رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أضعنا عيالنا

قرأتُ للأستاذ عبدالرحمن الشمري مقاله «ضاعوا عيالنا»، فقرأتُه مرّتين: مرةً بعين الناقد، ومرةً بقلب والد. وقد عوّدنا كاتبنا الكريم أن يطرق ما تخفق له قلوب الأسر، وأن يكتب في الصحيفة ما يتهامس به الناس في المجالس، فله التقدير والإجلال. غير أنني أرى العنوان يحتاج مراجعةً رفيقة: فليس أبناؤنا من ضاعوا، بل نحن الذين أضعناهم؛ هم في بيوتنا، ينامون في غرفنا، ويأكلون على موائدنا، لكنهم صاروا غرباء لأننا تنازلنا عن دورنا وتركنا الحصن بلا حارس. والقرآن يخاطب الأسرة كلها لا طرفًا واحدًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، فالوقاية مسؤولية مشتركة. وقال ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته... والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسؤولةٌ عن رعيتها». فالأسرة منظومة متكاملة، إذا غاب أحد طرفيها اختل الحصن. الأم ليست شريكةً في الحمل فحسب، بل شريكةٌ في الحساب؛ هي المدرسة الأولى التي تتشكل على يديها لغةُ الطفل وذوقه ووجدانه. والأب ليس ممولًا فقط، بل القائم على البيت وقدوته. لكننا جميعًا قصّرنا: انشغلنا بالبيت والعمل والهاتف، وظننا أن الطعام النظيف والملابس المرتبة تربية، ثم فوجئنا بأبنائنا يتحدثون لغةً لا نفهمها، ويضحكون لشيء لا نعرفه، ويخافون من أشياء لا نراها. كنا نظن أن التربية حنانٌ فقط، فإذا بها حنانٌ ووعيٌ وحراسةٌ ومتابعةٌ وحوارٌ لا ينقطع. والأشد إيلامًا أننا نكتشف حجم الفجوة متأخرين، حين يصبح الابن مراهقًا يغلق بابه، ويضع سماعاته، ويصبح الصمت بيننا أثقل من أي كلام. إن الشاشة ليست العدو الأول، بل الفراغ الذي ملأته. أضعنا الوقت فسرقته الشاشات، وأضعنا الحوار فجاءت التطبيقات تتحدث إليهم، وأضعنا القدوة فصار المؤثرون قدوتهم، وأضعنا المجلس العائلي فاستبدلوه بغرف مغلقة. ولقمان عليه السلام لم يوصِ ابنه بحجبٍ ولا بجدار، بل غرس في قلبه مراقبة الله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾، فمن استشعر أن الله يراه في خلوته لم يحتج إلى رقيبٍ يطارد خطواته، ولا إلى قانونٍ يحرس قلبه. وتلك هي الحصانة التي لا تُخترق، لأنها تسكن الداخل لا الجدار. وقد رسم النبي ﷺ منهجًا لا يُشقّ له غبار؛ ربّى بالتدريج لا بالبطش حين قال: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع»، فجعل للتربية مراحلَ وأزمنة، لا قراراتٍ مفاجئة تُفرض على طفلٍ لم يُهيَّأ لها. وكان يلاعب الحسن والحسين، ويقبّل إبراهيم، ويصلي حاملًا أمامة؛ فالتربية عنده مصاحبةٌ لا مخاصمة، وملاطفةٌ لا مؤاخذة. وقال الغزالي في «الإحياء»: الولد أمانةٌ في يد والديه، وقلبه جوهرةٌ نفيسة إن عُوّد الخير نشأ عليه. وقال ابن القيم: «وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبل الآباء وإهمالهم لهم». وقال ابن خلدون: التربية عادةٌ ومحاكاة، فالابن يقلّد قبل أن يسمع، ويحاكي قبل أن يطيع. وأعظم وسيلة أن يرى الابن أباه قدوة، يضع هاتفه ويذهب للصلاة بصحبة أبنائه، وترى البنت أمها محتشمة، تختم وردها وتستحي من نظرة محرّمة، فيتعلمان دون وعظ. نعم، نحتاج ضوابط تشريعية تعين الأسرة، لكن الحجب لا يزرع ضميرًا، والقانون لا يمنح ابنك وقتًا. الدولة تحمي الباب، والأسرة كلها تحمي القلب. وسلاحها الذي لا يُغلب: الدعاء؛ فقد دعا إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾، وكان ﷺ يعوّذ الحسن والحسين بكلمات الله التامة. أعظم ما أضعنا به أبناءنا أننا أخذناهم من حِجر القرآن إلى مدارس لا تعرف الله، ولا تُدرّس كتابه، ولا تُربّي على سنة نبيه ﷺ. ظننا أن الشهادة الأجنبية شرف، واللسان الأجنبي رفعة، فإذا بنا نسلّم أبناءنا لمن يغسل عقولهم بلغة لا نفهمها، ويغرس فيهم قيمًا لا نؤمن بها، ويفصلهم عن دينهم وأمتهم. ثم نبكي بعد ذلك ونسأل: لماذا صار أبناؤنا غرباء؟ والجواب واضح: لأننا أضعناهم حين أخذناهم من منهج القرآن، ووضعناهم في مدارس أجنبية تعلّمهم كل شيء إلا دينهم. فمن عاد إلى الله عاد إليه أبناؤه؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾. أضعنا عيالنا حين نسينا أنهم أمانة، والله سائلنا عنهم.

417

| 21 سبتمبر 2026

حين يصبح الانتظار مرضًا آخر...

حين يصبح الانتظار مرضًا آخر... المتقاعد بين قوائم الانتظار وتكاليف العلاج التقاعد ليس نهاية للعطاء، بل بداية مرحلة يفترض أن يحظى فيها الإنسان بالاستقرار والطمأنينة بعد سنوات طويلة قضاها في خدمة وطنه. ومن أبسط صور هذا الاستقرار أن يشعر المتقاعد بأن حصوله على الرعاية الصحية لن يكون معركة جديدة يخوضها في وقت أصبح فيه أكثر حاجة للعلاج. لكن الواقع الذي يعيشه عدد من المتقاعدين يطرح تساؤلًا مهمًا: ماذا يفعل المريض عندما يكون موعده في العيادة التخصصية أو العلاج الطبيعي بعد أشهر، بينما مرضه لا يعرف معنى الانتظار؟ فالكثير من المتقاعدين يعانون أمراضًا مزمنة أو حالات صحية تتطلب متابعة مستمرة، وتأخير العلاج في بعض الحالات لا يعني فقط استمرار الألم، بل قد يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية، وانخفاض فرص التعافي، وزيادة الحاجة إلى تدخلات علاجية أكثر تعقيدًا وتكلفة. وهنا يجد المتقاعد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما انتظار موعد قد يأتي بعد فوات الأوان، أو اللجوء إلى المستشفيات والعيادات الخاصة وتحمل تكاليف قد تفوق قدرته المالية. وما يزيد هذه المعاناة أن كثيرًا من المتقاعدين لا يزالون يواجهون التزامات مالية وقروضًا تستقطع جزءًا من دخلهم التقاعدي، لتصبح فاتورة العلاج الخاص عبئًا إضافيًا يثقل حياتهم في مرحلة كان يفترض أن تكون أكثر استقرارًا وكرامة. لقد لاقت المبادرة التي أطلقتها مؤسسة حمد الطبية لتحويل المواطنين الذين تطول مواعيدهم إلى عدد من المستشفيات الخاصة ترحيبًا واسعًا، لأنها قدمت نموذجًا عمليًا للتعامل مع قوائم الانتظار، وأثبتت أن الشراكة مع القطاع الخاص يمكن أن تسهم في تسريع حصول المرضى على العلاج في الوقت المناسب. وإذا كانت هذه الآلية لم تعد متاحة لبعض الفئات أو لم تعد تحقق الهدف الذي أنشئت من أجله، فإن إعادة تقييمها أصبحت ضرورة، خصوصًا بالنسبة للمتقاعدين الذين يشكل عامل الوقت عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على صحتهم. القضية هنا ليست مطالبة بامتيازات إضافية، بل دعوة إلى تعزيز كفاءة المنظومة الصحية. فالعلاج المبكر أقل تكلفة من علاج المضاعفات، وتسريع الوصول إلى الخدمة الصحية يخفف الأعباء عن المريض وعن النظام الصحي في الوقت نفسه. ومن هنا، فإن من المناسب دراسة حلول عملية، مثل إعادة تفعيل برنامج تحويل الحالات التي تتجاوز مدة انتظارها الحدود الطبية المقبولة إلى المستشفيات الخاصة، أو توفير مظلة تأمين صحي للمتقاعدين تتيح لهم الاستفادة من خدمات القطاع الخاص وفق ضوابط واضحة، بما يضمن استمرارية الرعاية الصحية وجودتها. إن المجتمع الذي يكرّم أبناءه بعد سنوات خدمتهم لا يكتفي بشهادات التقدير، بل يترجم هذا التقدير إلى سياسات تحفظ كرامتهم وجودة حياتهم. فالمتقاعد الذي أفنى عمره في خدمة وطنه يستحق أن يطمئن إلى أن حقه في العلاج لن يكون رهين قائمة انتظار، وأن صحته لن تتأثر بقدرته على تحمل تكاليف القطاع الخاص. فالوفاء الحقيقي لمن خدم وطنه لا يكون عند نهاية الخدمة فقط، بل يستمر عندما يحتاج إلى من يقف إلى جانبه، ويحفظ له حقه في العلاج الكريم، في الوقت الذي يحتاجه، لا بعد أن يصبح الانتظار مرضًا آخر.

