رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حقيقة واقعة على أرض قطر، نجاح بكل المقاييس، افتتاح وتنظيم أثبتا المهنية والاحترافية، أردت من خلال هذا المقال أن أضيف لمسة لجانب آخر وعته قطر، عندما خططت لتنقلٍ أكثر استدامةً وأماناً، من خلال تطوير قطاع النقل والمواصلات في الدولة، بحيث تُقدم نهجاً نظامياً للتغلب على التحديات، وخلق نقلٍ نظيفٍ للغد وتشغيل نظام يوفر بيئة صحية.
ما أطرحه في هذا المقال يهدف لتوفير جودة هواء داخلي أفضل من خلال التزويد بإرشادات عامة، لمشغلي الحافلات، حيث يتواجد المشجعون والمستخدمون بكثافة عالية داخل الحافلات، وفي أماكن الانتظار. وتعد الأماكن عالية الكثافة، كوسائل النقل العام مصدر قلق خاص، نظراً لأن الناس عادة ما يكونون على مقربة شديدة من بعضهم البعض. وقد تم ربط التعرض لملوثات الهواء المرتبطة بالمرور بزيادة المخاطر الصحية للقلب والأوعية الدموية وتفاقم الربو وانخفاض وظائف الرئة واحتشاء عضلة القلب.
تعد جودة الهواء من أكثر القضايا إلحاحاً في هذا القرن، حيث يعاني الناس في جميع أنحاء العالم من أمراض خطيرة نتيجة لسوء نوعية الهواء في المدن، بسبب تطور وسائل النقل البري، وزيادة تأثير الأنشطة الصناعية. وتتسبب الكثافة العالية للأشخاص داخل الحافلات ومرافقها ونوعية الهواء الخارجي الذي يتم نقله إليها بغرض تخفيف الملوثات على جودة الهواء داخلها.
وعندما تكون هذه الوسائل مزدحمة، يزيد خطر الاتصال بالمستخدمين وبالأسطح التي يُحتمل أن تكون ملوثة، وبالتالي زيادة المخاطر على صحتهم. حيث يساهم الهواء المنتشر بواسطة أجهزة التهوية في نشر التلوث والفيروسات والبكتيريا. وهناك مصدران رئيسيان للقلق في مرافق الحافلات وهما عدم كفاية التهوية "التزويد بالهواء الخارجي وجودته" وتسرب غازات العوادم إلى مقصورات الركاب.
ويتطلب الوصول إلى جودة هواء مناسبة في الحافلة وجود توازن بين التهوية "تدفق الهواء الخارجي إلى الحافلة" لتقليل مخاطر انتقال المرض عن طريق البكتيريا والفيروسات المنبعثة من البشر، والحد من تلوث الهواء الخارجي المحتمل تسلله إلى الحافلة، والكفاءة النشطة للنظام للحفاظ على درجة حرارة ورطوبة مناسبة.
وبسبب صعوبة قياس العديد من الملوثات داخل الحافلات ومرافقها، فقد تم اختيار غاز ثاني أوكسيد الكربون كمؤشر جيد يدل على فاعلية نظام التهوية وكفايته. وقد تم اقتراح القيمة العددية لتركيز غاز ثاني أوكسيد الكربون ليكون ما بين 1000 – 2500 جزء من المليون "وقد يختلف حسب معايير كل دولة". كما تعتبر درجة الحرارة والرطوبة النسبية كذلك من المؤشرات المهمة لظروف الراحة الحرارية التي تؤثر على جودة الهواء، حيث إن الرطوبة النسبية العالية تعمل على تكاثر الفطريات والبكتيريا، فالنطاق الحراري الموصى به هو من 20 إلى 26 درجة مئوية، والرطوبة النسبية الموصى بها من 40 إلى 60%.
ويمكن الحد من خطر انتقال الأمراض عبر أنظمة التهوية عن طريق زيادة معدلات التهوية في المركبات. وفي حالة الحافلات المجهزة بأنظمة تكييف للهواء تعتمد على تدوير الهواء بالكامل، يكون خطر انتقال الأمراض التنفسية المعدية بسبب استنشاق الايروسولات المحملة بمسببات الأمراض عالياً. إضافة لارتفاع مستويات غاز ثاني أوكسيد الكربون من قبل الأشخاص بسبب التنفس. لذلك يجب استعمال مستشعر لغاز ثاني أوكسيد الكربون عندما يتجاوز العتبات المسموح بها كما يراعى ترشيح الهواء الخارجي قبل دخوله.
