رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنت في اليومين على منصة التحرير، وهناك فرق بينهما كما بين السماء والأرض، وإن اشتركا في فرحة غامرة ملأت قلوب أكثر المصريين، بل ملايين البشر في العالم عبروا عن فرحتهم لمصر والأمة والعالم، لأن مصر كما قال الشيخ علي الطنطاوي العالم السوري: هي مصدر الخير والشر لأمة الإسلام فما يجري فيها ينتقل تلقائيا في دول العالم العربي والإسلامي بحذافيره، ولذا كان يوم رحيل مبارك أسود يوم على بني صهيون وأعداء الإسلام، وأشد سوادا منه يوم نجاح د محمد مرسي بالانتخاب وليس بالقهر والتزوير، وقد عبر القرآن عن فرحة المسلم بذهاب الظالمين في قوله تعالى " فقطع دابر الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين"، واليوم في ذكرى رحيل مبارك أذكر لحظة في غاية الأهمية وهي وقت صلاة الجمعة، وقصتها أنني جئت وأسرتي كلها من البحرين وأمريكا للتحرير مشاركين الشباب والرجال والنساء والفتيات، واتصلت بأمي الحنون رحمها الله قائلا: أستسمحك أماه أنني لن آتي من المطار إلى حضنك الدافئ كعادتي وحقك، بل سأذهب للتحرير بإذن الله ولن أخرج حتى يرحل عن كاهل مصر حسنى مبارك، فرضيت أمي وأمطرتني ومصر بوابل من دعواتها الثرية النقية القوية، وفي يوم الخميس توقع العالم كله أن يتنازل لكنه ظل معاندا حتى النفَس الأخير، وهنا رأيت في التحرير شبابا وفتيات رفعوا الأحذية، وهتفوا صارخين بسقوطه ونظامه، وأغشي على بعضهم، وطلبت الكلمة، وكان مما قلته يومها: إنَّ فتْح العراق وخراسان، والشام وفلسطين،وليبيا والمغرب العربي لم يستغرق من كل فاتح سوى عدة أشهر، إلا مصر فقد استغرقت أربع سنوات من الصحابي الجليل، والقائد الحكيم، والسياسي البارع، والعسكري المحنك، عمرو بن العاص ومعه خيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بنا بذنوبنا، وأن الصحابة قد صبروا لفتح مصر سنوات أربع حتى وصل الإسلام إلينا، فإذا ظننتم أن 18 يوما تكفي لتغيير وجه التاريخ بمصر فأنتم واهمون، ودعوت لصمود الرجال، وصبر الأبطال، وعزائم الأحرار، واحتساب الأبرار، وفي يوم الجمعة صباحًا توافد الملايين على الميدان فاقتُرح أن تكون هناك خطبة ثانية، تستوعب هذه الملايين، وبسرعة تم إعداد منصة أخرى للجمعة في مواجهة المتحف المصري، ورُشحت أن أكون خطيب الجمعة فوافقت، وخرجت للجمعة سائلا ربي أن يجعلني سببا في رحيل الظالمين عن كاهل مصر، وبدأت خطبتي أرد على المفتي آنئذ وبعض التيارات التي أفتت بحرمة الخروج على حسني مبارك تحديدا، وأن من فعل ذلك لعنه الله لأن الفتنة نائمة ملعون من أيقظها، وأخذت أدلل على وجوب الرباط حتى يرحل مبارك ونظامه وأوله عمر سليمان، وذكرت من ألوان مخازيهم من الاستهزاء بالله وبرسوله، وبالقهر للمؤمنين، والذلة على الكافرين، خاصة الصهاينة المعتدين، وسلب ونهب عرق وجهد الكادحين، وقلت يومها إن مبارك وعائلته وحاشيته قد سرقوا من كل مواطن 120ألف جنيه على الأقل، أما يوم نجاح د مرسي فقد كان آية أخرى، حيث كنت على المنصة أجد الشباب والسياسيين يتكلمون ويهددون من تزوير الانتخابات، وقلت يومها على المنصة: أحذر المجلس العسكري من الإشراف والضغط لتزوير الانتخابات لصالح شفيق- حيث كانت كل الدلائل تشير لذلك – وقد غرد مصطفى بكري المقرب من المجلس العسكري - أن الحرس الجمهوري توجه صباحا لبيت أحمد شفيق ليستلم الأمر أول إعلان النتيجة وقلت: لن نترك الميدان إن زورت الانتخابات، وقد كان مبارك أقوى شكيمة وقد أودعه الله السجون هو وأولاده بظلمه وتزويره وعناده، وكان الحديث السياسي غالبا، لكني رأيت رجلا من خيرة العلماء والمرابطين، وأعتقد أنه أكثر العلماء رباطا في التحرير، ووجودا في المواقف الصعبة، وهو الشيخ الدكتور جمال عبد الهادي أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، وجدته قد نزل من على المنصة واتخذ من دون الناس حجابا تحتها يدعو متوسلا، ويتبتل متضرعا بمنهج:" فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا"، وهنا جاءتني فكرة عرضتها على إخواني في المنصة وأوصلوها للدكتور أسامة ياسين وزير الشباب مسؤول المنصة آنئذ، وهي أن نتوقف قبل إعلان النتيجة بساعة عن كل الكلام في السياسة، وأن ندعو الله مع الميدان كله أن يختار لمصر من يصلحها، وأن يلهم القضاة العدل والإنصاف، وألا يدخلوا على مصر تزويرا بعد الثورة، وكان اقتراحي أن يكون الدعاء من شيخنا د جمال عبد الهادي، ووافق الجميع على الفكرة لأن القلوب كلها كانت قد بلغت الحناجر من توقع التزوير لصالح شفيق وأذناب مبارك، لكن د جمال اعتذر لضعف صوته، وقال لهم: "خلُّوا د صلاح يدعو ونحن نؤَمِّن، فقلت لهم: والله لدعوة منه – مع ضعف صوته – خير من دعائنا جميعا، لكنه أصر على الرفض، وقبلت الأمر، وفتح الله قلبي برحمته في التبتل والدعاء، ورأيت وجوه المرابطين في التحرير، وتأمينهم من أعماق قلوبهم، فتذكرت لحظة رحيل حسني مبارك وقت الدعاء أثناء وبعد خطبة الجمعة فأيقنت مرة أخرى أن اليوم سيكون تاريخيا في نجاح العالم المهندس السياسي الحافظ الدكتور محمد مرسي وجاءت صلاة العصر فصلينا، وجاء الفرج قويا مؤثرا، وسجد الجميع شكرا لله كما سجدوا يوم رحيل مبارك، وعلت الأصوات بالحمد والثناء على الله والتهليل والتكبير، كأن يوم رحيل حسني مبارك قد افترقا في ذهاب حاكم ظالم ومجيء عالم عادل أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحدا، واجتمعا في الفرحة الغامرة بفضل الله على مصر والعالم.
ياقوم بالأمل والعمل والدعاء والقنوت ننال الحسنيين التمكين والنصرة في الدنيا، والمغفرة والجنة في الآخرة، والمشوار طويل أكثر من زمن الصحابة قطعا، لكن المفتاح كما هو الأمل والعمل والدعاء وحسن التوكل على الله تعالى، قال تعالى: "لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا" (سورة الطلاق من الآية: 7). هذا آخر أيام مبارك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4671
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026