رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أولًا: مفهوم القِيَم محل اختلاف بين المدارس الفكرية والثقافات الإنسانية، بحسب المجال المعرفي الذي ينطلق منه الباحث (الاقتصاد..الاجتماع..الفلسفة..علم النفس..التربية..)، وبحسب المرجعية التي يحتكم إليها.
غالب الناس يستخدم لفظ (القِيَم) بمعنى إنشائي مطاطي غير محدد، ويُعبِّر به عن الأخلاق أو التقاليد الموروثة أو الهوية أو المصلحة أو الأهمية. وهي تمثل المعايير الجوهرية التي تحكم نشاط الإنسان.
القيمة تشمل الشيء ونقيضه؛ فالمعرفة قيمة عليا، والجهل قيمة دنيا.
ولكن غلب استعمال القيمة على ما يدل على الفضيلة والخير، ولذا فالقِيَم لا تكتفي بما هو موجود وقائم، بل تسمو إلى ما هو أفضل وأرقى.
وأشهر القِيَم ما احتواه الثالوث الشهير: (الحق، والخير، والجمال).
ثانيًا: يقع تعارض بين قيمنا التي نؤمن بها وبين أهوائنا ودوافعنا الغريزية.
وقد يؤثر السلوك العملي على قناعتنا القيمية، وهذا يحدث تداخلًا بين ما يسميه العلماء بـ(الشهوة) و(الشبهة)، وقصة حاطب بن أبي بلتعة، ومحاولة إخبار أهل مكة بالسر العسكري؛ المتعلق بخروج النبي -صلى الله عليه وسلم- لفتح مكة؛ مثال للاختلاف بين الإيمان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء..} (1: الممتحنة)، وبين الفعل المذموم: {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ} (1: الممتحنة).
نموذج الشعراء الذين يهيمون في كل واد ويقولون ما لا يفعلون، {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا الله كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا..} (227: الشعراء).
ولعل لهذا علاقة بالاختلاف بين (المدرسة الواقعية) و(المدرسة المثالية)، التفاوت بين ما هو كائن وما يجب أن يكون.
ثالثًا: يحدث تزاحمٌ وتدافعٌ بين بعض الواجبات الأخلاقية القيمية وبعضها الآخر؛ فالقيم ليست في مستوى واحد في أولويتها وأهميتها، ولا في اتساعها وشمولها، ولا في عمقها ورسوخها.
والحياة لا تسير على سنن واحد بل يقع فيها التضارب بين النوايا والمقاصد والأفعال، ولذا كان عمر بن عبد العزيز يقول: (يجدُّ للناس من القضايا بقدر ما يجدُّ لهم من الفجور)، ويقول أبو سعيد بن لب: (ويجدُّ للناس من المرغبات بقدر ما يجدُّ لهم من الفتور).
- هناك قيم تتعلق بالفرد، وأخرى تتعلق بالجماعة، ومن هنا قال الأصوليون: إن المصلحة العامة تُقدَّم على المصلحة الخاصة.
قيمة الإيثار في مقابل الأثرة، (نحن) مقابل (أنا)؛ هي نوع من انتصار القيم الاجتماعية على القيم الفردية الذاتية، ولذا مدح الله الأنصار بأنهم: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (9: الحشر).
قيمة حفظ النفس هي من الضرورات الخمس؛ التي أجمعوا على أنها أهم مقاصد التشريع، ومع هذا تُقدَّم عليها قيمة التضحية والاستشهاد وإزهاق النفس في سبيل الأمة، وهذا يُعدّ قمة التفضيل للقيم الجماعية على القيم الفردية، واستشعار هذا المعنى من أهم أسرار بقاء وصمود نماذج المقاومة الوطنية العادلة عبر التاريخ إلى فترة مقاومة الاستعمار، ومنها الحالة القائمة في فلسطين وغيرها.
- تفضيل القيم الروحية الإيمانية على القيم المادية الجسدية؛ كما في حال الصوم وتجويع الجسد من أجل تطهير الروح.
رابعًا:
١/ ثمَّ قيم مصدرها ديني وعقلي واجتماعي في الوقت ذاته (إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ)، وهي قيم جوهرية راسخة ثابتة لا تتغيّر، وتمثل المشترك الإنساني، والفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ كالعدل والإحسان {إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى} (90: النحل)، وهي مقدَّمة على غيرها.
٢/ القيم الأولية الأساسية المتعلقة بـ(هوية الإنسان) من حيث هو، مقدَّمة على القيم الثانوية، مثل قيمة الكرامة الإنسانية: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (70: سورة الإسراء).
٤/ قيم الغايات مقدَّمة على قيم الوسائل، فالحفاظ على البيئة مقدَّم على مصلحة جماعة ما في الغنى وامتلاك القوة والاستمتاع: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} (10: الرحمن).
وقيم العمران العام والتنمية البشرية الشاملة المستدامة مقدَّمة على ما يتوهم أنه ملكية أو مصلحة لفريق خاص.
وقيم التوحيد والعبادة مقدَّمة على وسائل التعبد الفرعية عند التعارض.
٥/ القيم الروحية مقدَّمة على القيم الماديّة، ومن هنا يمكن النظر والمفاضلة ما بين تزكية النفس؛ التي هي من مقاصد الرسالة، وما بين الترفيه؛ الذي هو من مطالب الفطرة.
خامسًا: هل العدل قيمة مطلقة؟
من أقوال الإمام ابن تيمية: (الْعَدْلُ وَاجِبٌ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَالظُّلْمُ محرَّمٌ مُطلَقًا لَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنْهُ بِحَالِ).