198

| 04 سبتمبر 2026

قبل أن يدق الجرس... هناك ما هو أهم

اليوم يدق الجرس، فتفتح المدارس أبوابها، وتمتلئ الممرات بخطوات الطلاب، وتعود الفصول إلى مقاعدها، وتبدأ سنة دراسية جديدة. حقائب جديدة، ودفاتر مرتبة، وملابس مدرسية، وجداول أُعدّت بعناية، ومناهج تنتظر أن تبدأ رحلتها. كل شيء يبدو مستعدًا. لكن هل نحن مستعدون لما هو أهم؟ الطالب نفسه. ليس الطالب الذي يحمل حقيبته ويدخل من بوابة المدرسة، بل الإنسان الذي يقف خلفها. ماذا تغيّر فيه خلال الإجازة؟ ماذا حمل معه إلى المدرسة غير كتبه؟ هل عاد أكثر ثقة بنفسه، أم أكثر قلقًا؟ هل اكتشف موهبة جديدة؟ هل فقد صديقًا؟ هل مرّ بتجربة جعلته ينظر إلى نفسه أو إلى الآخرين بطريقة مختلفة؟ أسئلة قد لا تظهر في أي جدول دراسي، لكنها قد تحدد كيف سيقضي الطالب عامًا كاملًا. فنحن كثيرًا ما نستعد للعام الدراسي وكأنه موعد على التقويم: نجهز الفصول، نرتب الجداول، نوزع الكتب، ونبدأ المنهج. وكأن الطالب الذي يعود إلى المقعد نفسه هو الطالب ذاته الذي غادره قبل أشهر. لكنه ليس كذلك. فالطفل والمراهق لا يتوقفان عن النمو لأن المدرسة أغلقت أبوابها. وقد تكون الإجازة قصيرة في التقويم، لكنها طويلة بما يكفي ليعود الطالب بأفكار جديدة، واهتمامات مختلفة، وأسئلة لم تكن لديه من قبل، وربما بمخاوف لا يعرف كيف يضعها في كلمات. وهنا تكمن مسؤولية المدرسة الحقيقية: أن تستقبل الإنسان الذي تغيّر، لا أن تبحث فقط عن الطالب الذي تتذكره. لذلك، ربما آن الأوان أن نعيد صياغة سؤال البداية. ليس: ماذا سنعلّم أبناءنا هذا العام؟ بل: ماذا نحتاج أن نعرف عنهم أولًا؟ فالمعلم قد يشرح الدرس بإتقان، ويلتزم بالخطة، ويستخدم أحدث الوسائل، لكنه لن يصل إلى الطالب كاملًا إذا لم يرَ الإنسان الذي يقف أمامه. قد يكون الطالب الهادئ ليس ضعيفًا، بل خائفًا من الخطأ. وقد يكون كثير الحركة لا يفتقر إلى الانضباط، بل يبحث عن مساحة تستوعب طاقته. وقد يكون الطالب المتفوق الذي نفرح بدرجاته أكثر من غيره بحاجة، هو الآخر، إلى من يسأله: هل أنت بخير؟ نحن أحيانًا نعرف نتائج أبنائنا أكثر مما نعرف أبناءنا. نعرف درجاتهم، وترتيبهم، ونسبة حضورهم، وعدد الملاحظات المسجلة عليهم؛ لكن هل نعرف ما الذي يشعل فضولهم؟ ما الذي يطفئ ثقتهم؟ متى يشعرون أنهم قادرون؟ ومتى يشعرون أنهم غير مرئيين؟ لا يعني ذلك أن نتخلى عن الانضباط أو التحصيل أو التوقعات العالية. على العكس، المدرسة الجادة هي التي تعرف كيف تجمع بين صرامة التوقعات ودفء التعامل؛ بين محاسبة الطالب على أدائه، ومساعدته على فهم أسباب تعثره. فالدرجة تقيس إجابة في اختبار، لكنها لا تقيس شغفًا، ولا فضولًا، ولا قدرة على النهوض بعد الفشل. وفي زمن أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر، لم يعد المعلم مجرد مصدر للمعلومة. قيمته الأهم أن يساعد الطالب على أن يسأل، ويفكر، ويميز، ويكتشف، وأن يحول المعرفة من معلومات محفوظة إلى قدرة يعيش بها. ولهذا، فإن أول يوم دراسي لا ينبغي أن يكون سباقًا للوصول إلى أول صفحة في الكتاب. ربما يكون الأهم أن يشعر الطالب بأن المدرسة ليست مكانًا يُقاس فيه كل يوم، بل مكانًا يُرى فيه، ويُسمع، ويُمنح فرصة للنمو. فحين يدق الجرس، لن يدخل إلى الفصل كتابٌ فقط، بل سيدخل إنسان يحمل قصة لا نعرفها كاملة. فلنسأل قبل أن نسأله عن واجبه ودرجته: من هو الطالب الذي عاد إلينا اليوم؟ لأن المدرسة التي تعرف طلابها تستطيع أن تعلّمهم، والمدرسة التي تمنحهم الأمان والانتماء تجعلهم أكثر استعدادًا للتعلم والمحاولة والنجاح. وقبل أن يدق الجرس… وقبل أن نفتح الكتب… هناك ما هو أهم. أن نفتح أولًا مساحة للإنسان. فالإنسان أولاً ثم نبدأ التعليم.