وعلى الرغم من أن ظروف الراحة الحرارية في الحافلات يمكن أن تتأثر بظروف الطقس الخارجية، إلا أنه يجب أن يسعى مشغلو الحافلات إلى تصميم وتشغيل وصيانة أنظمة التحكم البيئي على متن الحافلات والقطارات، لتحقيق النطاقات الموصى بها لدرجة الحرارة والرطوبة النسبية تحت أوضاع التشغيل العادية لمنشآتهم. ولضمان النجاح، ينبغي مراعاة وجود خطة لوضع إجراءات مناسبة عند تجاوز إرشادات جودة الهواء ذات الصلة. وإعلام الجمهور عن وجود أي إجراءات مناسبة للتعامل مع الشكاوى المتعلقة بجودة الهواء داخل مرافق الحافلات.
ومن أجل تحقيق جودة هواء داخلي أفضل، تُراعى المتطلبات التالية:
1. متطلبات التصميم للحافلات: حيث يُراعى في تصميم الحافلات تلبية إرشادات جودة الهواء، وترقية التصاميم، واختيار محركات منخفضة التلوث، بحيث يكون موقع العادم بعيداً عن مدخل الهواء الخارجي لنظام التهوية. وأما تصميم المقصورة، فيجب عزل الجزء الداخلي لمقصورة الركاب عن عادم المحرك مع مراعاة تسهيله لإجراء أعمال النظافة والصيانة، وتقليل المنافذ التي قد تتراكم فيها الأوساخ والكائنات الحية الدقيقة. مع أهمية تهوية جميع أجزاء المقصورة بشكل كافٍ عن طريق تدفق الهواء الناجم عن نظام التهوية، واختيار مواد ذات حد أدنى من انبعاثات الملوثات، مثل الدهانات ذات المحتوى المنخفض من المركبات العضوية المتطايرة، وأغطية المقاعد التي تقاوم التلوث لتجنب نمو البكتيريا والفطريات.
2. نظام التهوية: يُراعى أن يكون مدخل الهواء الخارجي على مستوى عالٍ من جسم المقصورة، مع مراعاة معايير ASHRE ذات الصلة. كما ينبغي تركيب مراوح بحجم مناسب، مع السماح بالتنظيف المنتظم، إضافة لتصميم وتحديد منافذ الهواء وشبكات الهواء الراجعة، حتى يتم توزيع الهواء بالتساوي في المقصورة، ويتم تثبيت دوارات قابلة للتعديل كمخمدات للتحكم في تدفق الهواء، مع مراعاة تصميم معدل تهوية حسب السعة الاستيعابية القصوى للركاب لتلبية إرشادات جودة الهواء.
3. الممارسات التشغيلية: ينبغي اعتماد الممارسات التشغيلية الجيدة مثل إغلاق مخمد الهواء الخارجي عندما تمر الحافلة في مناطق ملوثة أو أثناء الازدحام أو في الأنفاق، مع ضرورة المراقبة والتفتيش والصيانة، وأخذ عينات لفحص مستويات غاز ثاني أوكسيد الكربون لعينة عشوائية من الحافلات لا تقل عن 10%. مع أهمية فحص معدل التهوية في المقصورات، ومراقبة متوسط تركيز غاز ثاني أوكسيد الكربون لمدة ساعة أثناء الوضع الطبيعي، وكذلك في ساعات الذروة. وعند تجاوز هذه المعايير لا بد لمسؤول جودة الهواء من عمل تفتيش لتقصي الأسباب ووضع حلول التخفيف والتأكد من الالتزام بالمعايير.
