رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو جليا أن اللانظام السوري القاتل كلما انحدر إلى الهاوية وهو في الربع ساعة الأخيرة حاليا من سلطنته الأسدية رجع بمعونة شركائه المجرمين يخلط الأوراق المحلية والإقليمية عسى ذلك أن ينعشه ولو لردح قليل من الوقت وإن الذي يتعامل بالبصر والبصيرة مع تقلباته ومناوراته والتقية التي يجيدها أكثر من سيده الإيراني يعرف تماما كيف استعمل منذ بدايات الثورة السورية المجيدة مصطلح الإرهاب والجماعات المندسة التي تسعى للتآمر عليه من الداخل والخارج حتى جعلها مؤامرة كونية ضده. مع أن العكس هو الصحيح كما دلت دلائل المشهد الساطعة أن معظم المجتمع الدولي خصوصا إسرائيل وإيران وروسيا وحزب الله ومالكي العراق ومن لف لفهم علنا وسرا هم المتآمرون الكونيون على الثورة والشعب السوري المقاوم لنيل حريته وكرامته وذلك حفظا لأمن بني صهيون الذين هم بدورهم يحرسون مصالح الغرب وعلى رأسه أمريكا والشرق وعلى رأسه روسيا. وبناء على هذا التأسيس ندرك إذا كنا عاقلين أن هذا اللانظام الذي أجاد بأمر أسياده من قبل صناعة الإرهاب وتصديره إلى لبنان والعراق خصوصا وإلى مواطن كثيرة في العالم عموما وتشهد اغتيالاته القديمة والحديثة على ذلك كيف غدا يستثمر عمل جبهة النصرة الذي يبدو أنه عقد القران مؤخرا مع القاعدة في التصريحات الحالية ومبايعة أيمن الظواهري زعيم هذا التنظيم، وحتى لا ندخل في عمق الموضوع فإننا من باب إحقاق الحق من حيث الظاهر والواقع لا بد أن نعتبر أن كل مناجز للعصابة الأسدية المجرمة هو وطني بامتياز دون تشكيك بنيته ولو وقف العالم بأسره ليصفه بالإرهاب الخطير ويتقن العزف على هذا الوتر ناسيا أو متناسيا الإرهاب العالمي الذي نشرته أمريكا وإسرائيل بعقليتهما المسلحتين وناسيا ومتغابيا عن الإرهاب الجهنمي الذي لم يشهد له التاريخ مثيلا وهو ما تواصل به العصابة الأسدية وحزب الله وإيران صب حممها على الأبرياء وتحرق الأخضر واليابس في أرض الشام الغالية. إن الإرهاب كل الإرهاب ممن يتأخر عن نجدة سورية عضو الأسرة الدولية، والإرهاب كل الإرهاب هو في قصف بيوت الله وأقداس الأديان والتي كان من أعزها أمس هدم مئذنة الجامع العمري في درعا، هذا المسجد الذي أمر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ببنائه حين مر بدرعا، وهكذا منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام هجري يبقى هذا الصرح الإسلامي شاهدا على حضارة المسلمين ويذكر عمر عندما يذكر ولكن أعداء عمر الباطنيين لم يعودوا يحتملون جهاد محبيه فقصفوه حتى خرت المنارة التاريخية منذ ألف وأربعمائة عام، الإرهاب كل الإرهاب في الدور البلطجي العالمي الذي يلعبه المجتمع الدولي بكل وقاحة لمزيد من الدماء طبعا لأنها ليست دماء صهيونية، إذ لو كانت كذلك لما دام الصراع أسبوعين وهو يدخل على دمائنا العام الثالث! ولكننا مع كل ما قدمته جبهة النصرة القليلة العدد أصلا ولكن يجري التضخيم الإعلامي لها محوا لهالة الجيش الحر أو تقليلا منه، وإن الجبهة ما زالت تقدم التضحيات والانتصارات بعمل متقن مدروس إلى حد كبير ولكنه إذا كان لكل عمل آفة فإنما تتمثل تلك الآفة ببعض الأساليب التي لم يقرها معظم الشعب والجيش الحر رغم اتفاقه مع بعض الأمور العامة مع الجبهة لكن دون أي ارتباط عضوي معها إلا بالتنسيق المفيد للجميع في المعركة، ومما زاد ذلك إعلان الجبهة انضواءها الصريح تحت راية القاعدة بعد صمت طويل علما بأن فكر القاعدة عموما غير مستساغ في سورية وأعتقد أنه لن يتمكن من النبات فيها مستقبلا. وإن شعبنا الذي هب للثورة لم يكن يعرف القاعدة التي دخلت على الخط بشكل فعلي مؤخرا فلا يتشدقن الناطق باسم