222

| 29 أغسطس 2026

سلامة مياه الشرب... أكثر من مجرد عبوة

في عالم يشهد تغيرات متسارعة في المناخ والتكنولوجيا والصناعة، لم تعد سلامة مياه الشرب المعبأة قضية تتعلق بجودة المياه أو مادة العبوة وحدها، بل أصبحت جزءاً من منظومة متكاملة تشمل التصنيع، والنقل، والتخزين، والرقابة، والبحث العلمي، وحتى سلوك المستهلك. ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل العبوات البلاستيكية آمنة؟ بل: هل منظومتنا قادرة على ضمان استمرار سلامتها في ظل التحديات الجديدة؟ شهدت السنوات الأخيرة اهتماماً علمياً متزايداً بظاهرة تعرف بـ الهجرة الكيميائية، وهي انتقال كميات ضئيلة من بعض المركبات من مواد التعبئة إلى الأغذية أو المشروبات في ظروف معينة، مثل ارتفاع درجات الحرارة أو طول مدة التخزين. ويؤكد العلماء أن وجود هذه الظاهرة لا يعني بالضرورة وجود خطر صحي، فالعبرة ليست بوجود المادة وحده، وإنما بتركيزها، ومدة التعرض لها، والبيانات السمية المتوافرة عنها. وفي المقابل، فإن الدراسات العلمية لم تعد تقتصر على قياس عناصر معروفة مثل الأنتيمون، بل توسعت لتشمل موضوعات أحدث، مثل المواد غير المضافة قصداً (NIAS)، وهي مركبات قد تتكون أثناء التصنيع أو التخزين أو نتيجة تحلل بعض مكونات العبوة، إضافة إلى الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والنانوية (Microplastics and Nanoplastics) التي أصبحت من أكثر الموضوعات بحثاً في الصحة البيئية. ولا يعني ذلك أن هذه المواد تمثل خطراً صحياً مؤكداً عند مستويات التعرض المعتادة، لكنه يعكس اتجاهاً عالمياً نحو فهم أشمل لسلامة مواد ملامسة الأغذية، ومراجعة المعرفة العلمية كلما ظهرت تقنيات تحليل أكثر تطوراً. وفي منطقتنا الخليجية، يكتسب هذا الموضوع أهمية إضافية. فارتفاع درجات الحرارة خلال أشهر الصيف، والتعرض المحتمل للحرارة أثناء النقل أو التخزين، يفرضان تحديات تختلف عن كثير من البيئات المعتدلة. لذلك، فإن جودة المنتج لا تعتمد على جودة التصنيع وحدها، بل على قدرة سلسلة الإمداد بأكملها على المحافظة على ظروف تخزين ونقل مناسبة حتى تصل العبوة إلى المستهلك. ويزداد هذا التحدي مع التغيرات المناخية، التي أدت إلى تكرار موجات الحر وارتفاع شدتها في كثير من مناطق العالم. ولم يعد تغير المناخ قضية بيئية منفصلة، بل أصبح عاملاً مؤثراً في سلامة الأغذية ومياه الشرب وسلاسل الإمداد. وهذا يفرض على الجهات الصحية والرقابية مراجعة برامجها بصورة مستمرة، والتأكد من أن إجراءات الرقابة وسيناريوهات الاختبار تواكب الواقع المناخي المتغير، خاصة في البيئات الحارة مثل دول الخليج. ومن هنا، فإن المستقبل لا يكمن في استبدال العبوات البلاستيكية بمواد أخرى فحسب، لأن لكل مادة مزاياها وتحدياتها، وإنما في تطوير منظومة متكاملة لإدارة المخاطر تعتمد على البحث العلمي، والرقابة المستمرة، والابتكار، وتحسين إدارة سلسلة الإمداد. ومن منظور التميز المؤسسي، فإن هذه القضية تقدم مثالاً واضحاً على التحول الذي يجب أن تشهده المؤسسات الرقابية. فلم يعد النجاح يقاس بعدد العينات التي تُفحص أو الزيارات التفتيشية التي تُنفذ، بل بقدرة المؤسسة على استشراف المخاطر قبل وقوعها، وتحليل البيانات، وربط نتائج البحوث العلمية بقراراتها التنظيمية، وتحديث إجراءاتها كلما ظهرت معارف جديدة. كما أن التطور التقني يفتح آفاقاً جديدة في هذا المجال. فاليوم أصبح بالإمكان استخدام أجهزة استشعار رقمية لمراقبة درجات الحرارة والرطوبة أثناء النقل والتخزين، وربطها بأنظمة تحليل بيانات تساعد على اكتشاف أي انحراف قبل أن يؤثر في جودة المنتج. وهذه هي الرقابة الذكية التي تتجه إليها الأنظمة الحديثة، والتي تجعل اتخاذ القرار قائماً على البيانات في الوقت الحقيقي، وليس على اكتشاف المشكلة بعد وقوعها. وفي المقابل، تبقى مسؤولية المستهلك جزءاً من منظومة السلامة. فالالتزام بحفظ عبوات المياه في أماكن مظللة أو مكيفة، وتجنب تركها داخل السيارات أو تحت أشعة الشمس المباشرة، وعدم إعادة استخدام العبوات أحادية الاستخدام بصورة متكررة، كلها ممارسات بسيطة تسهم في الحفاظ على جودة المنتج وتقليل التعرض غير الضروري للحرارة. أما الجهات الصحية والرقابية، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الرقابة التقليدية إلى إدارة المخاطر المبنية على الأدلة، من خلال تعزيز برامج الرصد الوطني، ودعم الدراسات المحلية التي تعكس خصوصية المناخ الخليجي، وتطوير المختبرات المرجعية، وتشجيع التعاون بين الجامعات وهيئات المواصفات والقطاع الصناعي، حتى تصبح البيانات المحلية جزءاً من عملية صنع القرار. إن حماية صحة المجتمع لا تتحقق بإثارة الخوف من العبوات البلاستيكية، كما لا تتحقق بالاطمئنان المطلق إليها، وإنما ببناء منظومة متكاملة تجمع بين العلم، والحوكمة، والابتكار، والرقابة، والتحسين المستمر. وفي تقديري، فإن التحدي الحقيقي خلال السنوات القادمة لن يكون في الإجابة عن سؤال: "هل العبوات البلاستيكية آمنة؟"، بل في قدرة مؤسساتنا على مواكبة التغيرات العلمية والمناخية، وتحويل نتائج الأبحاث إلى سياسات وإجراءات استباقية تعزز حماية الصحة العامة. فالمؤسسات المتميزة لا تنتظر ظهور المشكلة، بل تبني أنظمتها على المعرفة، وتستثمر في البحث العلمي، وتتعامل مع التحديات المستقبلية قبل أن تتحول إلى مخاطر. وهنا يكمن جوهر التميز المؤسسي، وجوهر المسؤولية تجاه صحة الإنسان.