4. برامج التنظيف والصيانة: وضع برامج لتنظيف وإزالة الأوساخ والنفايات، وتنظيف قنوات الهواء وملفات التبريد، واستبدال المرشحات وتنظيفها، وتجنب تسريب المياه، مع إزالة البقع والبكتيريا والعفن، كذلك تنظيف وصيانة أنظمة التهوية في الباصات والقطارات، كما ينبغي تنظيف ملفات التبريد حسب إرشادات المصنع، واستخدام فلاتر HEPA، واستخدام مكانس كهربائية عالية الشفط، مع تنظيف قنوات التهوية وضرورة الاحتفاظ بملفات الصيانة.
5. اختيار حلول أكثر فاعلية لمعالجة الهواء: تتطلب تقنية معالجة الهواء الفهم الشامل لأصول الملوثات، فالفهم لطبيعة الملوثات يكون سبباً للحد من انبعاثها عند مصدرها، والتي تنتجها أنظمة النقل من خلال الكبح الميكانيكي، وتآكل الإطارات والاحتكاك على القضبان، وانبعاثات الديزل وغيرها. وتقنيات معالجة الهواء متعددة، بحيث يمكن استخدام إحداها أو الجمع بينها بحسب الحاجة. ومن أمثلة هذه التقنيات المقترحة، الفلترة الميكانيكية أو الفلترة الإلكترونية التي تعتمد على فصل الأيونات، وكذلك البلازما والمجال المغناطيسي، إضافة لتقنية معادلة الملوثات والتي تتم باستخدام الأشعة فوق البنفسجية والمحفزات الضوئية.
6. استخدام أنظمة تهوية هجينة: هذه الأنظمة تجمع بين التهوية الطبيعية والتهوية الميكانيكية، كما أن المحطات تستخدم ما يُسمى بأبواب حاجب الأمان التي تعتبر حلاً آخر أكثر فاعلية، فهي تغلق المنصة بالكامل وتفتح فقط عندما يتوقف القطار تماماً في المحطة، وهذا يؤدي بدوره إلى حماية الركاب من التعرض لملوثات الهواء مثل غاز ثاني أوكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين وثاني أوكسيد الكبريت والجسيمات الدقيقة.
7. استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة التهوية وتكييف الهواء: حيث تمكن هذه التقنية من إمكانية المراقبة المستمرة لمؤشرات الهواء المتعلقة بالراحة وجودة الهواء وكفاءة الطاقة، إضافة لاستهلاك الكهرباء في المحطات، كما أنها تقوم بجمع البيانات الجوية مثل توقعات الطقس والظروف البيئية في المحطات، ووفقاً لهذه البيانات يتم برمجة تشغيل الأنظمة لتنظيم درجة الحرارة واستهلاك الطاقة. وهذا التحكم الذكي في التهوية يجلب قدراً أكبر من الهواء النقي إلى الداخل ما سيزيد من النظافة ويوفر جودة أفضل، وهذا بدوره يقلل من خطر انتشار الكائنات الممرضة التي تنتقل عبر الهواء، كما أنه يقلل مستويات الملوثات الهوائية الأخرى.
وختاماً: بالنظر إلى المستقبل، يجب أن تسعى أنظمة التهوية إلى تحسين الراحة وجودة الهواء وكفاءة الطاقة مع محاولة تحقيق ذلك من خلال دعم البنية التحتية للاستهلاك الصفري، إلا أن هذه الأنظمة المستدامة قبل كل شيء، لا بد من أن تحافظ دائماً على جودة الهواء الداخلي في وسائل النقل العام.
القتل بالضحك.. جريمة التنمر الصامتة
جراح اللسان أعمق من جراح السيوف، ليس كل جرح ينزف دماً، ولا كل ألم يصرخ صاحبه. التنمر آفة... اقرأ المزيد
126
| 15 مايو 2026
النور فى المشاركات الإستراتيجية
المشاركات الهادفة هي طريق النور لإنهاء النزاعات من خلال الوساطة الدبلوماسية المستمرة المثمرة والمستدامة لتقريب وجهات النظر لفض... اقرأ المزيد
84
| 15 مايو 2026
الإيمان.. صمام الأمان في زمن الأزمات
في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، يجد الإنسان نفسه محاصرًا بين ضغوط العمل، تقلبات الأسواق، وأحداث لا... اقرأ المزيد
81
| 15 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية
falotoum@hotmail.com
@faalotoum
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
3375
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
3315
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1449
| 13 مايو 2026