جريدة الوطن في دمشق ليقول لشعبنا كفاكم كذبا إن القاعدة وراءكم، إنه يعرف حقا من الكاذب المدلس وكذلك يكذب من لف لفه أن القاعدة هي العدد الأكبر من الجيش الحر بل هي فصيل صغير بالنسبة له، ومع ذلك فإننا نرفض رفضا قاطعا أن يستغل اللانظام السوري ذلك لتبرير حربه على الشعب بما يسمى الحرب على الإرهاب، فليست النصرة ولا حتى القاعدة هما اللتان تسببتا في قتل مئات الآلاف وسجن أكثر منهم والاعتداء على الحرائر وتهجير الملايين، ناهيك عن النازحين بالملايين داخل الوطن، إن الأسد هو الذي يمارس بأمر أسياده المعروفين إرهاب الدولة، هؤلاء الأسياد الذين اتخذوا ذلك ذريعة لسحب أي قرار بتسليح المقاومة نوعيا لما التأم جمع جبهتهم الكرتونية بما يسمى مؤتمر الثمانية (جي 8) أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا وكندا وإيطاليا واليابان وألمانيا، حيث التقى وزراء خارجيتهم في لندن ليقول وليم هيغ إن الأزمة السورية تصدرت مناقشاتهم ولكنها فشلت حيث تنمر لافروف وزير خارجية روسيا بل سورية ليفكك شملهم ويخوفهم بفزاعة القاعدة وتصريحاتها المتزامنة تماما مع ذاك المؤتمر، إننا نجتهد أن الاختراقات الاستخباراتية العميقة العاملة - ولو بشكل غير مباشر- منذ دخول النصرة على الخط قد وصلت إلى بعض أهدافها سيما أن القاعدة كانت مخترقة أكثر من بعض التنظيمات الأخرى التي قد لا تسلم من ذلك أيضا، وإن كثيرا من المشاهد المتعاقبة في الصراعات المعاصرة أثبتت لنا ولو بعد حين أنه تم مثل ذلك، وإن كل هذا لتبقى الدول الغربية مرهونة للقرار الروسي إن لم تكن متواطئة معه سرا، فإن كان الأول فإن هؤلاء كذبوا علينا كثيرا وما زالوا يقولون إن أيام الأسد معدودة مما يثبت ضيق عطنهم من جهة أو سخريتهم بنا أو عدم مبالاتهم بما يجري إذ إنهم لم يدافعوا ويقفوا موقفا جديا حتى بعد قتل عدد من صحفييهم ومراسليهم.
إن هذا الانقسام في الرؤية تجاه الأزمة السورية غير أخلاقي أبدا، ويدل بوضوح أنهم لا يريدون للثورة أن تبلغ مبتغاها وأن مصالحهم المعروفة فوق حقوق الإنسان، وأنهم لا يسألون البتة عن وصمة عار تلحقهم في التاريخ فالميكيافيللية أعظم عندهم من هذا التاريخ كما صرح كيري مؤخرا في كلامه عن مرحلة انتقالية بتيارات معارضة وموالية للأسد دون العمل الجاد حتى لحفظ مصالحهم والاصطفاف مع الشعب كي يرحل هذا المجرم وعصابته، وأما هيغ فهو مرة أخرى يقول: إن بلاده تفكر في دعم المعارضة، وهو ما يتساوق مع اتجاه روسيا، فما الفرق يا ترى بينهما؟! وإننا نعتقد كذلك أن إثارة جبهة النصرة اليوم ومبايعتها للقاعدة وموقف جبهة الثمانية العاجز المتآمر ما هما إلا لصرف النظر عما يجري في الداخل من تصاعد المذابح بعد هذين الموقفين ومن حجب المشهد الخطير الذي يجري في مدينة حمص التي يعمل اللانظام اليوم على تقسيمها ووضع الحوائط الأسمنتية الفاصلة بين السنة والعلويين ودعم جنود حزب الله له في منطقة القصير وقد قتل العديد منهم في المعارك لضمها إلى حمص وتشكيل الدويلة العلوية المدعومة من إيران وحزب الله، وستكون إسرائيل أول من تعترف بها حماية لهم جميعا من الثوار الأحرار الذين لا يبيعون ضمائرهم لأحد، ولكننا نثق بالله وبقوة المؤمنين أن سورية أقوى من التقسيم وأن القادم القريب سيحسم المشهد إن شاء الله، فيا أهلنا في الشام والبلاد العربية والإسلامية ادعموا إخوانكم وقطعوا أوصال المشروع الإيراني المتآمر مع المجتمع الدولي وإلا فستندمون ولات ساعة مندم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
15654
| 23 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2613
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2124
| 25 فبراير 2026