312

| 17 أغسطس 2026

من الشراكة إلى الأثر.. مبادرات التوعية بصحة العمال

تمثل المبادرات الوطنية المعنية بصحة وسلامة العمال إحدى الصور المشرقة لالتزام دولة قطر بحماية الإنسان، وتعزيز بيئات العمل الآمنة، وترسيخ مفهوم الوقاية باعتباره استثماراً في الإنسان والتنمية معاً. وفي هذا الإطار، جاءت مبادرة وزارة البلدية للتوعية بالإجهاد الحراري، بمشاركة المجلس البلدي المركزي، واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، وصندوق دعم وتأمين العمال، والهلال الأحمر القطري، ومؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية، ومؤسسة عفيف الخيرية، لتقدم نموذجاً وطنياً يعكس قيمة الشراكة المؤسسية عندما تتوحد الجهود حول هدف إنساني مشترك. وتستحق وزارة البلدية وجميع الجهات المشاركة خالص الشكر والتقدير على هذه المبادرة، التي تؤكد أن سلامة العامل لم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل أصبحت مسؤولية وطنية تتكامل فيها الأدوار والخبرات، بما ينسجم مع رؤية قطر الوطنية 2030 التي جعلت الإنسان محور التنمية وغايتها، ورسخت مبادئ الاستدامة وجودة الحياة. إن تنظيم مثل هذه المبادرات يسهم في نشر الوعي بمخاطر الإجهاد الحراري، وتعزيز ثقافة السلامة والصحة المهنية، ويبعث برسالة مهمة مفادها أن حماية العامل تمثل أولوية وطنية وإنسانية. كما أن مشاركة الجهات الحكومية والمؤسسات الوطنية والمجتمعية في هذه المبادرة تعكس مستوى متقدماً من التكامل المؤسسي، وهو أحد العوامل الرئيسة لنجاح المبادرات المجتمعية وتحقيق أهدافها. ولأن وزارة البلدية رسخت مكانتها في مجال التميز المؤسسي، وتُوِّجت جهودها بحصولها على جائزة التميز المؤسسي في دورتها الأولى، فإن من الطبيعي أن تتجه مبادراتها النوعية إلى مرحلة أكثر نضجاً، لا يقتصر فيها النجاح على جودة التنظيم والشراكة الفاعلة، وإنما يمتد إلى قياس الأثر الصحي والسلوكي الذي تتركه هذه المبادرات في حياة العمال، بما يعزز قيمتها، ويجسد ثقافة التحسين المستمر التي تنتهجها الوزارة. ومن هذا المنطلق، قد يكون من المفيد في النسخ القادمة من المبادرة إضافة أدوات بسيطة لقياس أثرها، مثل تقييم مستوى المعرفة لدى العمال قبل وبعد البرنامج، أو متابعة مدى تطبيق ممارسات الوقاية في مواقع العمل، أو رصد المؤشرات الصحية المرتبطة بالإجهاد الحراري خلال موسم الصيف. فهذه الخطوات لا تهدف إلى تقييم المبادرة بقدر ما تهدف إلى تعظيم الاستفادة منها، وتزويد الجهات المنظمة بمؤشرات تساعدها على تطويرها عاماً بعد عام. كما يمكن أن تسهم إضافة تجارب عملية، ومحطات تدريب تفاعلية، ومواد توعوية متعددة اللغات، في ترسيخ الرسائل الوقائية وتحويلها إلى ممارسات يومية داخل بيئة العمل. وعندما يشعر العامل بأنه تعلم مهارة جديدة يمكنه تطبيقها لحماية نفسه وزملائه، فإن أثر المبادرة يمتد إلى ما بعد يوم الفعالية، ويصبح جزءاً من ثقافة العمل اليومية. إن ما يميز هذه المبادرة ليس فقط حسن التنظيم أو تنوع الجهات المشاركة، وإنما وجود قاعدة قوية يمكن البناء عليها مستقبلاً. فتكامل أدوار وزارة البلدية مع المجلس البلدي المركزي، واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، وصندوق دعم وتأمين العمال، والهلال الأحمر القطري، والمؤسسات الخيرية المشاركة، يوفر فرصة حقيقية لتطوير نموذج وطني للمبادرات الوقائية يقوم على الشراكة، والتوعية، وقياس الأثر، والتحسين المستمر. وفي عالم التميز المؤسسي، لا تنتهي المبادرة بانتهاء الفعالية، بل تبدأ مرحلة جديدة تتمثل في التعلم من النتائج، والبناء على النجاحات، وتعزيز الأثر الذي ينعكس على الإنسان والمجتمع. وعندما يصبح قياس الأثر جزءاً من تصميم المبادرات منذ بدايتها، فإن ذلك يضاعف قيمتها، ويعزز قدرتها على تحقيق نتائج مستدامة. وفي الختام، فإن هذه المبادرة تستحق الإشادة بوصفها نموذجاً للتعاون المؤسسي في خدمة الإنسان. وكل الثقة بأن وزارة البلدية، بما تمتلكه من خبرات، وما تنتهجه من ثقافة راسخة في التميز والتحسين المستمر، ستواصل تطوير هذه المبادرات، بما يعظم أثرها على صحة العمال، ويعزز مكانة دولة قطر كنموذج رائد في حماية الإنسان، والارتقاء بجودة الحياة، وتحقيق التنمية المستدامة.

384

| 10 أغسطس 2026

من المسؤول عن إصابة الطفل في مركز الألعاب؟

ما إن يقع حادث لطفل داخل أحد مراكز الألعاب، حتى يتكرر السؤال ذاته: من المسؤول؟ ينصرف التفكير غالبًا إلى البحث عن طرف يتحمل اللوم، فتتجه الأنظار إلى مشغل المركز، أو ولي الأمر، أو الجهة الرقابية. ورغم أهمية تحديد المسؤوليات، فإن الاكتفاء بهذا السؤال قد يحجب السؤال الأهم: كيف وقع الحادث؟ وهل كان بالإمكان منعه؟ في علم الصحة البيئية وإدارة المخاطر، لا يُنظر إلى الحوادث على أنها أحداث مفاجئة أو معزولة، بل تُعد نتيجة لسلسلة من العوامل والقرارات والإجراءات التي تفاعلت معًا حتى انتهت بوقوع الإصابة. لذلك، فإن التحقيق المهني لا يبدأ بتحديد المخطئ، وإنما بفهم الأسباب التي سمحت للحادث بأن يحدث. فقد يكون تصميم إحدى الألعاب لا يتناسب مع الفئة العمرية المستهدفة، أو أن الأرضية الماصة للصدمات لم تعد تؤدي وظيفتها بسبب التآكل، أو أن الصيانة الدورية لم تُنفذ وفق الخطة المعتمدة، أو أن تعليمات الاستخدام لم تكن واضحة، أو أن العاملين لم يتلقوا التدريب الكافي للتعامل مع المخاطر. وقد تجتمع عدة عوامل صغيرة، تبدو كل واحدة منها غير مؤثرة بمفردها، لكنها معًا تُنتج حادثًا كان من الممكن تجنبه. ومن هنا، فإن مسؤولية سلامة الطفل لا تقع على طرف واحد، بل تمتد عبر سلسلة متكاملة تبدأ من المصمم الذي يضع تصور اللعبة، والمصنع الذي يلتزم بالمواصفات الفنية، والمورد الذي يختار المنتجات المطابقة للمعايير، وفريق التركيب الذي يضمن التنفيذ الصحيح، ومشغل المركز الذي يتولى التشغيل والصيانة والإشراف، والجهات الرقابية التي تتحقق من الالتزام بالاشتراطات، وصولًا إلى دور الأسرة في متابعة الطفل وتوجيهه بما يتناسب مع عمره وقدراته. إن أي خلل في إحدى حلقات هذه المنظومة قد يضعف مستوى الحماية، ولذلك فإن التعامل مع الحوادث بمنهجية علمية يتطلب تحليلًا شاملًا للأسباب الجذرية، بدلاً من الاكتفاء بالتركيز على النتائج الظاهرة. فالإصابة ليست سوى آخر حلقة في سلسلة بدأت قبلها بوقت طويل. كما أن المؤسسات التي تتبنى ثقافة السلامة لا تعتبر الحوادث مجرد وقائع تُغلق ملفاتها بعد انتهاء التحقيق، بل تنظر إليها باعتبارها فرصة للتعلم والتحسين. فكل حادث يجب أن يقود إلى مراجعة الإجراءات، وتحديث تقييم المخاطر، وتعزيز برامج الصيانة، وتطوير التدريب، وتحسين آليات الرقابة، حتى لا يتكرر الخطأ مع طفل آخر. إن نجاح أي مؤسسة لا يُقاس بعدد الأيام التي مرت دون وقوع حادث فحسب، وإنما بقدرتها على اكتشاف المخاطر قبل أن تتحول إلى إصابات، وبمدى نضج أنظمة السلامة التي تطبقها، وبثقافة الوقاية التي ترسخها في جميع مستويات العمل. فالطفل لا يهمه من المسؤول بعد وقوع الحادث، بقدر ما يهمه ألا يقع الحادث من الأساس. ولذلك، فإن الانتقال من ثقافة البحث عن المذنب إلى ثقافة تحليل الأسباب ومنع تكرارها، يمثل خطوة جوهرية نحو بناء بيئات لعب أكثر أمانًا، وترسيخ مفهوم أن سلامة الأطفال ليست استجابة للحوادث، بل التزامٌ دائم يبدأ قبل أن يخطو الطفل أول خطوة نحو منطقة اللعب.

