة ضيف في القمم الأوروبية الخاصة من خارج أوروبا، كندا لم تحضر كمتفرج فقط، بل شاركت الأوروبيين رؤية النظام الدولي المتعدد الأقطاب، مع وعود ضمنية لتعزيز الشراكة مع أوروبا في مجالات مختلفة من بينها أمنية. القمة قفزة هامة لأوروبا بلا شك من حيث تحدي النفوذ الروسي في القوقاز، استقطاب قوى خارجية للأمن والاقتصاد الأوروبي، والإقرار بواقع التعددية الدولية وتراجع الدور الأمريكي وحتمية تقليل الاعتماد عليه، قفزات جيدة قطعاً في مسيرة تقوية واستقلال أوروبا، ومع ذلك، سيظل السؤال المعضلة للأوروبيين أنفسهم قبل المراقبين، هل ستنجح أوروبا في تحقيق الاستقلالية التامة لا سيما الأمنية؟ مسألة الاستقلالية الأمنية التامة لأوروبا قد استحوذت على مئات الأوراق البحثية، لكن اللافت أنها قد أجمعت على أنها حلم ليس مستحيلاً لكنه شديد الصعوبة، ويحتاج إلى وقت طويل ليس أقل من عقدين حال توافر عمل وإرادة جبارة، وهذا من حيث المبدأ. لكن أيضاً يجب الاستناد أو الإحالة إلى تطور القوة والاستقلالية الأوروبية منذ الحرب الأوكرانية 2022، حيث قد عزمت أوروبا على ذلك بصورة جدية غير مسبوقة، لكن ما تم خلال تلك الفترة قد دعم فرضية الصعوبة بصورة جازمة، بل أيضا قد رسخ للكثيرين حتى دول أوروبية استحالة تحقيق الاستقلالية تماما لأنه قد تم اختبار تحدياتها على أرض الواقع. إذ قد تبدى جلياً الانقسام المزمن بين اتحاد من 27 دولة، وشكوك حول قيادة بديلة لواشنطن، وتحدي إنفاق دفاعي مطرد يناهز المليارات سنويا، وتحدي تصنيع عسكري استراتيجي يحتاج عقودا من النمو بجانب تريليونات الدولارات، وتباين حاد في المصالح والرؤى الأمنية بعض الدول الأوروبية مثل المجر لا تعتبر روسيا عدواً. وفوق كل ذلك- وهو الأهم- استمرار الثقة المطلقة في الناتو ومن خلفه واشنطن من جانب جل الدول الأوروبية ربما الاستثناء فرنسا، فالدول الأوروبية تؤمن ضمنيا أنه لا بديل مطلقا عن الناتو ولا تتصور بديلا آخر، وان قيادة أوروبية بديلة مجرد هراء. خلاصة الأمر، أوروبا حقا في ورطة شديدة فهي تتمنى فعليا عدم فك الارتباط بالناتو والولايات المتحدة، لكنها تصطدم يوميا بواقع متغير لا سيما واقع الولايات المتحدة، لكن ذلك لا يرجح استقلالية الاتحاد مطلقاً، بقدر ما يرجح مزيدا من الانقسام، وتزايد النزعة الاستقلالية الفردية للدول الأوروبية عن الناتو والولايات المتحدة.
669
| 26 مايو 2026