(الدُّنْيَا تَدُومُ مَعَ الْعَدْلِ وَالْكُفْرِ وَلَا تَدُومُ مَعَ الظُّلْمِ وَالْإِسْلَامِ).
(الْعَدْلُ نِظَامُ كُلِّ شَيْءٍ؛ فَإِذَا أُقِيمَ أَمْرُ الدُّنْيَا بِعَدْلِ قَامَتْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهَا فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، وَمَتَى لَمْ تَقُمْ بِعَدْلِ لَمْ تَقُمْ وَإِنْ كَانَ لِصَاحِبِهَا مِنْ الْإِيمَانِ مَا يُجْزَى بِهِ فِي الْآخِرَةِ).
فالعدل قيمة مطلقة ثابتة دائمة بلا مثنوية ولا تردد؛ على النفس، والولد، والوالد، والعدو، والصديق.
وهذا لا ينفي نسبية الممارسة التي جعلت البعض يصفون الحياة الإنسانية بأنها تاريخ متصل من الصراعات الدامية؛ التي تستهدف فرض معيار موحد للعدالة!
على أن هذا ليس توصيفًا جدِّيًا، فالصراعات التي عانى منها الإنسان كانت في الغالب صراعًا على المصالح الفئوية أو المطامع الفردية.
واليوم نشهد تباينًا بين سياسات الدول الكبرى والمنظمات الدولية السياسية من جهة، وبين المنظمات الحقوقية الإنسانية من جهة أخرى، فضلًا عن شكوى الشعوب المضطهدة المغلوبة على أمرها.
وندرك كيف أصبحت القيم والحقوق مطيَّة لأهواء السياسات العالمية الجائرة؛ التي تحركها إن أرادت الضغط على بلد وتُصعِّدها إعلاميًا، وتسكت إن رضيت وكأن شيئًا لم يكن!
المقارنة بين الهجوم على العراق أو ليبيا -مثلًا- وبين الإحجام عن حسم القضية السورية؛ يكشف جانبًا من الخداع الأممي بتغليف المصالح الاقتصادية -المتعلِّقة بالنفط، أو الأمن الإسرائيلي، أو غيرها- بغلاف الإنسانية، وحفظ كرامة الشعوب، وحقوق الإنسان، وحقوق الأقليات!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8367
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4806
| 05 أغسطس 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد خيارٍ استهلاكي شخصي، ليصبح لدى البعض رمزًا للمكانة والوجاهة الاجتماعية، وأحيانًا مفتاحًا طلسميًا للدخول إلى خفايا دهاليز صالونات النخبة ورجال الأعمال. حتى يُخيَّل للمرء أن بعض العلاقات والتفاهمات بين كبار القوم تبدأ بطقة الولاعة قبل تبادل بطاقات التعارف (Business Cards). إن التكلفة العالية لمحبي السيجار، واقترانه بأشهر العلامات الفاخرة، جعلته في نظر البعض مؤشرًا على الوجاهة الاجتماعية؛ إذ لم يعد اقتناؤه مجرد شغفٍ بالتدخين والكيف، بل أصبح لدى بعضهم وسيلةً لاستعراض المكانة الاجتماعية. فالسيجار في كوبا ابنُ بيئته وتراثها وثقافتها، يبدأ من سائق الأجرة الغلبان في شوارع هافانا إلى رئيس الجمهورية في قصره، أما في بعض مجتمعاتنا، فقد أصبح أحيانًا مهاجرًا بلا عنوان، يبحث عن هويةٍ اجتماعية أكثر مما يبحث عن مكانه الطبيعي. ولعل كثيرًا من المساكين من هواة الشروتة، والشيشة، والسجائر، والقدو، يتطلعون بحسرةٍ وشوق إلى خوض هذه التجربة المخملية، غير أن المثل الشعبي يصفع طموحهم مبكرًا: «العين بصيرة، واليد قصيرة». ومن عجائب جاذبية السيجار في تلك الصالونات (Cigar Lounge)، أن دخانه بات يمارس دورًا يكاد يشبه فعل السحرة مع قوم فرعون في جذب أنظار الراغبين في دخول ذلك العالم. فهو يمنح حامله مسحةً متكلفة من الهدوء، ويُظهره في حالةٍ من التفكير العميق والتركيز الحاد، حتى يُخيَّل للمشاهد أن هذا «السرحان الاستراتيجي» كفيلٌ بهندسة الاستثمارات العابرة للقارات وجلب الصفقات المليارية، بمجرد زفرةٍ واحدةٍ تنطلق في الهواء. وهنا يبرز تساؤلٌ يستحق التأمل: هل يمكن أن تتطور تكاليف اقتناء السيجار الفاخر لتتحول مستقبلًا إلى ظاهرةٍ اجتماعية ضاغطة، يرافقها عبءٌ مالي يشبه ما نشاهده من مظاهر الاستعراض والمبالغة في تكاليف الزواج وصالات الأفراح والعزاء؟ ختامًا، ليس المقصود نقد السيجار أو محبيه، أو عشاقه، أو هواة اقتنائه، فذلك شأنٌ شخصي محض. وإنما المقصود هو ألا تتحول هذه الظاهرة إلى سباقٍ اجتماعي يُرهق كاهل الفرد، ويجعل قيمته تُقاس بما يمسكه بين أصابعه، وبما يحمله بين يديه من عُدَّة وإكسسوارات السيجار الفاخرة.
990
| 02 أغسطس 2026