564

| 03 أغسطس 2026

نحو برنامج وطني يربط البيانات الصحية بعوامل الخطورة

هناك مشاهد لا تغادر الذاكرة مهما مر عليها الزمن. بالنسبة لي، لم يكن ذلك المشهد رقماً في تقرير أو نتيجة دراسة علمية، بل كان في غرفة العلاج الكيميائي للسرطان. كنت أرافق ابنة أخي في إحدى جلسات علاجها. شابة في مقتبل العمر، لم يمضِ وقت طويل على زواجها، وأم لطفلتين صغيرتين تنتظران عودتها إلى المنزل بعد كل جلسة. كنت أظن أن أصعب ما في ذلك اليوم هو مشاهدة أحد أفراد العائلة يصارع المرض، لكن ما ترك أثراً أعمق في نفسي كان ما رأيته داخل غرفة العلاج. وجوه كثيرة لشابات في أعمار متقاربة، لكل واحدة منهن قصة وأسرة وحياة كانت تسير بصورة طبيعية قبل أن تتوقف فجأة أمام تشخيص السرطان. خرجت من المستشفى وأنا أحمل سؤالاً واحداً: هل ما رأيته مجرد مصادفة فرضتها تجربة شخصية، أم أن هناك تغيراً حقيقياً يستحق أن نتوقف عنده؟ هذا السؤال لم يدفعني إلى البحث عن إجابة عاطفية، بل إلى العودة إلى ما أعرفه جيداً؛ البيانات. في تلك الليلة فتحت موقع وزارة الصحة العامة، وحملت تقارير السجل الوطني للسرطان، وبدأت أقرأها بعين الباحثة. لم أكن أبحث عن دليل يثبت ما شعرت به، لأن البحث العلمي لا يبدأ بالنتائج، بل بالأسئلة. كنت أبحث عن مؤشرات تساعد على فهم ما إذا كانت أنماط السرطان في دولة قطر تشهد تغيرات تستحق مزيداً من الدراسة. أظهرت تقارير السجل الوطني للفترة ما بين 2016-2021 أن سرطان الثدي ما زال يحتل المرتبة الأولى بين السرطانات الأكثر شيوعاً لدى النساء، كما برزت تغيرات في توزيع عدد من السرطانات الأخرى، منها سرطان القولون والمستقيم وسرطان الغدة الدرقية، مع حضور أكبر لسرطانات الكلى والكبد والمعدة مقارنة بالتقارير السابقة. وبالطبع، فإن هذه الملاحظات لا تعني أن أسباب السرطان قد تغيرت، كما أن مقارنة أعداد الحالات لا تكفي وحدها لتفسير الاتجاهات الزمنية دون الاعتماد على معدلات الإصابة المعيارية حسب العمر، لكنها تثير سؤالاً علمياً مشروعاً حول ما إذا كانت عوامل الخطورة في المجتمع تستحق قراءة أكثر عمقاً. ومع الانتقال إلى التقرير الصحي الموجز لدولة قطر 2024، اتضحت صورة أخرى لا تقل أهمية. فالسمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم وتعاطي التبغ ما زالت تشكل تحديات صحية رئيسية، وهي عوامل ترتبط علمياً بزيادة خطر الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة، بما فيها بعض أنواع السرطان. إلا أن المعرفة العلمية الحديثة تؤكد أن السرطان ليس نتاج عامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والسلوكية والهرمونية والبيئية، يمتد أثره عبر سنوات طويلة قبل أن يظهر المرض. هنا وجدت نفسي أعود إلى سنوات عملي البحثي في مجال الصحة البيئية. فعلى مدى سنوات، شاركت في أبحاث تناولت التعرضات البيئية المرتبطة بمياه الشرب في دولة قطر. تناولت إحدى الدراسات انتقال عنصر الأنتيمون من عبوات المياه البلاستيكية المصنوعة من مادة PET إلى مياه الشرب في ظروف تخزين مختلفة، بينما تناولت دراسة أخرى نواتج التطهير الثانوية في مياه الشرب المحلاة والعوامل المؤثرة في تكوّنها وسبل الحد منها. لم يكن الهدف من تلك الدراسات البحث عن علاقة مباشرة بالسرطان، ولم تدّعِ ذلك، لأن إثبات العلاقة السببية بين أي تعرض بيئي ومرض معين يتطلب دراسات وبائية طويلة الأمد تراعي جميع العوامل المؤثرة. لكنها أثبتت أمراً لا يقل أهمية، وهو أن التعرضات البيئية يمكن قياسها ورصدها وتحليلها علمياً، وأن لدينا القدرة على إنتاج بيانات دقيقة حول البيئة التي نعيش فيها. ومن هنا بدأ يتشكل أمامي سؤال مختلف، لا يتعلق بالسرطان وحده، بل بمنهجية التعامل معه. إذا كانت لدينا سجلات وطنية متقدمة ترصد الأمراض، وإذا كانت لدينا دراسات قادرة على قياس التعرضات البيئية، فلماذا يبقى كل مسار يعمل بمعزل عن الآخر؟ ولماذا لا ننتقل إلى مرحلة جديدة تربط بين البيانات الصحية والبيانات البيئية لفهم الصورة بصورة أشمل؟ لقد حققت دولة قطر خلال السنوات الماضية إنجازات كبيرة في بناء منظومة صحية متطورة، واستثمرت في السجلات الوطنية، وفي البنية البحثية، وفي الجامعات والمراكز العلمية، وأصبحت تمتلك قاعدة بيانات صحية تعد من الأفضل في المنطقة. واليوم، تبدو الفرصة مهيأة للانتقال إلى مستوى أكثر تقدماً، لا يقتصر على تشخيص المرض وعلاجه، بل يمتد إلى فهم العوامل التي قد تسهم في تشكيل أنماطه، بما يدعم الوقاية ويعزز جودة السياسات الصحية. إن إطلاق برنامج وطني تقوده وزارة الصحة العامة بالشراكة مع الجامعات ومؤسسة حمد الطبية ومؤسسات البحث العلمي والجهات الوطنية ذات العلاقة، لربط البيانات الصحية بعوامل الخطورة البيئية والسلوكية والمهنية والوراثية، سيكون خطوة استراتيجية تتجاوز حدود مشروع بحثي منفرد. فهذا النوع من البرامج يوفر قاعدة معرفية متكاملة تساعد على تحديد الأولويات الصحية، وتوجيه البحوث نحو القضايا الأكثر تأثيراً، وتعزيز السياسات الوقائية المبنية على الأدلة، بما ينسجم مع رؤية دولة قطر في بناء نظام صحي رائد يعتمد على المعرفة والابتكار. إن الدعوة إلى مثل هذا البرنامج لا تعني أن البيئة هي السبب، ولا أن نمط الحياة هو التفسير الوحيد، ولا أن الوراثة يمكن تجاهلها. بل تعني أن الأمراض المعقدة تستحق أن تُدرس بالمنهجية نفسها التي تتسم بها، منهجية تنظر إلى جميع عوامل الخطورة بوصفها أجزاءً من صورة واحدة، لا ملفات منفصلة. لقد بدأت رحلتي مع هذا المقال من غرفة علاج، لكنها انتهت أمام قناعة مختلفة تماماً. فالقصة الإنسانية كانت الشرارة، أما الاتجاه فقد رسمته البيانات، وأما الوجهة التي ينبغي أن نتطلع إليها فهي العلم. قد لا نستطيع أن نمنع جميع حالات السرطان، لكننا نستطيع أن نفهمها بصورة أفضل. وقد لا نملك اليوم كل الإجابات، لكننا نملك المؤسسات، والكفاءات، والبيانات، والإرادة التي تمكننا من طرح الأسئلة الصحيحة والبحث عنها وفق أعلى المعايير العلمية. ولعل أعظم ما يمكن أن نقدمه لكل أم تغادر غرفة العلاج لتعود إلى أطفالها، ولكل أسرة تواجه المرض بالأمل، ليس فقط تطوير وسائل العلاج، بل الاستثمار في المعرفة التي تجعل الوقاية أكثر دقة، والسياسات الصحية أكثر استباقية، والمستقبل أكثر قدرة على حماية صحة الإنسان.

333

| 28 يوليو 2026

اللعب حق.. لكن السلامة مسؤولية مشتركة

لا يختلف اثنان على أن اللعب جزء أساسي من طفولة الإنسان، فهو ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل وسيلة للتعلم، وبناء الشخصية، وتنمية القدرات الحركية والاجتماعية، وتعزيز الثقة بالنفس. ولهذا تحرص الأسر على اصطحاب أطفالها إلى مراكز الألعاب والحدائق والمدن المائية، إيمانًا منها بأن هذه الأماكن توفر بيئة آمنة تجمع بين المتعة والفائدة. غير أن السلامة في هذه المرافق لا تتحقق بمجرد وجود ألعاب حديثة أو مبانٍ جميلة أو تجهيزات متطورة، وإنما تقوم على منظومة متكاملة تتداخل فيها مسؤوليات متعددة، تبدأ قبل افتتاح المنشأة، وتستمر طوال فترة تشغيلها. فالسلامة ليست منتجًا يُشترى، بل ثقافة تُدار، ونظام يُراقب، وعملٌ يتطلب التزامًا مستمرًا. ومن منظور الصحة البيئية، فإن بيئة اللعب الآمنة هي تلك التي جرى تصميمها وفق متطلبات السلامة، واختيار مكوناتها بعناية، وتركيبها وفق تعليمات الشركة المصنعة، وإخضاعها للصيانة والفحص الدوري، وإدارة المخاطر المرتبطة بها، مع توفير الإشراف المناسب والاستجابة السريعة للحالات الطارئة. وكل عنصر من هذه العناصر يشكل حلقة في سلسلة متصلة، وأي خلل في إحدى الحلقات قد يؤثر في مستوى السلامة ككل. ولذلك فإن مسؤولية حماية الطفل لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تتكامل فيها الأدوار. فالمصمم مسؤول عن تصميم يحد من المخاطر، والمصنع مسؤول عن مطابقة المنتج للمواصفات، والمشغل مسؤول عن التشغيل الآمن والصيانة والإشراف، والجهات المختصة مسؤولة عن وضع الأطر التنظيمية والرقابية، كما يتحمل ولي الأمر مسؤولية اختيار المكان المناسب ومتابعة طفله والالتزام بالتعليمات المعلنة. وقد يعتقد البعض أن وقوع الحوادث أمر لا يمكن تجنبه، لكن الواقع يشير إلى أن نسبة كبيرة من الإصابات يمكن الحد منها عندما تعمل منظومة السلامة بكفاءة، ويصبح الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة جزءًا من ثقافة العمل اليومية. فالصيانة الوقائية، والتفتيش الدوري، وتقييم المخاطر، وتدريب العاملين، ليست إجراءات شكلية، بل وسائل عملية لحماية الأرواح والحد من الإصابات. ومن هنا، فإن نشر ثقافة السلامة لا يهدف إلى إثارة القلق أو التقليل من أهمية المرافق الترفيهية، بل إلى تعزيز الثقة بها من خلال ترسيخ أفضل الممارسات، وتشجيع الجميع على القيام بدورهم في حماية الأطفال. فكلما ارتفع مستوى الوعي، ازدادت قدرة المجتمع على الوقاية قبل وقوع الحوادث. إن الاستثمار الحقيقي في المرافق الترفيهية لا يقاس بعدد الألعاب أو حجم المنشآت، وإنما بقدرتها على أن توفر لكل طفل بيئة يستمتع فيها باللعب، ويعود منها إلى أسرته سالمًا. فسلامة الأطفال ليست مسؤولية فرد، ولا مسؤولية مؤسسة بعينها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ بالوعي، وتترجم إلى أنظمة وإجراءات، وتكتمل بتعاون جميع الأطراف.

369

| 23 يوليو 2026

لماذا تفشل القرارات؟

في المقالات السابقة من هذه السلسلة، تناولنا كيف تبني القيادة منظومة الأداء، وكيف تتحول الرؤية إلى قرارات تنفيذية، ولماذا لا تكفي المساءلة وحدها لتحقيق النتائج، كما ناقشنا أثر تضخم المبادرات وتعقيد الإجراءات على كفاءة المؤسسات. غير أن هناك عاملاً مشتركاً يجمع معظم أسباب التعثر المؤسسي، ويظل أقلها حضوراً في النقاش الإداري، وهو غياب القدرة على قياس أثر القرارات. فالعديد من المؤسسات لا تعاني من نقص الأفكار، ولا من ضعف المبادرات، ولا حتى من محدودية الموارد. بل إن المشكلة الحقيقية تكمن أحياناً في أنها لا تعرف على وجه اليقين ما إذا كانت قراراتها تحقق القيمة التي أُنشئت من أجلها. خلال السنوات الأخيرة، شهدت مفاهيم الأداء المؤسسي تحولاً جوهرياً في كبرى مدارس الإدارة العالمية. فبعد عقود من التركيز على قياس الأنشطة والمخرجات، بدأت المؤسسات الرائدة تتجه نحو مفهوم أكثر تقدماً يقوم على قياس "الأثر". والفرق بينهما كبير، فالمخرجات تخبرنا بما أنجزناه، أما الأثر فيخبرنا بما تغيّر نتيجة لما أنجزناه. فمن السهل قياس عدد البرامج التدريبية التي تم تنفيذها، وعدد الموظفين الذين حضروها، ونسبة الرضا عنها. لكن السؤال الذي يشغل المؤسسات المتميزة اليوم مختلف تماماً: هل تغيّر الأداء بعد التدريب؟ وهل انعكس ذلك على جودة الخدمات أو الإنتاجية أو رضا المستفيدين؟ ومن السهل أيضاً قياس عدد الخدمات التي تم رقمنتها، لكن الأكثر أهمية هو معرفة ما إذا كانت هذه الرقمنة قد اختصرت رحلة المستفيد، أو خفّضت التكلفة، أو حسّنت تجربة المستخدم. هنا تحديداً تظهر الفجوة التي تقع فيها كثير من المؤسسات، فهي تنجح في قياس الجهد، لكنها لا تنجح دائماً في قياس القيمة. وقد أظهرت تجارب التحول المؤسسي حول العالم أن عدداً كبيراً من المشاريع التي استهلكت سنوات من العمل وملايين من الموارد انتهت إلى نتائج محدودة، ليس لأن الفكرة كانت خاطئة، بل لأن المؤسسة لم تحدد منذ البداية كيف ستقيس نجاحها. لقد انشغلت بالتنفيذ قبل أن تتفق على معنى النجاح نفسه. ولهذا السبب بدأت المؤسسات الأكثر نضجاً بتغيير السؤال الذي يسبق اتخاذ القرار. فبدلاً من السؤال التقليدي: "ماذا سنفعل؟" أصبح السؤال: "ما التغيير الذي نريد أن نحدثه؟ وكيف سنقيسه؟". هذا التحول البسيط في ظاهرِه يُحدث فرقاً جذرياً في جودة القرارات. فعندما يكون الأثر المتوقع واضحاً، تصبح الأولويات أكثر دقة، وتصبح المبادرات أكثر تركيزاً، وتصبح عملية التقييم أكثر موضوعية. أما عندما يغيب تعريف النجاح، فإن المؤسسة تكتشف بعد سنوات أنها كانت تتحرك كثيراً، لكنها لم تتقدم بالقدر نفسه. ومن هنا يمكن القول إن أحد أهم أدوار القيادة الحديثة لم يعد اتخاذ القرار فقط، بل تصميم آلية لقياس أثره قبل اعتماده. فالمؤسسات لا تتعلم من قراراتها لأنها اتخذتها، بل لأنها قاست نتائجها، وراجعت افتراضاتها، وامتلكت الشجاعة لتعديل المسار عندما أثبتت البيانات أن الواقع مختلف عما كان متوقعاً. وفي النهاية، لا تكمن خطورة القرار الخاطئ في تكلفته المباشرة، بل في السنوات التي قد تمضيها المؤسسة وهي تعتقد أنه قرار ناجح لأنها لم تقِس أثره الحقيقي. ولذلك يبقى السؤال الذي يستحق أن تتوقف عنده كل قيادة: هل نقيس ما نفعله… أم نقيس ما أحدثه ما فعلناه؟

270

| 20 يوليو 2026

حين يبكي الوطن... في وداع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

لم يكن خبر وفاة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مجرد خبر تتناقله وكالات الأنباء، بل كان لحظة توقفت عندها دولة بأكملها، وامتلأت فيها منصات التواصل الاجتماعي في قطر بكلمات الدعاء والوفاء والامتنان، حتى بدت وكأنها سجلٌ شعبي يوثق علاقة قائد بوطنه، أكثر من كونها مجرد رسائل عزاء. ففي الساعات الأولى من إعلان الديوان الأميري نبأ الوفاة، تصدرت عبارات مثل: “رحم الله والدنا وقائد نهضتنا”، و“لن ننسى ما قدمه لقطر”، و“باني قطر الحديثة” وآلاف المنشورات، ولم تكن هذه العبارات شعارات متكررة، بل كانت انعكاسًا لذاكرة جماعية تشكلت عبر عقود من التحول الوطني الذي عاشه المواطن والمقيم على حد سواء. لقد قاد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مرحلة تُعد من أكثر المراحل تأثيرًا في تاريخ دولة قطر الحديث. ففي عهده انتقلت الدولة من اقتصاد يعتمد بصورة رئيسية على الموارد التقليدية إلى اقتصاد يمتلك رؤية استراتيجية للاستثمار في الإنسان، والتعليم، والبحث العلمي، والبنية التحتية، والطاقة، والعلاقات الدولية. كما شهدت قطر توسعًا اقتصاديًا كبيرًا، وقفزات تنموية جعلتها تحتل مكانة متقدمة على المستويين الإقليمي والدولي. ولعل من أعظم ما يُحسب لهذه المرحلة أنها لم تكن نهضة عمرانية فحسب، بل كانت مشروعًا لبناء دولة المؤسسات. فقد تعززت مكانة التعليم من خلال إنشاء المدينة التعليمية ومؤسسة قطر، وتطورت منظومة الرعاية الصحية، وتوسعت الجامعات والمراكز البحثية، وأصبحت المعرفة أحد أهم محركات التنمية الوطنية. كما رسخت رؤية تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان قبل الحجر. وعلى المستوى الدولي، استطاعت قطر خلال تلك السنوات أن تبني حضورًا سياسيًا ودبلوماسيًا فاعلًا، وأن تلعب أدوارًا في الوساطة وتسوية النزاعات، وأن تصبح شريكًا مؤثرًا في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، وهو ما عزز مكانتها بين دول العالم. وربما كان أكثر ما لفت الانتباه اليوم هو أن كثيرًا من الشباب الذين لم يعاصروا بدايات النهضة كتبوا عن إنجازاته كما لو كانوا شهودًا عليها، لأنهم يعيشون اليوم نتائج تلك الرؤية في جامعاتهم، ومستشفياتهم، وطرقهم، وفرصهم، ومكانة وطنهم بين الأمم. فالإرث الحقيقي للقادة لا يُقاس بعدد سنوات الحكم، بل بقدرة الأجيال اللاحقة على أن ترى آثار قراراتهم في تفاصيل حياتها اليومية. إن التاريخ لا يخلّد الأشخاص لأنهم تقلدوا المناصب، وإنما لأنه وجد في أعمالهم ما يستحق البقاء. وقد كان الأمير الوالد أحد أولئك القادة الذين ارتبط اسمهم بمرحلة مفصلية في بناء الدولة الحديثة، وهي مرحلة ستظل محل دراسة واستلهام لسنوات طويلة. نسأل الله أن يتغمد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بواسع رحمته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم لوطنه وأمته، وأن يحفظ قطر واميرها وقيادتها وشعبها، وأن يديم علينا الأمن والاستقرار والرخاء. رحم الله الأمير الوالد… وسيبقى أثر الرجال العظام حاضرًا ما بقيت إنجازاتهم شاهدة عليهم.

696

| 13 يوليو 2026

رأس المال المعرفي... عندما يقود المجلس البلدي صناعة القيمة

لم يعد التميز المؤسسي في القرن الحادي والعشرين يقاس بحجم الإنجازات التشغيلية أو عدد المبادرات المنفذة، بل بقدرة المؤسسات على بناء رأس مال معرفي يرفع جودة القرار، ويعزز كفاءة الأداء، ويولد قيمة عامة للمجتمع. فالمؤسسات الرائدة لا تكتفي بإدارة الحاضر، وإنما تستثمر في المعرفة باعتبارها المورد الأكثر استدامة لصناعة المستقبل. ومن هذا المنطلق، تبرز الجهود التي يبذلها المجلس البلدي في الاطلاع على التجارب العالمية الرائدة باعتبارها ممارسة مؤسسية تعكس فهماً متقدماً لطبيعة العمل الحكومي الحديث. فالهدف لم يعد مجرد الاطلاع على تجارب الآخرين، وإنما استيعاب الخبرات، وتحليل عوامل النجاح، واستخلاص الدروس، وتكييفها بما يتناسب مع البيئة الوطنية واحتياجات المجتمع القطري. إن المؤسسات التي تتبنى هذا النهج تدرك أن جودة السياسات والخدمات تبدأ من جودة المعرفة التي تستند إليها. ولذلك، فإن كل تجربة يتم الاطلاع عليها، وكل نموذج ناجح تتم دراسته، يمثل إضافة إلى رأس المال المعرفي للمؤسسة، ويعزز قدرتها على اتخاذ قرارات أكثر كفاءة، وابتكار حلول أكثر استدامة، والاستجابة بمرونة للمتغيرات المستقبلية. وهذا هو جوهر التميز المؤسسي الذي تؤكد عليه جائزة قطر للتميز الحكومي “ارتقاء”، والتي تنظر إلى المؤسسات بوصفها منظومات تتعلم باستمرار، وتستشرف المستقبل، وتبني الشراكات، وتوظف المعرفة والابتكار لتحقيق نتائج ذات قيمة وأثر مستدامين. فالتميز الحقيقي لا يقاس بعدد الأنشطة، وإنما بقدرة المؤسسة على تحويل المعرفة إلى تحسينات عملية، وتحويل التحسينات إلى نتائج، وتحويل النتائج إلى أثر ينعكس على المجتمع وجودة الحياة. كما ينسجم هذا النهج بصورة مباشرة مع رؤية قطر الوطنية 2030، التي جعلت بناء الإنسان والمؤسسات محوراً رئيسياً للتنمية المستدامة. فالرؤية لم تركز على تطوير البنية التحتية فحسب، بل أكدت أهمية بناء مؤسسات مرنة، متعلمة، قادرة على الابتكار، وتوظيف المعرفة لتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذه الجهود لا تتمثل في الزيارات أو اللقاءات ذاتها، وإنما في ما يَنتج عنها من تراكم معرفي يدعم صناعة القرار، ويرفع كفاءة العمل البلدي، ويحفز الابتكار، ويعزز جودة الخدمات، ويخلق قيمة عامة يشعر بها المواطن والمقيم. فالمعرفة التي لا تتحول إلى أثر تبقى معلومة، أما المعرفة التي تقود إلى تحسين السياسات والخدمات فهي التي تصنع التميز. ولعل ما يميز المجلس البلدي في هذا السياق هو تبنيه لنهج يقوم على الانفتاح والتعلم والاستفادة من التجارب الرائدة، وهو نهج يعكس فهماً متقدماً لمسؤولية المؤسسات الوطنية في عصر تتسارع فيه التغيرات وتتزايد فيه التحديات. فالمؤسسة التي تتعلم اليوم، هي المؤسسة التي تقود غداً، والدولة التي تستثمر في المعرفة، هي الدولة الأكثر قدرة على المنافسة والاستدامة. إن المجلس البلدي، وهو يرسخ هذا النهج، يقدم نموذجاً جديراً بالتقدير في الاستثمار في رأس المال المعرفي، بما يدعم مسيرة التطوير المؤسسي، ويعزز تحقيق مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030، ويسهم في بناء قيمة عامة وأثر مستدام يعود نفعه على المجتمع والدولة. فالتميز لا يبدأ بالمشروعات، وإنما يبدأ بالفكر الذي يقودها، وبالمعرفة التي تصنعها، وبالمؤسسات التي تؤمن بأن التعلم المستمر هو الطريق الأقصر نحو مستقبل أكثر جودة وازدهاراً.

450

| 07 يوليو 2026

اعرف حقوق طفلك داخل مراكز الألعاب

في كل عطلة نهاية أسبوع، تصطحب مئات الأسر أبناءها إلى مراكز الألعاب الداخلية، بحثًا عن ساعات من الترفيه والمرح. وغالبًا ما ينشغل ولي الأمر بشراء التذاكر، أو متابعة طفله من بعيد، أو التوقيع على نموذج إخلاء المسؤولية، دون أن يتوقف ليتساءل: هل هذه اللعبة آمنة؟ وهل يحق لي أن أعرف كيف يتم تشغيلها وصيانتها؟ الحقيقة أن سلامة الطفل لا تبدأ عند دخوله اللعبة، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ من مرحلة تصميم اللعبة، واختيار موادها، وتركيبها، وإجراء الفحوص الدورية عليها، وتدريب المشرفين، ووضع إجراءات واضحة للتشغيل والتعامل مع الطوارئ. وهذه ليست ممارسات اختيارية، بل تمثل متطلبات أساسية نصت عليها المواصفات القياسية الدولية والخليجية الخاصة بألعاب الأطفال. ومن خلال الاطلاع على المواصفات الفنية وممارسة أعمال الخبرة في حوادث ألعاب الأطفال، يتبين أن كثيرًا من أولياء الأمور يجهلون أن لهم حقوقًا قبل أن تكون عليهم مسؤوليات. فدور ولي الأمر لا يقتصر على مراقبة طفله، وإنما يمتد إلى التأكد من أن البيئة التي يمارس فيها اللعب تستوفي الحد الأدنى من متطلبات السلامة. ومن حق ولي الأمر أن يسأل عن الفئة العمرية المخصصة للعبة، وأن يلتزم بها، وأن يلاحظ وجود مشرفين مؤهلين لمتابعة الأطفال والتدخل عند الحاجة. كما يحق له أن يتأكد من أن منطقة السقوط تبدو آمنة، وأن مواد امتصاص الصدمات موزعة بصورة مناسبة، وأن اللعبة لا يظهر عليها تلف أو أجزاء مفكوكة أو مخاطر واضحة. كذلك ينبغي الانتباه إلى مؤشرات بسيطة قد تعكس وجود خلل، مثل الازدحام الشديد حول اللعبة، أو غياب المشرفين، أو انشغالهم عن متابعة الأطفال، أو وجود أجزاء تالفة، أو عدم وجود تعليمات واضحة للاستخدام. فهذه الملاحظات، وإن بدت بسيطة، قد تكون مؤشرات تستحق التوقف قبل السماح للطفل باستخدام اللعبة. ومن المهم أيضًا أن يدرك ولي الأمر أن التوقيع على نموذج إخلاء المسؤولية لا يعني التنازل عن حق الطفل في بيئة آمنة. فالتزام مشغل مركز الألعاب بتوفير لعبة مطابقة لمتطلبات السلامة، وإجراء الصيانة والفحص والتشغيل وفق الأصول الفنية، يظل التزامًا قائمًا لا يعفيه منه مجرد توقيع ولي الأمر على نموذج معد مسبقًا. وفي المقابل، تقع على ولي الأمر مسؤوليات لا تقل أهمية، منها الالتزام بالفئة العمرية المحددة لكل لعبة، وعدم تشجيع الطفل على استخدام الألعاب بطريقة غير مخصصة لها، والإبلاغ فورًا عن أي ملاحظة تتعلق بالسلامة، وعدم التردد في منع طفله من استخدام أي لعبة إذا ساوره شك في مستوى الأمان. إن اللعب حق أصيل لكل طفل، لكنه يجب أن يكون لعبًا آمنًا. وترسيخ ثقافة السلامة مسؤولية مشتركة بين الجهات الرقابية، ومشغلي مراكز الألعاب، وأولياء الأمور. وكل سؤال يطرحه ولي الأمر عن إجراءات السلامة، وكل ملاحظة يبديها، قد تكون سببًا في منع حادث قبل وقوعه. إن أفضل استثمار يمكن أن تقدمه الأسرة لأطفالها ليس فقط توفير مكان للترفيه، بل التأكد من أن ذلك المكان يضع سلامة الطفل في مقدمة أولوياته. فالأطفال لا يستطيعون تقييم المخاطر أو قراءة المواصفات، ولذلك يبقى الكبار هم خط الدفاع الأول عن حقهم في اللعب الآمن.

699

| 01 يوليو 2026

إيرلندا المسلمة
إيرلندا المسلمة

هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...

4254

| 29 سبتمبر 2026

من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!
من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!

جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...

3180

| 24 سبتمبر 2026

الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟
الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟

تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...

1119

| 28 سبتمبر 2026

حين تصنع الأرقام رواية أخرى
حين تصنع الأرقام رواية أخرى

أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...

1086

| 27 سبتمبر 2026

من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟
من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟

بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...

1062

| 29 سبتمبر 2026

كل شيء سيمر
كل شيء سيمر

كل شيء سيمر، قد تبدو هذه العبارة بسيطة،...

849

| 30 سبتمبر 2026

مجلس التقاعد الجديد
مجلس التقاعد الجديد

جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...

699

| 29 سبتمبر 2026

لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء
لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء

-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...

672

| 27 سبتمبر 2026

بركة المعلّم حاضرة في أبنائه
بركة المعلّم حاضرة في أبنائه

يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...

516

| 25 سبتمبر 2026

النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية
النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية

لقد فطر الله تعالى عباده على حب المال،...

495

| 27 سبتمبر 2026

حمد الطبية
حمد الطبية

في قلب النهضة الشاملة التي تعيشها قطر، يبرز...

480

| 28 سبتمبر 2026

لعبة المضائق المائية يجب أن تتوقف
لعبة المضائق المائية يجب أن تتوقف

ما يجري اليوم في مضيقي هرمز وباب المندب...

471

| 29 سبتمبر 2026

أخبار محلية